كتب نقولا أبو فيصل!الحروب العبثية… وصناعة الإنسان الصلب

في الحروب العبثية التي يُزج فيها لبنان مرارًا، من دون أن يكون لشعبه ناقة أو جمل في صراعات الآخرين، أشعر أن من واجبي أن أخرج بشيئ مفيد للشباب اللبناني وأذكرهم بحقيقةٍ بسيطة وهي أن أقسى الأيام قد تكون هي نفسها التي تصنع أقوى الشخصيات. فالتاريخ لم يُكتب في ساعات الراحة، بل في لحظات الشدة التي تُجبر الإنسان على اكتشاف طاقاته الكامنة. وما يبدو اليوم كأيامٍ ثقيلة ومربكة قد يتحوّل مع الزمن إلى أساسٍ متين تُبنى عليه شخصية شباب لبناني أكثر وعيًا وصلابة.
على الصعيد الشخصي، لقد مررتُ في مراحل من حياتي بمحطاتٍ لم تكن سهلة؛ طرقٌ متعبة، تجارب قاسية وأسئلة كثيرة عن الغد الذي بدا أحيانًا غامضًا أكثر مما ينبغي. لكنني اكتشفت مع الوقت أن تلك اللحظات لم تكن عبئًا فقط، بل كانت مدرسةً حقيقية للحياة. ففي كل تحدٍّ واجهته تعلّمت شيئًا جديدًا عن نفسي، وفي كل عثرةٍ كان هناك درسٌ خفيّ ينتظر أن يُفهم. هكذا أدركت أن الإنسان لا يُصنع في لحظات الانتصار وحدها، بل في تلك اللحظات الصامتة التي ينهض فيها بعد السقوط، ويعيد ترتيب قلبه وأفكاره ليكمل الطريق بإرادةٍ أقوى.
الى شباب لبنان، لا تسمحوا للحرب أن تقنعكم بأن المستقبل هو قاتم، ولا تدعوا الخوف يسرق منكم القدرة على الحلم. فالحياة في هذا البقعة من الشرق المعذب علّمت أبناءها شيئًا نادرًا وهو القدرة على النهوض حتى من قلب العاصفة. فالقوة الحقيقية ليست في غياب الألم، بل في القدرة على تحويله إلى طاقةٍ تدفع الإنسان إلى الأمام. وربما ما تمرّون به اليوم سيصبح غدًا أحد أهم الفصول التي شكّلت شخصياتكم ومنحتكم عمقًا لا تمنحه الأيام الهادئة. فالطريق في النهاية لا يُصنع بالظروف المثالية، بل بالعزيمة التي ترفض الاستسلام، وبالإيمان بأن فجر لبنان لا بدّ أن يولد مهما طال الليل .
نقولا أبو فيصل كاتب وباحث وعضو إتحاد الكتاب اللبنانيين
www.nicolasaboufayssal.com
اتّحاد الكتّاب اللبنانيّين













