ماذا كشف أبو فاعور عن مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل؟


نادر حجاز
تل أبيب تفرض توقيتها على بيروت بالميدان.. المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لم تنضج بعد

تنشط الحركة الدبلوماسية في بيروت في إطار الاتصالات الدولية المبذولة بحثًا عن أرضية تسمح بإطلاق مفاوضات بين لبنان وإسرائيل لوقف التصعيد، حيث تقوم باريس وواشنطن بمساعٍ لخلق إطار أولي قد يمهّد للتفاوض متى نضجت الظروف.وسُجّلت سلسلة زيارات لكل من السفيرين الأميركي ميشال عيسى والفرنسي هيرفيه ماغرو، لا سيما بين القصر الجمهوري والسراي الحكومي وعين التينة، حيث أعلن ماغرو بعد لقاء رئيس البرلمان نبيه بري أننا “مستمرون بمساعينا والعمل لحل المسألة”.
تجنّب تجربة 17 أيار
تؤكد المعلومات أن بري يُبقي الباب مفتوحًا على كل الاتصالات والاقتراحات، وهو على موقفه الداعم لمبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون، إلا أنه يحافظ على تمايز موقفه بضرورة وقف إطلاق النار أولًا، وعدم الذهاب إلى التفاوض تحت النار.إضافة إلى ذلك، يشدد بري على أهمية التمسك والالتزام باتفاق تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وبـ”لجنة الميكانيزم” كإطار عملي وتفاوضي لتطبيق الاتفاق.
وصحيح أنه لا موعد قد حُدّد بعد لمثل هذه المفاوضات، ولا المكان إن كانت قبرص أو باريس، في ظل عدم اليقين من حقيقة الموقف الإسرائيلي، إلا أن لبنان الرسمي يحاول أن يذهب أبعد لجهة إعلان الموقف أمام المجتمع الدولي، بنيته الجدية بالتفاوض، لا بل اتخاذه كل الإجراءات العملية لهذه الخطوة، ومن بينها تشكيل الوفد الرسمي ليكون حاضرًا في لحظة نضوج الأجواء.
وبطبيعة الحال، يخضع موضوع تشكيل الوفد لطبيعة التركيبة اللبنانية، لجهة تمثيل كل المكونات الطائفية بالدرجة الأولى، من أجل إعطاء أي اتفاق محتمل مشروعية وميثاقية، والأهم الغطاء من قِبل كل الطوائف اللبنانية كي لا يكون عرضة للطعن والسقوط، كما حصل في مرات سابقة مشابهة، لا سيما اتفاق 17 أيار 1983.
وفي هذا السياق، لا يزال البحث قائمًا مع الرئيس بري لضمان التمثيل الشيعي في الوفد التفاوضي، كشرط أساسي لتنفيذ أي اتفاق قد يتم التوصّل إليه، إلا أن النقاش لم يصل بعد إلى نقطة اتفاق.
الأمور لم تنضج
يشير عضو اللقاء الديمقراطي النائب وائل أبو فاعور، في حديث لموقع “الترا صوت”، إلى أنه “بالنسبة للبنان، الأساس التفاوضي هو مبادرة رئيس الجمهورية التي تحظى بدعم لبناني واسع، لكن لا يبدو أن الأمور قد نضجت في أكثر من اتجاه”.
ويكشف أبو فاعور أن “العروض التي تلقاها لبنان لا تتضمن يقينًا وقفًا للاعتداءات، ومن جهة أخرى لا ضمانات من بعض القوى الداخلية المنخرطة في القتال بالالتزام بموقف الدولة”.
ويلفت إلى أن “الأمور لم تنضج بعد، لكن على لبنان التعامل إيجابًا مع المبادرات الدولية للاستفادة من هذه الجهود في وقف العدوان”.
جو سلبي إسرائيلي
تلقى المبادرة اللبنانية ترحيبًا دوليًا، مشروطًا ببند أساسي يتعلق بضمان وقف حزب الله إطلاق النار وتسليم سلاحه، الأمر الذي يصعب على لبنان تقديم أي التزامات بخصوصه، رغم القرارات الحكومية المتخذة لجهة حصرية السلاح.في هذه الأثناء، تأتي الأجواء الإسرائيلية سلبية، فمن الواضح أن تل أبيب لا تزال تجنح نحو الخيار العسكري وتثبيت واقع عسكري ضاغط في الميدان، لتبني عليه أي خيار تفاوضي لاحقًا.
ورغم القرار الإسرائيلي بتكليف وزير الشؤون الاستراتيجية السابق رون ديرمر بأي مفاوضات محتملة مع لبنان، وحديثه عن إمكانية التفاوض، وكذلك تكليف صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر تولي مهمة الإشراف على هذه المفاوضات، إلا أن إسرائيل تمسك بقرار التوقيت، وقد أشارت القناة 12 الإسرائيلية إلى أن “المفاوضات مع لبنان في هذه المرحلة ليست مطروحة على الطاولة”.
وقد أعلن وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر أنه لا توجد مفاوضات متوقعة في غضون الأيام القريبة، متوجهًا إلى الحكومة اللبنانية بضرورة اتخاذ إجراءات فورية لوقف الهجمات التي تنطلق من لبنان.
الرعاية فرنسية أم أميركية؟
توازيًا، ورغم الدور الفرنسي في طرح خيار التفاوض، إلا أن الكباش الفرنسي الأميركي يتحكّم بالمسار اللبناني.ويبدو أن الطرح الفرنسي لا يتعدى كونه استطلاعيًا ودافعًا نحو التفاوض من دون تقديم إطار رسمي واضح، وكان لافتًا إعلان وزارة الخارجية الفرنسية قبل أيام بأنه “لا توجد خطة فرنسية” لوقف الحرب الدائرة في لبنان بين إسرائيل وحزب الله، وذلك ردًا على تقارير إعلامية تحدثت عن مبادرة فرنسية لإنهاء النزاع.وقالت الخارجية الفرنسية في بيان، يوم السبت، إن باريس “دعمت انفتاح السلطات اللبنانية على محادثات مباشرة مع إسرائيل واقترحت تسهيلها”، مشددة على أن تحديد جدول أعمال أي محادثات محتملة “يعود للطرفين، وفقط للطرفين”.
وجاء الموقف الفرنسي عقب تقرير نشره موقع “أكسيوس” الأميركي أفاد بأن باريس أعدّت مقترحًا لإنهاء الحرب يتضمن اعتراف لبنان بإسرائيل، وأن هذا المقترح قيد المراجعة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبحسب التقرير، يقوم المقترح على إطلاق مفاوضات بين لبنان وإسرائيل بدعم أميركي وفرنسي، بهدف التوصل إلى إعلان سياسي خلال شهر واحد، يمهّد لاحقًا لاتفاق دائم لعدم الاعتداء بين الطرفين.
كما يتضمن المقترح إعادة تموضع الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وتنفيذ خطة لنزع سلاح حزب الله، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي سيطرت عليها منذ اندلاع الحرب الحالية.
غير أن الخارجية الفرنسية شددت على أن باريس لا تطرح خطة خاصة بها، بل تركز على دعم أي مسار دبلوماسي يمكن أن يفتح الباب أمام محادثات مباشرة بين الجانبين.
وهنا تعود الأنظار لتتجه إلى إسرائيل التي تعمل بضوء أخضر أميركي في لبنان، وأي خطوة تالية بعد الحرب ستحتاج بطبيعة الحال إلى غطاء أميركي، والقرار الأخير سيصدر من واشنطن، التي لا تزال تدعم توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان وتغطي عملية برية محدودة، سيكون لها انعكاساتها على اليوم التالي للحرب، وعلى أي مسار تفاوضي طبعًا.
إلغاء الترسيم البحري؟
وفيما ينشط الحديث عن تفاوض جديد، تذهب إسرائيل أبعد من ذلك، مشككة باتفاقية الترسيم البحري مع لبنان، ومظهرة رغبتها بإعادة النظر بها.
وأعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين أن إسرائيل تدرس إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان الموقعة عام 2022، لأنها بحسبه “لم تكن اتفاقية حقيقية، بل كانت وثيقة استسلام”، مدّعيًا أنه “بموجب هذه الاتفاقية حصل لبنان على كامل المنطقة المتنازع عليها مقابل تعهّد غامض بتحسين أمن إسرائيل، وهو تعهّد لم يتم الالتزام به على الإطلاق”.
ويؤشر هذا الموقف إلى أن إسرائيل لم تعد ترى في هذه الاتفاقية إطارًا مستقلًا يحظى بطابع قانوني دائم، وقد تتجه لإعادة النظر فيه وفق موازين القوى الجديدة التي تسعى لفرضها.
الكلمة للميدان
وعليه، فإن لبنان الرسمي بادر ويستعد للتفاوض، وباريس تستطلع وتشجع على سلوك هذا الخيار من دون قدرة على فرضه على طرفي الحرب، فيما تترك واشنطن الأمر لإسرائيل متى رأت ذلك مناسبًا، وفي الوقت نفسه تدعم الإجراءات اللبنانية التحضيرية للمفاوضات. أما إسرائيل، فقد أعلنت عن توسيع عملياتها في الجنوب وبدأت فعليًا بعمليات توغّل في العديد من القرى الحدودية، وعينها على جنوب الليطاني وربما أكثر، بعدما أنذرت سكان جنوب الزهراني بالإخلاء.
الكلمة إذًا للميدان، والمفاوضات ستأتي لاحقًا، إنما بالتوقيت الإسرائيلي.












