خريطة جديدة “لتوازنات” دول الخليج

هل القرار الإسرائيليّ الأميركيّ بتنفيذ حرب على إيران هو قرار فرضته الضرورة أم هو متعمَّد ليس له علاقة بفشل المفاوضات، أي أنّه قرار يعكس الرغبة في الحرب للحرب بصرف النظر عن الخلفيّات والمسبّبات والتداعيات التي سبقته؟
السؤال الأهمّ الذي يفرض نفسه الآن حتّى أجيال مقبلة هو: هل آثار وتداعيات هذه العمليّة تساوي إضعاف أو حتّى إسقاط النظام الإيرانيّ؟ ببساطة هل كلفة الحرب بكلّ أشكالها الاقتصاديّة والعسكريّة والسياسيّة تساوي الجائزة النهائيّة التي سعت إليها تل أبيب وواشنطن وحلم بها بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب؟
تأتي بداية خيط الإجابة من التساؤل: هل كانت الحرب مساراً إجباريّاً لمنع ما يعرف بالإنكليزيّة Imminent danger أي الخطر المحدق، وهو مصطلح استخدم في الجلسة الناريّة التي عقدها مجلس الشيوخ الأميركيّ لاستجواب السيّدة تولسي غابارد (Tulsi Gabbard) مديرة الاستخبارات الوطنيّة الأميركيّة؟
تهرّبت تولسي من الإجابة بنعم أو لا، وحينما سئلت مجدّداً: هل قدّمتم أيّ تقارير استخباريّة تفيد بأنّ هناك خطراً محدقاً؟ عادت تولسي للتكتيك نفسه في المراوغة بالإجابة وقالت: نحن نوفّر أفضل المعلومات للرئيس. في التصويت النهائيّ بعد هذا الاستجواب فشل مجلس الشيوخ في تقييد سلطة الرئيس ترامب في شنّ الحرب بـ48 صوتاً مقابل 52 صوتاً من الحزب الجمهوريّ.
هناك “شكّ حميم” لدى النخبة السياسيّة ومراكز صناعة القرار الأساسيّة في مدى رجاحة صناعة القرار لدى الرئيس ترامب. المعلومات الصحيحة تصله، وواشنطن لا ينقصها مراكز أبحاث ذات خبرة عميقة في التحليل الاستراتيجيّ وطرح البدائل، ولدى استخبارات البنتاغون أكبر قاعدة بيانات دقيقة ومفصّلة عن الأوضاع في إيران وموازين القوى وحجم التسليح ونوعيّته وكفاءته.
شخصيّة ترامب
على الرغم من ذلك كلّه يوصف الرجل من قبل الكثير من الذين عملوا معه وخبروا شخصيّته عن قرب بأنّه “قراى” يؤمن بأنّه وحده لا سواه “صاحب الصواب المطلق”، وأنّ مبدأ تكرار أيّ معلومة حتّى لو كانت مختلفة تماماً أو غير دقيقة سوف تؤدّي إلى تحوّلها مع كثرة التكرار إلى حقيقة في ذهن الرأي العامّ.
تمّ تصنيف ترامب من قبل كثير من “علماء النفس الاجتماعيّين” بأنّه “delusional”، أي “مريض بالوهم” يصنع أوهامه الخاصّة كواقع افتراضيّ ويصدّقه. هذا ليس سرّاً مكتوماً بل وقائع ضُبط فيها الرجل متلبّساً أمام الرأي العامّ والعالم بالاختلاق والكذب لبناء أوهام ليس لها سند من الحقيقة.
كيف ذلك؟
تمّ رصد 16,241 ادّعاءً خطأً أو مضلّلاً لدونالد ترامب خلال فترة رئاسته الأولى، أي بمعدّل 15 تصريحاً مضلّلاً يوميّاً، وهي نسبة غير مسبوقة في تاريخ أكاذيب المسؤولين في الولايات المتّحدة والعالم منذ قرنين من الزمان. من هنا من الصعب للغاية تسويقها للرأي العامّ الأميركيّ أو العالميّ كلّما استطالت الحرب مع إيران.
مع مرور أيّام وأيّام على هذه الحرب وظهور آثارها على المستهلك الأميركيّ وأسعار الطاقة والخدمات، يصبح صعباً على مجلسَي الشيوخ والنوّاب أن يستجيب لمطلب ترامب توفير 200 مليار دولار تمويلاً إضافيّاً لهذه العمليّات. جاء في التقارير الأوّليّة عن كلفة الأيّام الستّة الأولى لهذه العمليّات أنّها قد تجاوزت 1103 مليار دولار لتصل إلى 9 مليارات يوميّاً. بيّنت هذه التقارير أنّ أوّل 155 ساعة لهذه العمليّة التي أدّت إلى اغتيال المرشد الأعلى وبعض رؤوس النظام كلّفت 3.7 مليارات دولار.
سوف يفتح ذلك كلّه ملفّ كلفة أسعار الأسلحة والذخائر التي يصنّعها المجمّع الصناعيّ العسكريّ (أكبر داعم للحزب الجمهوريّ)، وسيتمّ طرح سؤال: كيف يعقل أن يكون كلفة إسقاط مسيّرة إيرانيّة تنتَج محلّيّاً بما لا يتجاوز 50 ألف دولار مقابل مليون دولار ثمن صاروخ أميركيّ مضادّ؟!
سيكون حاصل ذلك كلّه تعريف “معنى الانتصار” الذي يمكن أن يقدّمه ترامب لعهده وجمهوره وحزبه، خاصّة أنّه يعتبر كلّ ما يفعله خلال 2026 من إجراءات في الداخل والخارج بدءاً من التعرفة الجمركيّة إلى قرارات الهجرة وصولاً إلى مجلس السلام في غزّة وعمليّة خطف نيكولاس مادورو حتّى هذه العمليّة ضدّ إيران، جزءاً من الحملة الانتخابيّة لمرشّح الحزب الجمهوريّ في انتخابات التجديد لنصف مجلس النوّاب وثلث مجلس الشيوخ.
معنى الانتصار
معنى الانتصار في الحروب كما يقول التعريف العلميّ:
1- تحقيق الأهداف السياسيّة والعسكريّة التي حُدّدت قبل الحرب.
2- يتحقّق ذلك إمّا من خلال الانتصار المطلق (من إدارة ترامب في البداية) أو تحقيق مكاسب سياسيّة أو اقتصاديّة (حتّى الآن يشكل الأمر نزفاً ماليّاً أو إشكاليّات سياسيّة مع الحلفاء).
يمكن حتّى الآن تصوّر أنّ إيران سوف تدفع ثمناً غير مسبوق في قدراتها العسكريّة وفي نخبتها السياسيّة وفي هيبة نظامها، لكنّ نظامها أيضاً لن يسقط تلقائيّاً أو أوتوماتيكيّاً على المدى القريب… إذا كان الهدف الإسرائيليّ هو إسقاط النظام فور “قطع رأس النظام” كما قام نتنياهو بتسويق نظريّته لترامب خلال زيارته الأخيرة للولايات المتّحدة في كانون الأوّل الماضي، فقد قال في خطاب له قبل 4 أيّام إنّه “حتّى لو لم يسقط النظام فبالتأكيد سوف يضعف”، ثمّ قال: “الأنظمة لا تسقط من الجوّ فقط لكن تسقط من خلال حركة الشعوب”.
يمكن القول باطمئنان إنّ سلوك ترامب ونتنياهو منذ بدء العمليّات حتّى الآن يُضعف منسوب الثقة بالتحالف الإقليميّ التاريخيّ مع ترامب أو احتمالات الإقدام على اتّفاق سلام خليجيّ مع إسرائيل نتنياهو.
لذلك كلّه أتوقّع بناء على مصادري أنّ هناك مراجعة استراتيجيّة عميقة من دول الخليج العربيّ للاعتماديّة المطلقة على واشنطن ووجودها كحليف تاريخيّ رئيس يوفّر الدعم والحماية.
عماد الدين أديب أساس ميديا












