الحركة الجنبلاطية

غازي العريضي*
يتماشى ويتجاهل كثيرون من دعاة دفع الجيش إلى صدام مع فريق لبناني اليوم جملة من الحقائق والوقائع والتجارب على مدى عقود من الزمن في تاريخ لبنان الحديث.
عندما استخدم الجيش في محاولة تنفيذ خيارات وتثبيت معادلات سياسية تتعلق بهوية لبنان، وكانت موضع خلاف بين اللبنانيين وقع الانقسام وعمّت الفوضى.
وعندما دَرّب الجيش بقرار سياسي ميليشيات استعداداً لمواجهة استحقاقات معينة تصبّ في الاتجاهات ذاتها وقع الخلاف والانقسام أيضاً وكانت الحرب.
وعندما أنزل إلى الشارع كان اغتيال الشهيد معروف سعد.
وعندما استخدم طرفاً في الحرب كان الخطأ والخطر الكبيرين، وكانت لعبة الأمم على أرضنا والخلاف عميقاً حول الخيارات الكبرى، من هوية لبنان إلى طبيعة النظام السياسي وتحوّل البلد إلى ساحة تتداخل فيها كل العوامل والحسابات الخارجية وتخاض عليها كل الصراعات وعمليات تصفية الحساب.
وعندما غُيّب الجيش عن الجنوب، ومؤسسات الدولة كلها، وكشفت الأرض أمام اسرائيل وشعر أبناء المنطقة بالتخلي عنهم ودفعوا اثماناً كبيرة وقاوموا بالحجر والبندقية ولم يكن ثمة مقاومة نظامية مجهزة كان انقسام وخلاف.
وحده كمال جنبلاط كان على أرض الجنوب تحديداً، متفقداً معايناً ومواكباً معاناة الناس وظلم وقهر العدوان الاسرائيلي المفتوح عليهم مطالباً الدولة بتوفير مقومات الصمود لهم وبناء الملاجئ والمستوصفات والمدارس وإشعارهم بالطمأنينة والأمان وانتمائهم إلى وطن ودولة واحدة تحميهم وترعى شؤونهم.
وعندما لاحت مؤشرات الحرب، حاول الرجل تفاديها، ثم تأخيرها، وحاول بمواقفه المعلنة واتصالاته مع الجميع تجنب إدخال البلد في آتون صراع المستفيد الأول منه اسرائيل التي تهدد وحدته وأمنه واستقراره، بذل كل الجهود ولم ينجح. عندما اندلعت الحرب، استمر في سعيه وتمسك بموقفه رغم كل الخلافات. لا لانقسام الجيش. لا لتقسيم مؤسسات الدولة. لا لتقسيم أرض البلد. طرق كل الأبواب، حاول مع كل الأطراف. طرح أفكاراً سياسية إصلاحية في محاولة لإبقاء الصراع في بعده السياسي. ولم ينجح. وكانت حرب الحروب. وعندما استخدم فيها الجيش تحت عنوان استهداف ميليشيات والاتفاق السياسي لم يكن قد أنجز نذكر جميعاً الكلفة الهائلة التي تسبّب بها والدم الذي أهدر بين أبناء البيئة الواحدة خصوصاً والوطن الواحد عموماً.
بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه كانت دعوات لإنزال الجيش، ولبنان في قلب الزلزال والانقسام، طلب إليه منع المتظاهرين الغاضبين من الوصول إلى ساحة الشهداء، عدم الإقدام على هذه الخطوة حمى البلد وأفسح المجال أمام الناس بالتعبير عن رأيهم. أسقطوا الحكومة. أطلقوا مساراً جديداً في البلد.
وعندما قامت حركة سميت ب” تغييرية ” وكانت محاولة لإقحام الجيش في مواجهتها، ولم يفعل، سقطت الحكومة، وانبرى ” التغييريون ” يعبّرون عن فرح وشعور بالانتصار. اليوم، جزء فاعل من هؤلاء يدعو إلى إقحام الجيش في صراع داخلي. أمر صعب وأكثر كلفة من كل المراحل السابقة تحت عنوان تنفيذ قرارات الحكومة بعد قرار وقف الأعمال العدائية الذي لم تنفذ اسرائيل كلمة منه، والجيش قام بخطوات كبيرة لتنفيذ القرارات بحصر السلاح بيد الدولة. وأشار اليها الأميركي والفرنسي والإسرائيلي والغربي والعربي والبعض قال انها ليست كافية، وهذا صحيح. والجيش نفسه أقرّ هذا الأمر والإصرار على الاستمرار في تنفيذ المهمة لكنه طالب بتوفير مستلزمات ومقدرات معينة، ولم يقدم شيئ له إضافة إلى موجبات دوره على الحدود اللبنانية السورية، وفي مواجهة مصنّعي المخدرات ومروّجيها، وتثبيت الأمن والاستقرار في الداخل. ثم شنّت حملة على قيادته، ولم يتوقف التشكيك به. سقط كل شيئ ودخلنا في حرب أصعب وأشرس وأشد وطأة من الأولى التي أطلقت تحت عنوان ” إسناد غزة ” واليوم تحت عنوان ” إسناد إيران ” وهو خطأ كبير ارتكبه حزب الله ولبنان لم يخرج من الأولى بعد. احتل الجنوب. اليوم يقع تحت الثانية والاحتلال يتوسّع، والدمار أكبر، والتهجير أوسع والخطر على العودة أكبر وأكبر. بعد الحرب الأولى قلت أكثر من مرة : ” أخشى أن نصل إلى مرحلة نطالب فيها بحق عودة ابناء الجنوب إلى ديارهم مثلما أمضينا عقوداً من الزمن نطالب فيها بحق عودة الفلسطينيين إلى أرضهم “. ها هو الخطر أمامنا. واسرائيل نتانياهو تتحدث عن الحق الإلهي لها بالسيطرة على قسم من لبنان وسوريا والعراق ومصر والأردن والسعودية وفلسطين بالتأكيد “!
وفي ظل الكلام المتداول في أروقة وكواليس السياسة والدبلوماسيين العرب والأجانب والهيئات الدولية ثمة من يتحدث بوضوح عن ضرورة ” رؤية الدم ” في لبنان. المواجهة بين الجيش وفريق لبناني والجيش متروك. ثمة دبلوماسيون يقولون علناً وعلى المنابر: ” … نعرف مقدرات الجيش ولكن عليه ان يقوم بما هو مطلوب منه ” !! وثمة دول ترفض التدخل في الحرب على ايران بناء لرغبات أميركية اسرائيلية وتدعو إلى إقحام الجيش اللبناني في مواجهة داخلية. موفد الرئيس الفرنسي جان إيف لودريان قال: ” اسرائيل لم تتمكن من التخلص من حزب الله فهل يطلب إلى الدولة اللبنانية إنجاز المهمة خلال أيام ” ؟؟ بعده جاء وزير خارجية فرنسا وقال: ” لا بد للجيش أن يقوم بنزع سلاح الحزب “. وثمة دعوات لتصنيفه ” منظمة إرهابية وإخراجه من الحكومة، ولاحقاً من الإدارة “. بين ضياع وتناقض ورغبات وأمنيات وحقائق يبدو البلد في مهب الريح واسرائيل تستغل كل شيء و” تمنّن ” اللبنانيين أنها تقوم بتأدية الرسالة عنهم ولمصلحتهم تماماً مثلما تخاطب العرب في حربها ضد إيران!
الكيان كله في خطر بوحدته ومصير نظامه السياسي. المطلوب الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها وعلى رأسها الجيش، الالتزام بقرارات الحكومة، ومرفوض خطاب بعض مسؤولي حزب الله الذي يتجاوز كل حدود المنطق والدفاع عن قضية أو التعبير عن رأي بلغة التهديد والوعيد. ثمة على الشاشات ومسرح السياسة في لبنان خطابات ومقاربات وأصوات ومطالبات مخيفة بما تحمله من حقد وكراهية ونفخ في الفتن وتفلّت من كل مسؤولية وتقدير لما يمكن أن تصل اليه الأمور، وثمة من يتصرف وكأنه لم يتعلّم من تجارب الماضي، واللعبة فوق رؤوسنا جميعاً اكبر من كل لبنان، وتهدّد كل المنطقة واسرائيل المستفيد الأكبر من كل ما يجري ولن تقبل ” بقاء قوة تهدد أمنها واستقرارها ” ” على باب بيتها ” كما يقول مسؤولوها الذين يعتبرون أنهم قاب قوسين من السيطرة على كل المنطقة ويفاخرون بما حققوه على كل الجبهات فلن ” يكسروا أمام هذا الباب “، وليس ثمة تفاهم بالحد الأدنى في الداخل على حماية ما تبقى من البلد. خرج رئيس الجمهورية بفكرة التفاوض المباشر. اسرائيل رفضتها. والداخل غير متوافق حولها. وهي معلقة. الحرب مفتوحة. الخلافات قائمة بين اهل الحكم حول هذه الفكرة. الانقسام السياسي عميق وكان ينقصنا سجال وتحد حول إقامة مركز لإيواء النازحين في الكرنتينا، واستحضار البعض لما ترمي اليه هذه المنطقة في ذاكرة الحرب الأهلية، واستخدام تعابير وتشبيهات ومقاربات لا تمت بصلة إلى الجانب الإنساني والواجب الأخلاقي تجاه النازحين من ديارهم ومسؤولية الدولة في المعالجة. نحن على خلاف سياسي مع حزب الله. وغيرنا كذلك. وبعض هذا الغير فاخر بما ” أنجزه ” في مرحلة النزوح الأولى ومن باب الواجب الإنساني، نقوم بواجبنا معبّرين عن رأينا السياسي مقدّرين مخاوف كثيرين محذرين من اندفاعات غير محسوبة عند آخرين رافضين الاستفزاز السياسي وخطاب الحقد والكراهية من هنا أو هناك.
مرة جديدة تحضر الحالة الجنبلاطية أمامنا. حالة الاختصاص والخبرة في معرفة تاريخ لبنان وتوازناته وتنوعه ومحطات الصراع فيه والتجارب والخلاصات والعبر التي نتجت عنها. وليد جنبلاط في حركة جدية متواضعة بعيدة عن الضوضاء، مفتوحة في كل الاتجاهات يحاول الحد من الخسائر وحماية الكيان. ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي تيمور جنبلاط يجول على رأس وفد من الحزب واللقاء الديموقراطي في كل الاتجاهات والمناطق وعلى كل المرجعيات والمعنيين في مواقعهم المختلفة لتثبيت المشترك بين اللبنانيين وتجنّب تعميق الانقسام، والتوافق حول الحد الأدنى لحماية وحدة البلد ومؤسسات الدولة .
مهمة صعبة كبيرة لكنها تستحق المعاناة. إنها أمانة المسؤولية ومسؤولية حفظ الأمانة في آن معاً. حركة تنطلق من تقدير عميق للأزمة في الداخل وتخلّي الخارج وتحريض بعضه بعض الداخل، واندفاع بعض الداخل مع خارج آخر. ليس ثمة أوهام في الحركة الحالية وهي ليست من باب رفع العتب. اي موقف وكلمة وحركة من اي جهة في لبنان تخفف المعاناة، تقرّب المسافات، تساهم في إنقاذ ما تبقى وتحمي مصير الكيان مشكورة ومباركة، يفترض أن نكون قد تعلمنا من تجارب الماضي … ونحن نواجه أخطر الحروب اليوم.
*وزير ونائب سابق












