تحولات الخوف: حين تبحث الطائفة عن دولة
نبيل الملحم – جريدة الانباء
“المسألة الدرزية” باتت اليوم مصطلحاً قابلا للتداول في سوريا (مع إضافة ألـ التعريف)، كما باتت واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في فهم العلاقة بين الطائفة والأمة، ليس فقط بسبب طبيعة الجماعة نفسها، بل بسبب موقعها التاريخي داخل كيانات سياسية أكبر، حيث لم تتطور (الطائفة) يوماً بوصفها مشروعاً قومياً مستقلاً، بل بوصفها جماعة دينية-اجتماعية متماسكة تعيش داخل فضاءات سياسية أوسع، فمنذ نشأة الدعوة الدرزية ربما في الـ (١٠٢٠ م)، ارتبطت هذه الجماعة بنمط خاص من الانغلاق العقائدي والتنظيم الاجتماعي، ما منحها قدرة عالية على البقاء والاستمرار، لكن هذا الانغلاق الذي شكّل حصناً لها، أعاق تحولها إلى هوية سياسية مفتوحة قابلة للتوسع، كما هو حال القوميات الحديثة، فالدروز لم يسعوا تاريخياً إلى إقامة دولة قومية، بل إلى تأمين قدر من الحكم الذاتي أو الحماية داخل سلطات قائمة، سواء في ظل الدولة الفاطمية أو العثمانية أو في الكيانات الوطنية الحديثة.
في سوريا، تبلورت الخصوصية الدرزية في إطار جبل حوران، حيث لعبت الجغرافيا دوراً حاسماً في إنتاج نوع من الاستقلال الاجتماعي والسياسي النسبي، دون أن يتحول ذلك إلى مشروع انفصالي دائم، حتى خلال لحظات القوة، كما في تجربة سلطان باشا الأطرش في الثورة السورية الكبرى، حيث لم يكن المشروع درزياً خاصاً، بل وطنياً سورياً واسعاً، ما يعكس أن الهوية الدرزية كانت تُفهم ضمن أفق أوسع، لا كبديل عنه، هذا النمط استمر في الدولة السورية الحديثة، حيث اندمج الدروز في مؤسسات الدولة، مع احتفاظهم ببنية اجتماعية داخلية قوية، تقوم على المرجعيات الدينية والعائلية، وكان ذلك حتى في نشوة اليسار السوري.
ـ لحظة التحوّل:
التحولات التي شهدتها سوريا منذ 2011، ثم الانهيار العميق في بنية الدولة، أعادت طرح السؤال الدرزي في سياق مختلف تماماً، فقد أدت الحرب السورية الطويلة إلى تفكك السلطة المركزية، وظهور أنماط من الحكم المحلي، وتزايد الاعتماد على قوى مسلحة ذات طابع أهلي.
في هذا السياق (وعبر ما يزيد عن سنتين من سقوط الأسد)، تحولت محافظة السويداء إلى مساحة شبه مستقلة بحكم الأمر الواقع، تدير شؤونها عبر شبكات محلية، مع حضور محدود للدولة، ومع تصاعد التوترات، خصوصاً في عام 2025، دخلت سوريا مرحلة أكثر عنفاً، حيث شهدت اشتباكات دامية بين مجموعات درزية ومسلحين من العشائر، ولدوافع طائفية بمجملها (وبتواطؤ من قوات حكومية لحساب العشائر)، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا، مع انتهاكات طالت الممتلكات والأعراض، مع توثيق لتلك الانتهاكات، ليتداخل ما بعدها العامل الخارجي بالعوامل الداخلية، خصوصاً ما بعد التدخلات الإسرائيلية التي دعت إلى “حماية الدروز” دون أن تحميهم من وقائع المجزرة، مازاد الأمر تعقيداً عبر ربطه بصراعات إقليمية أوسع.
ـ من سؤال الطائفة إلى سؤال الوجود:
في هذا السياق، بدأت ترتفع أصوات داخل المجتمع الدرزي، تتحدث عن أشكال من الاستقلال أو الحكم الذاتي، بل وحتى عن مشاريع دولة خاصة، أحياناً تحت مسميات مثل “جبل باشان”، مستندة إلى شعور متزايد بالتهديد الوجودي بعد أحداث العنف، وإلى فقدان الثقة بالدولة المركزية، كما إلى رفع شعارات الاستقلال، في ظل انتشار السلاح وتراجع سلطة الدولة، غير أن هذه الطروحات (طروحات الاستقلال)، رغم قوتها الرمزية، لابد تحتاج إلى قراءة أعمق، تميز بين “رد الفعل الأمني” و”المشروع التاريخي”، وهو ما يستدعي التوقف عنده طويلاً، فالدعوة إلى “دولة درزية”، في جوهرها، هي تعبير عن هروب من أزمة أكثر منها مشروع لحل.
ـ إنها تنبع من لحظة خوف جماعي، حيث تبحث الجماعة عن ضمانات للبقاء، بعد أن شعرت بأن الدولة لم تعد قادرة على حمايتها، أو أن الدولة نفسها قد أصبحت مصدر تهديد للجماعة.
هذا النمط من التفكير ليس جديداً في تاريخ الجماعات الصغيرة، إذ يظهر غالباً في لحظات الانهيار، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى مسار مستقر، فقيام دولة لا يعني فقط إعلانها، بل يتطلب شروطاً بنيوية معقدة إن لم تكن بالغة التعقيد.. يتطلب فيما يتطلب:
ـ كتلة سكانية كافية، إقليم متصل قابل للحياة، اقتصاد مستقل، واعتراف دولي، والأهم من ذلك، سردية قومية جامعة تتجاوز الإطار الطائفي الضيق.
في الحالة الدرزية، تبدو هذه الشروط غائبة أو ضعيفة، فالدروز، رغم تماسكهم، ليسوا جماعة عددية كبيرة، وهم موزعون جغرافياً بين سوريا ولبنان وإسرائيل (حتى في سوريا موزعين)، ما يجعل من الصعب تصور كيان سياسي متصل ومستقر، كما أن الهوية الدرزية، بطبيعتها المغلقة، لا تقدم بسهولة أساساً لهوية قومية حديثة، لأنها لا تسعى إلى التوسع أو الدمج، بل إلى الحفظ والاستمرار، أما الاعتماد على دعم خارجي، خصوصاً من إسرائيل، فإنه يطرح إشكالية عميقة، إذ يحول الكيان (المحتمل) إلى جزء من صراع إقليمي، لا إلى تعبير عن إرادة داخلية مستقلة وحرّة.
الأهم من ذلك أن المجتمع الدرزي نفسه ليس موحداً حول هذه الطروحات، فهناك اتجاهات واسعة لا تزال ترى مستقبلها ضمن دولة سورية موحدة، وإن بشروط جديدة تضمن الحماية واللامركزية، مقابل أصوات أخرى تميل إلى خيارات أكثر راديكالية.. هذا الانقسام الداخلي يعكس حقيقة أن “الدولة الدرزية” ليست مشروعاً ناضجاً، بل فكرة متنازع عليها داخل الجماعة نفسها.
هنا يمكن فهم المسألة الدرزية بوصفها حالة مكثفة لما يعيشه المشرق العربي عموماً:
ـ انهيار الدولة لا يؤدي تلقائياً إلى نشوء أمم جديدة، لأن الدولة ليست مجرد إطار إداري قابل للكسر وإعادة التركيب، بل هي لحظة تبلور تاريخي معقّد تتقاطع فيه السلطة مع الذاكرة والاقتصاد والعنف والرموز.. حين تسقط الدولة، لا يبقى فراغٌ هندسيّ يمكن ملؤه بدول جديدة، بل يبقى حقل مفتوح من الشظايا:
ـ جماعات بلا سردية جامعة، ومراكز قوى تتنازع على تعريف المعنى قبل الأرض، وعلى من يملك حق تسمية الناس قبل أن يملكهم (وجنوب السودان نموذجاً).
أكثر من ذلك يفتح المجال أمام كيانات هشة، تبحث عن حماية أكثر مما تبني مستقبلاً.. الطائفة، في هذه الحالة، تتحول إلى إطار أمني، لا إلى مشروع قومي، فهي قوية بما يكفي لتنظيم نفسها والدفاع عن وجودها، لكنها تفتقر إلى العناصر التي تجعلها أمة بالمعنى الحديث.
وعليه، فإن طروحات “الدولة الدرزية”، رغم أنها مفهومة في سياق الخوف والاضطهاد، تبقى أقرب إلى استجابة ظرفية منها إلى مشروع تاريخي قابل للتحقق.. المستقبل المرجح لا يتجه نحو نشوء أمة درزية مستقلة، بل نحو أحد مسارين:
ـ إما إعادة إدماج هذه الجماعة ضمن دولة سورية معاد تشكيلها على أسس أكثر عدالة وتوازناً، أو استمرارها في وضع شبه مستقل ضمن بنية دولة ضعيفة، مع ما يحمله ذلك من هشاشة دائمة.
وفي الحالتين، يبقى السؤال مفتوحاً ليس حول قدرة الدروز على بناء دولة، بل حول قدرة الإقليم كله على إنتاج دول قادرة على احتواء تنوعه دون أن يتحول إلى خطوط دم.
يمكن فهم المسألة الدرزية على نحو أعمق إذا وُضعت في سياق مقارن مع جماعات أخرى واجهت سؤال البقاء بين الطائفة والدولة والأمة، فالدروز، بوصفهم جماعة دينية متماسكة لكنها محدودة عددياً وموزعة جغرافياً، يقفون في موقع وسطي بين نماذج نجحت في التحول إلى أمم أو دول، وأخرى بقيت ضمن أطر حماية دون أن تصبح مشاريع قومية مكتملة.
ـ أقرب المقارنات تأتي مع الأكراد في كردستان الممتدة عبر العراق وتركيا وسوريا وإيران.
هنا نجد جماعة تمتلك لغة واضحة، وكتلة سكانية كبيرة، وامتداداً جغرافياً متصلاً نسبياً، فضلاً عن سردية تاريخية قوية عن “أمة محرومة من الدولة”، هذه العناصر سمحت للأكراد، خصوصاً في إقليم كردستان العراق، ببناء كيان شبه دولتي يتمتع بمؤسسات وإدارة واقتصاد، ومع ذلك، ورغم كل هذه الشروط الأفضل بكثير من الحالة الدرزية، لم يتمكن الأكراد حتى الآن من تثبيت دولة مستقلة معترف بها دولياً.
هذا المثال يوضح أن حتى الجماعات التي تملك مقومات قومية صلبة تواجه صعوبات هائلة في تحويلها إلى دولة، فكيف بجماعة أصغر وأكثر تشتتاً مثل الدروز؟ هو سؤال!!
ـ هو سؤال مشروع لمن لا يدّعي احتكار العقل والمعرفة.
ـ مقارنة أخرى يمكن إجراؤها مع الموارنة في لبنان:
لقد لعب الموارنة دوراً محورياً في تأسيس الكيان اللبناني الحديث، ونجحوا في تحويل حضورهم الطائفي إلى موقع سياسي مركزي داخل دولة، بل إن لبنان في بداياته كان يُفهم جزئياً بوصفه إطاراً يحمي هذه الجماعة، ومع ذلك، لم يتحول الموارنة إلى “أمة مارونية”، بل ظلوا جزءاً من صيغة تعددية أوسع، سرعان ما أعادت إنتاج التوازنات الطائفية بدل تجاوزها.. التجربة اللبنانية تُظهر أن الطائفة قد تنجح في بناء دولة أو المشاركة في تأسيسها، لكنها لا تتحول بسهولة إلى أمة مستقلة، بل تبقى محكومة بعلاقاتها مع جماعات أخرى داخل الكيان نفسه.
يمكن أيضاً استحضار حالة العلويين في سوريا، خاصة في فترة الانتداب الفرنسي حين أُنشئت “دولة العلويين” في الساحل، ورغم وجود كيان سياسي منفصل لفترة، لم يتطور إلى مشروع قومي علوي، بل انتهى بالاندماج في الدولة السورية.. لاحقاً، ومع صعود النظام السوري الذي ارتكز جزئياً على نخب علوية، لم تتحول الطائفة إلى أمة، بل بقيت مرتبطة بالدولة كإطار حماية، ما يعكس مرة أخرى أن الطائفة قد تهيمن سياسياً دون أن تتحول إلى قومية أو إلى دولة.
ـ حالة أخرى ذات دلالة هي اليزيديون في العراق، خاصة بعد تعرضهم لإبادة جماعية على يد تنظيم داعش.
رغم حجم المأساة، لم تتبلور حركة واسعة نحو إقامة دولة يزيدية مستقلة، بل اتجهت المطالب نحو الحماية الدولية أو الحكم الذاتي ضمن إطار أوسع، يشبه هذا إلى حد كبير ما يظهر لدى الدروز اليوم:
ـ شعور حاد بالتهديد يقود إلى البحث عن ضمانات أمنية، لا بالضرورة إلى مشروع دولة.
أما إذا نظرنا خارج المنطقة، مقارنة الدروز باليهود قبل قيام إسرائيل (إذا كان ذلك ممكناً وهو ليس بممكن)، فإن هذه المقارنة تكشف الفارق أكثر مما تؤكد التشابه، إذ إن المشروع الصهيوني استند إلى عناصر لم تتوفر في الحالة الدرزية:
ـ انتشار عالمي واسع، دعم دولي كبير، سردية دينية-تاريخية أعيدت صياغتها كقومية حديثة، وقدرة على استجلاب الهجرة لتكثيف الكتلة السكانية.. هذه الشروط مجتمعة سمحت بتحويل جماعة دينية إلى أمة سياسية، وهو مسار استثنائي أكثر منه قاعدة عامة في التاريخ (بكل التاريخ).
ويمكن أيضاً النظر إلى الأرمن، الذين تعرضوا لإبادة جماعية، ومع ذلك تمكنوا من الحفاظ على هوية قومية قوية، بل وإقامة دولة في أرمينيا، غير أن الأرمن كانوا أصلاً جماعة إثنية-لغوية واضحة، وليسوا طائفة دينية، ما يجعل مسارهم مختلفاً جذرياً عن الحالة الدرزية.
ما تكشفه هذه المقارنات هو أن الجماعات التي تنجح في التحول إلى أمم أو دول تمتلك عادةً مزيجا من العناصر:
ـ كتلة سكانية كبيرة، لغة أو هوية ثقافية مميزة، إقليم متصل، وسردية سياسية قابلة للتعميم.
أما الجماعات التي تفتقر إلى هذه الشروط، فإنها تميل إلى تطوير استراتيجيات بقاء داخل كيانات أكبر، أو البحث عن حماية خارجية، دون أن تتحول إلى مشاريع قومية مستقلة.
في هذا السياق، تبدو الحالة الدرزية أقرب إلى نماذج مثل الموارنة أو اليزيديين أو العلويين، حيث الطائفة قوية ومتماسكة، لكنها لا تمتلك الشروط التي تسمح لها بالتحول إلى دولة، وما يظهر اليوم من طروحات “الدولة” هو، في جوهره، تعبير عن لحظة أزمة شبيهة بما عاشته هذه الجماعات في أوقات الخطر، حيث يتقدم هاجس الحماية على أي مشروع تاريخي طويل الأمد.
ـ السؤال الحقيقي الآن، ليس إن كانت هذه الجماعات قادرة على بناء دول، بل إن كانت البيئة الإقليمية تسمح أصلاً بقيام مثل هذه الكيانات دون أن تتحول إلى ساحات صراع مفتوحة.
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى الطروحات التي ترتفع اليوم في السويداء، أو في غيرها من مناطق سوريا، بوصفها مشاريع مكتملة، بل بوصفها إشارات إنذار إلى خلل أعمق في بنية الدولة والمجتمع، وهي، مهما بدت حادة أو صادمة، تظل جزءاً من حق الجماعات في البحث عن الأمان، حتى لو اختلفنا جذرياً مع المسارات التي تقترحها، فحق الاختلاف لا يعني التسليم بكل طرح، لكنه يفرض فهمه قبل الحكم عليه، والاعتراف بجذوره قبل رفض نتائجه.
هنا، لا تعود القضية في جوهرها سؤالاً عن “مشروعية” دولة لهذه الجماعة أو تلك، بل عن الشروط التي تجعل الناس يلجأون إلى تخيّل الدولة كملاذ أخير، كما يتطلب الإجابة عن أسئلة من مثل:
ـ لماذا يصل الخوف بجماعة إلى حد إعادة رسم الخرائط؟
ـ لماذا تفشل الدول في أن تكون مظلة جامعة تدفع مواطنيها إلى التمسك بها بدل الهروب منها؟
ـ وهل يمكن لهوية دينية مغلقة بطبيعتها أن تتحول إلى أفق سياسي مفتوح دون أن تفقد ذاتها؟ أم أن محاولات تحويل الطوائف إلى دول تحمل في داخلها بذور تفككها؟
ومن جهة أخرى، هل يكفي العنف وحده لتفسير تحولات الهوية، أم أن هناك بنى أعمق ( اقتصادية وثقافية ) تدفع الجماعات إلى إعادة تعريف نفسها؟ وهل يمكن لمجتمعات مثل مجتمعات المشرق العربي أن تتجاوز بنيتها الوسيطة، فلا تبقى عالقة بين الطائفة والأمة، بل تنتج صيغة جديدة .. صيغة:
ـ لا تُلغي الاختلاف ولا تحوّله إلى صراع صفري؟
لعل السؤال الأكثر إلحاحاً، في النهاية، ليس كيف نبني دولة متجانسة، بل كيف نقبل بمجتمعات غير متجانسة دون أن نخاف منها؟ كيف يمكن تحويل الاختلاف من مصدر تهديد إلى شرط للعيش المشترك؟ وكيف يمكن صياغة عقد سياسي يعترف بالهويات الجزئية دون أن يسجن الناس داخلها؟
هذه الأسئلة لا تملك إجابات جاهزة، لكنها قد تكون الطريق الوحيد للخروج من دوامة الأسئلة المغلقة التي لا تنتج سوى مزيد من الانقسام.. وربما:
ـ مزيد من الضحايا والدماء.












