بيروت على خط تماس تركي – إسرائيلي… لبنان ينادي بالحياد من أنقرة


كتب نادر حجاز في ألترا صوت
في تشرين الثاني/نوفمبر 2010 اختار رجب طيب إردوغان، وكان رئيساً للوزراء، بلدة الكواشرة النائية في أقاصي شمال لبنان، والتي يقطنها سكان تركمان لا زالوا يتحدثون التركية، ليوجّه رسالة أبعد من شكليات الزيارة التي رافقه فيها آنذاك نظيره اللبناني سعد الحريري.
أراد حينها أن يقول “نحن هنا”، مذكّراً ولو تلميحاً بالعصر الذهبي للسلطنة العثمانية، قبل الانكفاء إلى داخل حدود جمهورية كمال أتاتورك. إلا أن تطورات المنطقة وإعادة رسم خرائط النفوذ لا يبدو أنها ستبقي تركيا في بيتها الداخلي فقط، وقد أعلنها صراحة إردوغان أن أمن تركيا لا يبدأ في أنقرة إنما في بيروت ودمشق وحلب.
جنوبا لبنان وسوريا
يأتي تصعيد الموقف التركي بعدما فرضت إسرائيل أمراً واقعاً في الميدان، من خلال مناطق أمنية متقدمة في جنوب سوريا وجنوب لبنان، وبينهما أعلى قمة في الشرق الأوسط في جبل الشيخ.
ترفع تل أبيب سقف التحدّي مؤكدة أنها لن تنسحب من هذه المناطق رغم طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد وتجاهل الأمر في اللقاء الأخير مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض.
هذا الواقع يستنفر أنقرة التي لا تخفي دعمها الكامل للحكم الجديد في سوريا بقيادة أحمد الشرع، الأمر الذي واجهته إسرائيل من اللحظة الأولى، وقد شنّ الطيران الاسرائيلي موجة غارات عنيفة يوم سقوط نظام الأسد، قضت فيها على كامل الترسانة العسكرية للجيش السوري السابق. وقد بلغ الصراع ذروته إبان أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025.

خط التماس
لا ينفصل لبنان عن هذا المشهد، لا سيما مع تراجع الدور الإيراني، وتلويح ترامب الدائم بتدخّل الشرع في لبنان لمواجهة حزب الله، الأمر الذي نفاه الرئيس السوري أكثر من مرة، مؤكداً أنه يريد علاقات طبيعية مع لبنان، لا بل بناء شراكات اقتصادية تنموية ستكون سوريا في صلبها بين تركيا والعراق والخليج، ويمكن للبنان أن يستفيد منها ويكون شريكاً.
بالتوازي، يخوض لبنان مهمة معقدة وشائكة من خلال التفاوض مع إسرائيل، والتوصّل الى اتفاق إطار بين البلدين، وسط ملاحظات جوهرية كبيرة عليه في الداخل والخارج.
وبذلك تكون بيروت قد أصبحت خط تماس جديد بين الأمن القومي التركي والإسرائيلي، ما استوجب تحرّكاً لبنانياً مستجداً بدأ مع رئيس الحكومة نواف سلام، وقد مهّد له قبل أسابيع نائبه طارق متري، واستُكمل بزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون الخميس، والذي يحاول إرساء علاقات مع الجميع على قاعدة الحياد الإيجابي.

سرّ الاندفاعة اللبنانية
يوضح الخبير في الشؤون التركية الباحث جو حمّورة، في حديث لـ”الترا صوت”، أن “الاندفاعة اللبنانية الرسمية، من نواف سلام وصولاً إلى زيارة عون لأنقرة، تأتي في لحظة إقليمية حاسمة تعيد فيها القوى الإقليمية ترتيب تموضعها بعد التطورات الأخيرة في المنطقة وانحسار النفوذ الإيراني”.
ويضيف “يسعى لبنان في هذه المرحلة إلى عدم رهن تحركاته السياسية والدبلوماسية بمحور واحد، والدخول في شراكات مع قوى إقليمية وازنة ومؤثرة في الملف السوري والإقليمي كتركيا. كما يبحث عن داعم اقتصادي وتجاري وتمويل وتسليح للجيش اللبناني”.
ويشير إلى أن “التغيّرات الميدانية والسياسية في سوريا فرضت واقعاً جديداً يجعل من التواصل المباشر مع أنقرة ضرورة لبنانية لبحث ملفات الحدود، والنازحين، والتنسيق الأمني والسياسي المباشر، خاصة وأن الجميع يعرف مدى قدرة الجانب التركي على التأثير على النظام السوري الجديد”.

حضور سياسي – اقتصادي
حظي الرئيس عون بحفاوة لافتة في الاستقبال، وهو ثالث رئيس لبناني يزور تركيا خلال 70 عاماً. وكانت مناسبة أعلن فيها إردوغان أن “انتهاء مهمّة “اليونيفيل” سيشكّل تطوّراً هامًّا ونرغب في تركيا بالمشاركة والوجود في كل المبادرات التي ستنطلق لدعم الأمن في المنطقة وضمان سيادة لبنان بعد انسحاب هذه القوة”.
وأكد أن “دعمنا للقوات المسلّحة اللبنانية سيستمرّ من دون أيّ انقطاع ونرحب بالخطوات لإنهاء العدوان والاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية وتركيا مستعدة لتقديم كل الدعم والمساندة الممكنة لإعادة إعمار وتأهيل جنوب لبنان الذي تأثّر بالحرب الإسرائيلية”، مضيفاً “نتابع عن كثب المبادرات والخطوات الدبلوماسية التي يقوم بها الرئيس عون وقيّمنا طبيعة المساهمات التي يمكن أن نقدّمها له وبحثنا في فرص وآفاق تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات”.
وفيما اعتبر إردوغان أن “تطوّر الحوار مع سوريا سيكون مفيداً ومثمراً للبلدين”، جاءت كلمات عون حمّالة رسائل، حيث أكد “أننا اليوم أكثر تصميماً على استعادة سيادة دولتنا وبناء مستقبل آمن ومستقر لجميع اللبنانيين. ولا نتنازل عن كرامتنا الوطنية ولا استسلاماً لقوة طاغية ولا تدخّل أحاديًّا في شؤوننا الداخلية أو السيادية وهذا ما كانت عليه علاقات تركيا ولبنان منذ قيام الدولتين الحديثتين”.
ولاحقاً أعلنت الرئاسة اللبنانية أنه “جرى خلال الزيارة البحث في المساعدات التركية في مجالات عدة منها تدريب الجيش وتجهيزات وعتاد وبيوت جاهزة لتسهيل عودة النازحين، بالإضافة إلى تأكيد الاهتمام التركي في مجالات الكهرباء والنفط والبنى التحتية والنقل الجوي. كما جرى التداول في ⁠تفعيل اتفاقية التجارة الحرة وعمل اللجان المشتركة والتنسيق التركي لإشراك لبنان في مشاريع مشتركة في السكك الحديد والموانئ. كذلك، وجّه ⁠الرئيس عون دعوة لاردوغان لزيارة لبنان، فشكره واعداً بتلبيتها”.

ماذا تريد أنقرة؟
وأمام السخاء التركي في دعم لبنان، يكون السؤال مشروعاً: ماذا تريد تركيا؟
يجيب الباحث حمّورة: “ترتكز التطلعات التركية تجاه لبنان على عدة مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية، ومنها:
-ترسيخ النفوذ في شرق المتوسط: تسعى تركيا لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في دول شرق المتوسط، ولبنان يمثل حلقة مهمة في هذه الاستراتيجية البحرية والجيوسياسية.
-استقرار البوابة الجنوبية لشرق المتوسط: تهدف أنقرة إلى ضمان استقرار لبنان لمنع تمدد الفوضى أو تأثر خطوط التجارة والأمن الإقليمي.
-شراكات اقتصادية واستثمارية: البحث عن فرص مشاركة الشركات التركية في مشاريع إعادة الإعمار والتطوير في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات”.

الحياد الإيجابي
في المقابل، يقول حمّورة: “على الرغم من الأبعاد الإقليمية والتصريحات الصريحة للرئيس التركي حول ارتباط أمن أنقرة بالعمق العربي (بيروت ودمشق)، إلا أن لبنان يتعامل مع هذه الملفات وفق مسارين:
١- الفصل بين المسارات: يتعامل لبنان مع المفاوضات الإقليمية أو الحدودية مع إسرائيل كمظلة أمنية – دبلوماسية تهدف لاستقرار حدوده الجنوبية وسحب الذرائع، بينما يندرج التعاون مع أنقرة ضمن مسار الشراكات السياسية والاقتصادية الإقليمية لتثبيت سيادته.
٢- تأكيد السيادة والحياد الإيجابي: يحرص الجانب اللبناني على تأكيد أن انفتاحه على تركيا لا يعني الانخراط في محاور ضد قوى أخرى، بل بناء شبكة أمان إقليمية تدعم الاستقرار المحلي دون الارتهان للتجاذبات الإقليمية”.

الدور السوري
ولكن ماذا عن الدور السوري؟
يجيب حمّورة: “تنظر تركيا إلى الدور السوري في لبنان من منظور جديد تفرضه التحوّلات في موازين القوى داخل سوريا والمنطقة. فهي لا تؤيد عودة النفوذ السوري التقليدي بصيغته السابقة أو بشكل أحادي، ولا سيما إذا كان يخدم محاور إقليمية منافسة لمصالحها. وفي المقابل، تفضل أنقرة أن يقتصر الدور السوري على مجالات التنسيق الأمني والعسكري، ولا سيما في ما يتعلق بضبط الحدود ومكافحة التهديدات المشتركة، على أن يتم ذلك ضمن إطار تفاهمات إقليمية تكون تركيا شريكاً أساسياً فيها. كما تحرص أنقرة على أن يبقى أي حضور أو تأثير سوري في لبنان محكوماً باعتبارات الاستقرار وتوازن القوى الداخلية”.
ويتابع: “هذا وأظن أن الطرفين اللذين يعارضان تدخلاً مباشراً سورياً في لبنان هما تركيا واسرائيل، وطبعا إيران. بمعنى آخر، لا مظلة إقليمية لهذا التدخل”.

ممرّات النفوذ
بالخلاصة، يحاول لبنان أن يحجز مكاناً له وسط التقاطعات الدولية الكبرى في محيطه، وقد عبّر عنها بوضوح المبعوث الأميركي توم براك، حيث تحدث عن شراكة تكاملية بين العراق وسوريا وتركيا، والتي بدأت ملامحها بإعادة احياء خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس، وربما طرابلس، كما حضرت في المباحثات بين إردوغان ورئيس الوزراء العراقي.
وفيما تُرسم ممرات النفط والبيانات والتجارة، تلازمها بطبيعة الحال حدود النفوذ، فمَن يملك خطوط التصدير يملك حكماً القرار السياسي… وهذا ما يحاول لبنان أن يفعله قبل أن يسبقه القطار.

إرسال التعليق

You May Have Missed