الأسرى مقابل رفات يهود مفقودين.. هل قدّم لبنان خرائط المقابر والمعلومات لإسرائيل؟

نادر حجاز – الترا صوت

للمرة الأولى منذ آذار/مارس 2025، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنّ إسرائيل قررت إطلاق سراح خمسة أسرى اعتُقلوا في جنوب لبنان، موضحًا أنّ “القرار اتُّخذ مقابل تحديد مكان وإعادة جثث قادة المجتمع اليهودي في لبنان”.
يأتي هذا القرار بالتزامن مع الحراك الأميركي المكثّف لمنع انهيار المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، بعد الجولة السابعة والتوتر الذي رافق المباحثات. وتشكل هذه الخطوة جرعة لدعم مسار روما بانتظار اتضاح الصورة ميدانيًا وإقليميًا كما في الداخل الإسرائيلي.
المفقودون الأسرى
يذكر أن الأسرى الخمسة المدنيين الذين قررت إسرائيل الإفراج عنهم هم ثلاثة لبنانيين وسوريان.
وأشارت مصادر لموقع “الترا صوت” أن الأسير المحرَّر الأول مالك غازي قد تسلّمه ذووه في صور، وانتقل مع عائلته إلى بلدته عين عطا الواقعة عند سفح جبل الشيخ، في قضاء راشيا الوادي، حيث فُقد في تشرين الأول/أكتوبر 2025، ليتبيّن لاحقًا أنه اعتُقل من قِبل قوة إسرائيلية متوغّلة. وغازي مدني كان مدرجًا على أنه لبناني مدني، جرى اعتقاله من نقطة حدودية أثناء وجوده فيها.
والأسرى هم، إلى جانب غازي، علي شور، حسين عياش، أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي. ووفق تقارير إسرائيلية ولبنانية، فإن المفرج عنهم ليسوا من عناصر حزب الله، بل مدنيون جرى توقيفهم خلال فترة القتال.
اللافت في هذه العملية كان ما أعلنه نتنياهو، ونقله لاحقًا موقع “أكسيوس” عن مسؤول في الخارجية الأميركية، بأن “لبنان يساعد إسرائيل في استعادة رفات اليهود اللبنانيين المفقودة”
لقاء عيسى – نتنياهو
لا تنفصل هذه البادرة عن اللقاء الذي جمع مطلع الأسبوع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بنتنياهو، بحضور السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي. ويأتي ذلك في سياق الضغط الدبلوماسي الذي يمارسه السفير عيسى، في محاولة لإحراز تقدّم في المسار الدبلوماسي، لا سيما في ظل الانتقادات التي تتعرّض لها الدولة اللبنانية بأنها لم تحقق مكاسب من خلال المفاوضات.
ومن هذا المنطلق، وصفت التسريبات الإعلامية الإسرائيلية والأميركية هذه الخطوة بأنها “بادرة حسن نية” تجاه الحكومة اللبنانية، بهدف دفع مسار المفاوضات الجارية بين الطرفين.
ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول في الخارجية الأميركية أن إطلاق إسرائيل سراح السجناء اللبنانيين جاء نتيجة وساطة أميركية بين البلدين خلال الأسابيع الأخيرة.
ووفقًا للمسؤول نفسه، فقد طُرحت القضية خلال الجولة الأخيرة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان في روما في آب/أغسطس الماضي، وتم الاتفاق عليها نهائيًا بين السفيرين عيسى وهاكابي خلال زيارة عيسى لإسرائيل مطلع هذا الأسبوع.
وأشار إلى أن “إدارة ترامب تواصل تيسير الحوار بين إسرائيل ولبنان يوميًا، وتتطلع إلى الجولة المقبلة من المحادثات في روما في وقت لاحق من هذا الشهر”.
ماذا تريد إسرائيل؟
اللافت في هذه العملية كان ما أعلنه نتنياهو، ونقله لاحقًا موقع “أكسيوس” عن مسؤول في الخارجية الأميركية، بأن “لبنان يساعد إسرائيل في استعادة رفات اليهود اللبنانيين المفقودة”.
كما كشفت تقارير صحافية أن إسرائيل طرحت خلال محادثات روما ملفًا يتعلق باستعادة رفات يهود مدفونين في مقابر تاريخية داخل لبنان، لا سيما في مدينتي بيروت وصيدا. كما نقلت “يسرائيل هيوم” عن مصادر مطلعة “أننا رصدنا جهدًا حقيقيًا من جانب لبنان للبحث عن المفقودين الـ12”.
وفي السياق، تعهّد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بمواصلة الجهود الحكومية والدولية حتى الإفراج عن كافة الأسرى اللبنانيين، والكشف عن مصير المفقودين، إلى جانب تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.
فهل قدّم لبنان فعلًا خرائط المقابر والمعلومات لإسرائيل؟
مفقودو السلطان يعقوب
يعلّق الخبير في الشؤون الإسرائيلية، الأسير المحرَّر نبيه عواضة، في حديث لموقع “الترا صوت”، قائلًا: “الخشية الحقيقية في إدارة هذا الملف هي إذا كان الإفراج عن هؤلاء الأسرى قد جرى مقابل حصول إسرائيل على معلومات حول مصير الجندي الإسرائيلي الذي كان مفقودًا في عملية السلطان يعقوب، وأقصد هنا يهودا كاتس، الذي تم العثور على رفاته”.
وكان نتنياهو قد أعلن في 18 آب/أغسطس استعادة رفات الجندي كاتس بعد 44 عامًا على مقتله وفقدانه في معركة السلطان يعقوب خلال حرب لبنان عام 1982.
وقال نتنياهو إن الجيش الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد” نفذا عملية خاصة لإعادة الرفات، من دون الكشف عن مكان العثور عليه أو توقيت العملية أو طريقة تنفيذها.
وباستعادة رفات كاتس، أغلقت إسرائيل ملف الجنود الثلاثة الذين ظلوا مفقودين لعقود بعد معركة السلطان يعقوب. وكانت قد استعادت رفات زكريا باومل عام 2019 بمساعدة روسية، قبل أن يعيد الجيش الإسرائيلي و”الموساد” رفات تسفي فلدمان من سوريا في عملية سرية خلال أيار/مايو 2025.
لا توازن في التفاوض
ويضيف عواضة: “إذا كانت المعلومات التي حصلت عليها إسرائيل مكّنتها من الوصول إلى كاتس مقابل هذا الإفراج، فهذا يعني أنه لا يوجد توازن بين لبنان وإسرائيل في موضوع المفاوضات حول الأسرى، خاصة أن إسرائيل وضعت شرطًا تعجيزيًا وابتزازيًا يتمثل بأنها تريد الحصول على رفات جميع اليهود الذين فُقدوا في لبنان بشكل أو بآخر، حتى اليهود الذين دُفنوا في لبنان بظروف طبيعية، وهي تريد إعطاء شرعية لنفسها في هذا المسار، وهذه مسألة خطيرة جدًا على طريقة إدارة التفاوض”,
ويتابع: “لذلك هذا الأمر يفتقد إلى الثوابت الأساسية المتمثلة باستخدام المعلومات والأرقام الموجودة لدى الدولة اللبنانية من أجل إجبار إسرائيل على الإفراج عن كل الأسرى اللبنانيين، خاصة الذين اعتُقلوا بعد 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أي بعد اتفاق وقف إطلاق النار”، كاشفًا أن هناك 20 أسيرًا لبنانيًا اعتُقلوا بعد وقف النار.
زعماء يهود لبنان
وبحسب المعطيات، تطالب إسرائيل لبنان بتحديد أماكن واستعادة رفات 12 يهوديًا لبنانيًا من قادة وأفراد الطائفة اليهودية، خُطفوا وقُتلوا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وتشمل القائمة التي عرضتها إسرائيل في روما قيادات بارزة من الجالية اليهودية في لبنان، اختُطفوا في بيروت، وتحديدًا في حي وادي أبو جميل ومحيطه بين عامي 1984 و1985 على يد تنظيم مسلح عُرف آنذاك بـ”منظمة المستضعفين في الأرض”.
ومن أبرز هؤلاء رئيس الطائفة اليهودية في لبنان إسحاق ساسون الذي اختُطف على طريق مطار بيروت عام 1985، ورجل الأعمال حاييم كوهين حلالا، وهو إيراني الجنسية كان يعمل في القطاع التجاري، والدكتور إيلي حلاق وصهره إيلي سرور وآخرين.
يُشار إلى أن اليهود في لبنان كانوا طائفة فاعلة بلغ عددها مطلع القرن العشرين نحو 9000 نسمة، وتراجع العدد مع بداية الحرب عام 1975 إلى نحو 1800 نسمة، قبل أن يتلاشى الوجود تقريبًا بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، فيما غادر أو اندمج من تبقى منهم في طوائف أخرى.
ومن الشواهد الباقية لهم عدد من الكنُس في بيروت وعاليه وبحمدون وصيدا، إضافة إلى مقابر، من أكبرها مدافن بيروت عند طريق الشام في منطقة رأس النبع، وكذلك المقبرة اليهودية في صيدا.
رون أراد؟
بالإضافة إلى ذلك، تجدد طرح ملف البحث عن مصير الطيار الإسرائيلي رون أراد، المفقود في لبنان منذ عام 1986.
وكان الجيش الإسرائيلي قد نفّذ عملية إنزال جوي يرافقها قصف مكثف في بلدة النبي شيت في البقاع في 6 آذار/مارس 2026، للبحث عن رفات أراد.
ويُشار إلى أن قضية أراد ارتبطت بقضية النقيب السابق في الأمن العام اللبناني أحمد شكر، الذي اختفى من البقاع في كانون الثاني/ديسمبر 2025، لتتحدث معلومات لاحقًا عن أنه استُدرج من قِبل جهاز “الموساد” واعتُقل، على خلفية احتمال امتلاكه معلومات حول القضية.
تناقض في الأرقام
في المقابل، تُطرح تساؤلات في بيروت حول حقيقة عدد الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. ويشير الأسير المحرَّر عواضة إلى أن “هناك تناقضًا وتضاربًا في الأرقام في ما يتعلق بعدد الأسرى اللبنانيين المعتقلين لدى إسرائيل. فبحسب هيئة ممثلي الأسرى، هناك معلومات موثقة تشير إلى وجود 36 أسيرًا داخل السجون الإسرائيلية، بينهم نحو 21 مدنيًا اعتُقلوا في حربي 2024 و2026، والقسم الأكبر منهم اعتُقل في العام 2024، والبقية في الحرب الأخيرة. لكن هذا الرقم ليس نهائيًا”.
ويضيف: “أما بالنسبة لإسرائيل، فوفق آخر إحصائية صدرت أواخر 2025 عن مصلحة السجون الإسرائيلية، هناك 31 أسيرًا لبنانيًا إضافة إلى أسير قاصر، كما أن هناك 6 أسرى لبنانيين جرت محاكمتهم داخل المحاكم الإسرائيلية. لكن وفق معلومات الأسرى في لبنان، فإن عدد من تمت محاكمتهم قد يكون ارتفع إلى نحو 10 أسرى، وهو رقم غير نهائي”.
ويتابع: “في ما يتعلق بالمقاتلين المعتقلين، تقول إسرائيل إن في سجن أيالون في الرملة وسط فلسطين مجموعة من قوات النخبة التابعة لحزب الله، إلى جانب مقاتلين من قوات النخبة التابعة لحماس شاركوا في هجوم 7 أكتوبر، ويُقدَّر عددهم بنحو 70 أسيرًا بين لبناني وفلسطيني، وهذه الأرقام غير نهائية”.

إرسال التعليق

You May Have Missed