استراتيجية لبنان في مواجهة عقيدة المناطق الأمنية الإسرائيلية
د. وليد صافي
يواجه لبنان واقعاً استراتيجياً جديداً في الجنوب، يفترض مراجعة المقاربات التي قامت على وعود اميركية لم تتحول إلى اي واقع ملموس. فإسرائيل تبدو متجهة نحو تكريس عقيدة أمنية تقوم على إنشاء مناطق أمنية داخل أراضي دول الجوار، بحيث لا يبدأ الدفاع عن حدودها من داخل إسرائيل، بل من عمق الأراضي المحيطة بها.ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة إذا ما نُظر إلى التحركات الإسرائيلية في جنوب لبنان وجنوب سوريا باعتبارها أجزاء من فضاء أمني مترابط يمتد من جبل الشيخ والجولان إلى الجنوب اللبناني حتى الناقورة .اسرائيل تكرس واقع امني طويل الأمد عززت زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى جبل الشيخ الانطباع بأن المقاربة الإسرائيلية لا تقتصر على الاحتفاظ بنقاط محتلة أو تنفيذ عمليات عسكرية محدودة، بل تتجه نحو تكريس واقع أمني طويل الأمد. فمن على جبل الشيخ، رسم نتنياهو بوضوح ملامح مجال أمني مترابط، جمع فيه ضمن مشهد استراتيجي واحد دمشق وجنوب سوريا وجبل الشيخ ولبنان، وصولاً غرباً إلى البحر المتوسط. كما أن ما نقلته «يديعوت أحرونوت» منذ ايام عن ضباط إسرائيليين، لجهة اعتبار تدمير المنشآت التي أقامها حزب الله في مرتفعات علي الطاهر جزءاً من عملية تحتاج إلى وجود بري وهندسي طويل لتفكيكها ومنع إعادة استخدامها، يعكس توجهاً نحو تطبيق نظرية «الدفاع المتقدم» الذي يمنح إسرائيل حرية حركة مستمرة لإزالة الأخطار قبل وصولها إلى حدودها.في المقابل، لا يظهر حتى الآن ضغط أميركي حاسم يؤدي إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، فيما يجب التدقيق في ما إذا كان الموقف الأميركي مرتبطاً بحسابات سياسية داخلية، ومنها الانتخابات النصفية المقبلة، أم أنه يعكس تبنياً ضمنياً للمناطق الأمنية الإسرائيلية في غزة وسوريا ولبنان. المأزق اللبناني ويزداد المأزق اللبناني تعقيداً بسبب الانقسام الداخلي حول المفاوضات واتفاق الاطار، السلاح وقرار الحرب والسلم. فمن جهة ساهمت الدولة باضعاف موقفها التفاوضي من خلال تخليها عن المنظومة القانونية التي تشكل أساس التفاوض والمتمثلة باتفاقية ترسيم الحدود، اتفاقية الهدنة والقرار 1701. ومن جهة اخرى، لا يبدو أن حزب الله جاهز الان لاعادة النظر في خياراته التي كلفت البلاد اثماناً كبيرة, ولا يزال يتمسك بوضع لبنان تحت المظلة الايرانية بهدف إعادة إنتاج الظروف التي تتيح له استمرار القبض على قرار السلم والحرب والتعامل مع لبنان كساحة في الصراعات الإقليمية. لذلك يحتاج لبنان إلى الانتقال من هذا الانسداد السياسي الذي يعيشه إلى بناء استراتيجية وطنية لاستعادة السيادة، هدفها منع تثبيت المناطق الأمنية الإسرائيلية، واستعادة الأراضي المحتلة، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالدولة، ومنع استخدام لبنان مجدداً كساحة لصراعات المنطقة.إعادة بناء الجبهة الداخليةتبدأ هذه الاستراتيجية من الداخل، إذ لا يستطيع لبنان مواجهة مشروع إسرائيلي طويل الأمد، بينما يستمر الخلاف حول المفاوضات والجهة التي تملك قرار الحرب والسلم ومسؤولية الدفاع عن البلاد. السجال الأخير الذي حصل في مجلس النواب كان مخيباً للامال، اذ تركز على الفعل ورد الفعل دون ان يقدم اي فريق من المتبارزين اي حل، او حتى بعض الافكار التي تشكل أساساً لتفاهم داخلي. ومن هنا، اصبح الأمر ملحاً لاطلاق التشاور الوطني الذي يجب ان ينطلق من اسئلة واقعية بمعنى : كيف تستعيد الدولة كامل أراضيها، وتبسط سيطرتها بقواها الشرعية؟ وكيف تحمي حدودها في ظل التحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية؟وكيف تنفذ قرارات مجلس الوزراء المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي؟ ويفترض ذلك بناء معادلة متلازمة تقوم على ثلاثة عناصر: الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وحصرية السلاح واستعادة قرار السلم والحرب الى الدولة، وبناء قدرات الجيش اللبناني التي تمكنه وحده من تولي مسؤولية الدفاع عن الأراضي اللبنانية. والغاية هي الانتقال من معادلة المواجهة بين حزب الله وإسرائيل إلى معادلة تتولى فيها الدولة اللبنانية، حصراً، إدارة الصراع مع إسرائيل والدفاع عن السيادة والحقوق الوطنية، وفق المرجعيات القانونية والدولية، من دون أن يعني ذلك انتقالاً إلى السلام أو التطبيع.
بناء معادلة تفاوضية جديدةبعد التحديات التي تواجه المفاوضات ، ينبغي ألا يبقى لبنان في موقع انتظار الضغط الأميركي على إسرائيل، بل أن يبني في هذا الوقت الضائع معادلة جديدة تقوم على التوافق الداخلي، والمظلة العربية–الإقليمية التي ممكن ان تتشكل من المملكة العربية السعودية ومصر وقطر وتركيا، ومحاولة تحييد الساحة اللبنانية إن من خلال حوار مباشر مع ايران او عبر الوسطاء . ويجب أن تكون الرسالة إلى طهران واضحة بمعنى أن احترام السيادة اللبنانية يقتضي المساعدة في انتقال القرار العسكري كاملاً إلى الدولة وعدم ربطه بأي حجج. وإنطلاقاً من هذه المقاربة الشاملة، يمكن التوجه إلى واشنطن بموقف متكامل يقوم على الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش اللبناني، وحصرية السلاح، وترتيبات أمنية على الحدود تنهي حالة العداء بما يتفق مع ما صرح به رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزف عون. جيش واحد وقرار واحد وفي أي تفاوض مقبل، يجب مراجعة اتفاق الاطار كي يتأسس على المرجعيات القانونية: الحدود الدولية المرسمة، واتفاقية الهدنة لعام 1949، والقرار 1701. فالأرض اللبنانية ليست موضوعاً للتفاوض، بينما تبقى الترتيبات الأمنية التي تضمن أمن الحدود ومنع الأعمال العدائية قابلة للتفاوض، بما يمنع تحويل الاحتلال إلى حقوق أمنية إسرائيلية دائمة داخل لبنان.ومن هنا يمكن اختصار التوجه المطلوب في معادلة واضحة: مواجهة عقيدة المناطق الأمنية الإسرائيلية والاحتلال باستراتيجية لاستعادة السيادة: دولة لها جيش واحد وقرار واحد، ضمن مظلة عربية وإقليمية ودولية تمنع تحويل أمن إسرائيل إلى احتلال دائم، وتنقل لبنان من منطق الساحة إلى منطق الدولة.



إرسال التعليق