الشاعر مصطفى سبيتي.. نضال وخيبات في قصيدة جنوبية

نادر حجاز

في غرفة صغيرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، عبارة عن فرن في ساعات الصباح تتحوّل إلى مدرسة بعد الظهر، وعلى مقاعد من ألواح العجين، بدأت مسيرته التعليمية من قلب الوجع والبؤس، مختصراً قصة أبناء جنوب لبنان ومعاناتهم بين مطرقة الاعتداءات الإسرائيلية وسندان تهميش الدولة الذي دفعهم للنزوح باكراً نحو المدينة بحثاً عن لقمة العيش.وفي الزمن الجنوبي الصعب، رحل المفكّر والأديب والشاعر والرسّام مصطفى سبيتي، عن عمر 74 عاماً، تاركاً خميرة شعر من معجن جبل عامل، وسيلاً من قصائد الرفض والتمرّد، والمواقف المثيرة للجدل، فالشعر في قاموسه لم يكن لحظة وحي أدبي فقط إنما سلاح موقف أيضاً.بين الفكر والسلاحعاش معظم حياته في بلدته الجنوبية كفرصير، في قضاء النبطية. فتأثّر بيوميات الجنوبيين ونضالهم المجبول بإرادة الحياة رغم كل التحديات، فحمل الجنوب كما فلسطين في فكره وشعره قائلاً:تشجي قصائدنا أرضاً أنيط بها صون الإباء فخطّت أروع المثلكم أذبلوا الخصب في أثلامها فنمى اخضرار آمالها في شعبها البطلقد خامر النسغ فيها الشعر فانبثقت زيتونة أرخت الأفنان بالشعلأرضٌ تداولت الأقداس تربتها كأن أبناءها رهطٌ من الرسل.لكن المفكّر الذي تخصص بالحقوق وعلّم الرياضيات، وكتب الشعر والرواية والقصة القصيرة وتعمّق بالفلسفة، لم يكتف بنضال القلم والكلمة، إنما انخرط بالعمل السياسي وحمل السلاح دفاعاً عن أرضه ومبادئه.انتمى في شبابه إلى منظمة العمل الشيوعي، حاملاً الأفكار اليسارية من رحم الثورة على الواقع الذي كان يعيشه الجنوب في أواسط القرن العشرين، مع قيام الكيان الإسرائيلي الذي جعل من الجنوب عرضة للمضايقات المستمرة التي هدّدت الأهالي في أمنهم ولقمة عيشهم. كما لم يخفِ سبيتي لاحقاً تأييده للمقاومة الإسلامية، وكتب يقول:مضَوا يعبرون النهر في غفلة الفجرِفغاضتْ حياءً منهمُ لُجّةُ النهرِتظنُّ نيامُ العشبِ مرَّ نعالهمْعليها انحناءُ النسْمِ أُثقِلَ بالعطرِ.في المعتقليصفه رئيس جمعية كهف الفنون الفنان غاندي بو ذياب، وكان سبيتي رئيساً للجنتها الثقافية، في حديث لـ”الترا صوت”، بأنه “ماركسي وثائر على كل الأنظمة الديكتاتورية والطبقات البرجوازية، فيلسوف وموسوعة أدبية، محاور مخضرم في كافة الثقافات الدينية والسياسية والإيديولوجية ومدافع دائم عن الحريات”.”كان شديد التمسّك بأرضه وبجنوبه”، يضيف بو ذياب، وموالٍ للمقاومة دفاعاً عن الأرض، ولم يكن يوماً طائفياً على الإطلاق.لم يكن حبّه ودفاعه عن الجنوب في الكلام فقط، إنما حمل السلاح دفاعاً عن وطنه. ويروي بو ذياب أن “سبيتي كان مقاتلاً على الأرض وقائداً في وجه العدو الإسرائيلي، واعتُقل لمدة 3 أشهر في سجن قلعة الشقيف”.عاش الحسرة على الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث خسر منزله في الشياح بغارة إسرائيلية في الحرب الأخيرة، والذي غادره قبل ساعات فقط متوجهاً الى كهف الفنون في قرية الجاهلية في الشوف للإقامة مؤقتاً فيه، كما يروي بو ذياب.”خليفة المتنبي”رغم تمرده وهو من المخضرمين ثقافياً، بقي سبيتي على تمسّكه بالقصيدة الكلاسيكية والعمودية، ويُعتبَر آخر من حفظ شعر المتنبي، وأصدر “شرح ديوان أبي الطيب المتنبي”، حتى نعته البعض بـ”خليفة المتنبي”. ويناجيه سبيتي قائلاً:أبا طيب الشعر اسقني بعد رشفة فأربح في جبه الفصاحة حربيوأغدو ديواناً يفيض بلاغةأداوي به نزفاً ألمّ بشعبيأغنى المكتبة الشعرية والأدبية بباقة من الإصدارات من “جذور المكياڤلية في كليلة ودمنة” إلى “سُبَل القوافي” و”براعم على حطب الخليل” و”أرَج الروي” و”وداعاً عَروض” و”أحلام نازحة” وسواها.ويعتبر بو ذياب أنه “كان مدرسة مختلفة في الفكر والنقد والتاريخ. عشق المتنبي وحفظ ألفية ابن مالك، وخط عشرات المؤلفات الشعرية والفلسفية والأدبية والروائية”. تميّز بصفات خاصة به، يقول بو ذياب، فكان “خفيف الظل، شديد الملاحظة، عميق البصيرة، حلو المجالسة، متواضع ودود وخلوق ومتواضع إلى أبعد الحدود، جبّار الخواطر وداعم لكل المواهب والشعراء”.خيبات مناضلعبّرعن أفكاره بجرأة، حتى تلك التي لامست الإلحاد. وأما الثورة فكان لها مفهوماً آخر لديه، معتبراً أن الانسان ابن بيئته، فإذا كانت مضطربة ستؤدي الى الرفض بأشكاله العفوية، وهذه تُسمّى سلبية لا ثورية. وربما هذا ما دفعه الى كتابة “خيبات مناضل شيوعي”.نقل هذا الرفض في قصيدته “كفانا نفاقًا”، كأن يقول: كفانا نخال انهزاماتنا – انتصارًا، وإذلالنا سؤددًا نلوم العدو البعيد ونحن – غدونا إليه له مرشدًانحار على أي جرحٍ نميل – بملح أسانا لكي نصمداونزف العيون التي تنكأون – يلطّخ بالقيح معنى الفداوعن “بيروت الثكلى” كتب يقول:للبحرِ يا شريدةَ الشواطئْ”أُغنيةٌ حزينةْتُشْجى بها الأمواجُ والموانئْتحكي أسى سفينةٍ، مدينةْتضمُّ بين نازحٍ ولاجئْكُلٌّ يُوَلّي جذْفَها حنينَهْووَجْدُها لِأتعسِ المرافئْشِراعُها ودفّتاها زِينةْأغوى بها سُجُوُّ لُجٍّ دافئْلم تمخُرِ العُبابَ في السَكينةْأو تتّقِ هياجَه المفاجئرُبّانُها أرخى الكرى جفونَهْفأبحرت على اتجاهٍ خاطئْ”.حسرة الجنوبرحل سبيتي وأوجعه جرح الجنوب، الذي حفظ وجوه أهله وطرقات بلداته التي اختفى عدد كبير منها تحت الردم والشوك. حزين هذا الغياب فيما الأرض الأمّ حبلى بالدموع. وكم كان سيسكب سبيتي من وجع القصيدة على الجرح النازف من بحر صور إلى سهل الخيام.ترجّل ابن القضية عن صهوة القصيدة والنضال، لكن رفاقه نسجوا له عرشاً يليق بقوافيه، وأهداه الشاعر ابراهيم شحرور باقة بالمحكية اللبنانية قائلاً: كان الشّعر مشغول فيك كتيرحَبَّك… وْما يَوم انشَغَل عَنَّكودَهَّب بِعِطر القافيِه سِنَّكوِالمَوت يَللّي آخدَك بَكّيربِيمُوت… ما بْياخُد حَرِف مِنَّك.

إرسال التعليق

You May Have Missed