
للمرّة الأولى، أعترف أنّ اللغة خانتني… لا لأنني لا أملك الكلمات، بل لأن ما قدّمه صديقي الإعلامي إيلي أحوش على شاشة MTV اللبنانية لم يكن مادة إعلامية بل كان حالة تُعاش. “قدّيس اللي من عنا” لم يكن عنوانًا عابرًا، بل كان فعل إيمان وصرخة انتماء وإعلانًا صريحًا أنّ لبنان رغم كل ما يمرّ به، ما زال قادرًا على أن يُنجب قداسةً تُشبه السماء. لقد وضعتَ روحك في هذا العمل، فخرج حيًّا، نابضًا، صادقًا إلى حدّ أنّ المشاهد لم يكتفِ بالمشاهدة… بل دخل في صلاة من دون أن يشعر. القديس شربل مخلوف ليس مجرّد قديسٍ نكرّمه في كنيسة ولا صورة نعلّقها على جدار، بل هو حالة روحية عابرة للحدود تتخطّى الجغرافيا والطوائف واللغات . هو ذاك الصمت الذي يُداوي ضجيج الداخل، وذاك النور الذي يتسرّب إلى قلبٍ أنهكه التعب.
شربل هو شفاء القلوب قبل الأجساد، لأن المرض الحقيقي ليس في الجسد وحده، بل في الروح حين تتعب وتفقد رجاءها. وقد رأيت صورته في كنيسة ارمنية على حدود إيران، رأيته في نظرة امرأة تُصلّي، في يدٍ تشعل شمعة، في وجدان شعبٍ لا يعرف لغتنا، لكنه يعرف هذا القديس أكثر مما نظن. هناك فهمت أنّ شربل لم يعد “من عنا” فقط… بل صار “للجميع”. وحين أقمتُ له تمثالًا على تلال يريفان، كان الأرمن يعرفونه. واليوم بدأتُ بإنشاء حديقة وتمثالًا له في جورجيا، وهكذا صار عملنا رسالة مفادها أنّ لبنان، رغم أزماته، ما زال يُصدّر قداسةً لا تُحاصر بالسياسة. رسالة تقول إن هذا البلد الصغير، الذي تأتي مصائبه غالباً من بعض أبنائه ما زال يحمل في داخله سرًا كبيرًا اسمه النعمة. وإنّ ما عجزت عنه الدولة، قد ينجح فيه قديس ناسك عاش في صمت، لكنه ما زال يحرّك العالم.
فماذا أكتب عنك يا صديقي؟ أأكتب عن إعلاميٍّ تجاوز مهنته ليُصبح شاهدًا؟ أم عن مؤمنٍ عرف كيف يحوّل الصورة إلى صلاة؟ أم عن إنسانٍ أدرك أنّ بعض الرسائل لا تُقال بالكلام، بل تُنقل بالصدق؟ الحقيقة أنّك وضعتني أمام عجزٍ جميل، لأن بعض الأعمال تُسقط اللغة وبعض الأشخاص يُربكون الحروف . لذلك، ربما أفضل ما يمكن أن يُقال عنك، أنّك لم تُقدّم حلقة… بل قدّمت شهادة. لم تُصوّر قديسًا… بل جعلتنا نراه. ولم تتكلّم عن الإيمان… بل جعلتنا نشعر به. وهكذا، يأتي عملٌ كهذا ليُعيد الاعتبار لكل شيء: للكلمة حين تكون صادقة وللصورة حين تكون رسالة وللإعلام حين يعود إلى جوهره …خدمة الحقيقة. لذلك، لا أكتب لأمدحك، بل لأقول إن ما فعلته وما قدّمته سيبقى… في قلب كل من شاهده، وفي ذاكرة كل من شعر به، وفي صلاة كل من وجد في شربل رجاءً جديدًا. قديس خرج من أرضنا بصمت، فملأ العالم حضورًا… وإعلامي صدق في عمله حوّل الشاشة إلى محراب .
نقولا أبو فيصل ✍️
www.nicolasaboufayssal.com
اتّحاد الكتّاب اللبنانيّينSaint Charbel Statue ArmeniaMTV Lebanon News


