الانقلاب يفشل… و”الحزب” المخذول إيرانيًّا يرتدّ على الدولة

نداء الوطن

الان سركيس

نداء الوطن

لا يزال لبنان يدفع الثمن الأكبر من جرّاء حرب الإسناد. إيران ذهبت إلى هدنة وتركت «حزب اللّه» واللبنانيين لمصيرهم. ولم يستوعب «الحزب» ما جرى ويجري ويريد البحث عن مُسبّب لأنه لا يتجرأ على تحميل إيران المسؤولية.

كان «حزب اللّه» يتحضّر لإعلان الانتصار الإلهي الكبير. الهدنة التي تمتدّ لأسبوعين كان يظن أنها تشمله، ولم يتخيّل للحظة أن إيران ستتركه وحيدًا في ساحة المعركة يواجه الهلاك. لكن ما لم يكن في حساباته حصل، وعلى الرغم من اتصالات رئيس مجلس النواب نبيه برّي الخارجة عن إطار الدولة وتصرّف برّي و «الحزب» وكأن لا دولة، فقد أتت الصدمة من واشنطن بعد تصريحات إسرائيل، إذ أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان وإيران تعرف هذا الأمر.

انقلب السحر على الساحر، وعاشت بيروت وكل لبنان أربعاء هو الأعنف منذ انطلاق الحرب، واكتفت طهران بالمساندة الإعلامية والبيانات وأخفت ما تمّ الاتفاق عليه مع الأميركيين، وكانت الصدمة في الداخل اللبناني وداخل بيئة «الثنائي الشيعي» الذي حمّل قسم كبير من جمهوره أغراضه وعاد إلى الجنوب.

وتتكشف خطة «حزب اللّه» ومن يدور في فلكه. «الحزب» عبر لسان قيادييه مثل محمود قماطي ووفيق صفا صرّح بتحضيره للقيام بانقلاب على الحكومة والدولة فور انتهاء المعركة. وقامت ماكينته الإعلامية والسياسية بالترويج لهذا الأمر ووصل به الأمر ليس فقط التهديد بإسقاط حكومة الرئيس نواف سلام بل تهديد رئيس الجمهورية جوزاف عون بالإسقاط إذا لم يسر كما يجب. واستحضر «حزب اللّه» رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية كذراع مسيحية ليؤكد وقوفه مع «المقاومة» وإسقاط الحكومة إذا انتصر خطه، وبالتالي كانت كل الأرضية جاهزة للانقلاب.

تكشف كل المعطيات أن «حزب اللّه» أراد توجيه ضربة سريعة وقلب الموازين السياسية الداخلية لتحسين شروط التفاوض، خصوصًا بعد جلوس الأميركيين والإيرانيين على طاولة إسلام آباد، فإذا وقع البلد تحت وصاية «الحزب» مجدّدًا تتحسّن شروط التفاوض، لذلك استنفر «الحزب» كل أذرعه للقيام بهذا الانقلاب السياسي والأمني والعسكري.

أتت الضربة قوية على «حزب اللّه» من خلال عدم شمول لبنان بوقف إطلاق النار من ثمّ توجيه ضربات إسرائيلية بمباركة أميركية لبنيته العسكرية، وبات في حال ضياع يبحث عن مخرج. وكعادته توجّه إلى الدولة اللبنانية وبدأ بمهاجمتها بعدما تخلّت إيران عنه محمّلًا إياها مسؤولية عدم شمول لبنان بوقف إطلاق النار.

لم يسأل «حزب اللّه» وبرّي عن الدولة طوال الفترة الماضية، وكان «الحزب» يتحضّر لإصدار بيان يعلن فيه النصر ويترجمه عبر الهجوم على اللبنانيين وقلب السلطة السياسية، وعندما اكتشف الحقيقة المرّة، ارتدّ على الدولة والمسؤولين وكأن هذه الدولة هي من فتحت الحرب، وهو الذي كان يرفض أن تفاوض الدولة باسم لبنان ويقول إنه هو من يحق له التفاوض.

ولو كانت فعلًا إيران منتصرة كما تدّعي ويدّعي «حزب اللّه» لكانت استطاعت فرض وقف إطلاق النار على إسرائيل. وتتظهّر الأمور أكثر، إذ إن إيران تستخدم «الحزب» وشيعة لبنان وأذرعها من أجل حمايتها ولا تبالي في حال اضطرّت للتخلي عنهم.

تحاول الدولة اللبنانية فعل شيء ما من أجل إيقاف حمام الدم الذي تسبّب فيه «حزب اللّه» والحرس الثوري الإيراني، وموقفها السيادي برفض أي جهة أجنبية التفاوض عنها، قد يؤشر على استعادة دورها في مكان ما. و «حزب اللّه» وبرّي اللذان رفضا دخول لبنان في مفاوضات مع إسرائيل يعتبران أن جلوس إيران على طاولة التفاوض مع أميركا، «الشيطان الأكبر» حسب وصفهما، هو انتصار لها ولهما وللمحور، وبالتالي دخل لبنان دوّامة صراع هي الأعنف ولا يوجد أي أفق للحلّ، بانتظار كيف ستنتهي الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.

للمرة الأولى: الحرس الثوري على طاولة المفاوضات

كتب ابراهيم ريحان في موقع أساس ميديا

اتّفاقٌ مترنّح عنوانه “هدنة” بين الولايات المتّحدة وإسرائيل مع إيران، لم تتّضح معالمه بشكلٍ كامل. يلفّ الغموض تفاصيل الاتّفاق التي تهدّد بانهياره في أيّ لحظة. يكمن الغموض الأبرز في الجبهات التي يتضمّنها وقف النّار، فهل لبنان منها أم لا؟

الأصل في الإجابة على هذا السّؤال، هو ما قاله الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب إنّ لبنان لم يكن ضمن اتفاق الهدنة، لكنّه مستعدّ لبحث هذه المسألة. كلام ترامب يناقض ما نقله المسؤولون الإيرانيّون وفي مقدّمهم الرّئيس مسعود بزشكيان الذي أكّد أنّ النّقاط الـ10 التي وافق عليها ترامب تتضمّن ذلك. وفي الوقت عينه كان المسؤولون الباكستانيّون يؤكّدون ذلك ومصادر تركيّة دبلوماسيّة لـ”أساس”.

هذا يعني أنّ ترامب يستعمل ورقة لبنان للمناورة مع إيران تفاوضيّاً. بكلامٍ آخر هو لا يريد أن يُرسِّخَ لإيران مبدأ “وحدة السّاحات” التي حاولت إعادة تثبيتها بعد تفكيكها منذ ما بعد السّابع من أكتوبر 2023، وحاولت في هذه الحرب إعادتها للحياة عبر ربط الجبهات بإطلاق النّار ووقفه.

لكنّ الأكيد أيضاً أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو حاول صياغة “فصل الجبهتيْن” بأعنف هجومٍ تشهده العاصمة بيروت منذ اجتياح 1982، والذي أسفر عن مئات الشهداء والجرحى. ما شهدته العاصمة عصر أمس الخميس يمكن قراءته باحتمالٍ من الآتي:

  • أن يُحاول نتنياهو الالتفاف على “الهدنة الباكستانيّة” لجرّ الحزب في لبنان وفصله عن إيران. وبالتالي التهرّب من الضّغط الدّاخلي الذي تمارسه المعارضة الإسرائيليّة ضدّ الحكومة، حيث حمّلتها مسؤوليّة ما سمّته “الفشل في تحقيق الأهداف في إيران”.
  • أن يُحاول تخريب الاتفاق بشكلٍ كامل ومحاولة إعادة الولايات المتحدة إلى المواجهة عبر جرّ إيران إلى إغلاق مضيق هرمز أو معاودة قصف إسرائيل. وهذا يعني أنّ نتنياهو يريد من الرّئيس دونالد ترامب تنفيذ ما كان يلوّح به في السّاعات التي سبقت إعلان الهدنة بضربِ البنى التحتيّة ومنشآت الطاقة الإيرانيّة.

قبلت إيران في المفاوضات أن يبدأ لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وأن يُبحثَ فيها مصير سلاح “الحزب”، على أن يكونَ البديل عن السلاح هو الاقتصاد

الاقتصاد بديل السلاح؟

يُدركُ رئيس الوزراء الإسرائيليّ أنّ ذهابه إلى الانتخابات التشريعيّة في تشرين الثاني المُقبل من دون إنجازٍ فعليّ في إيران يتعلق بمخزون اليورانيوم أو إنهاء برنامج الصّواريخ الباليسيتيّة أو إسقاط النّظام، الذي لم يسقط بقتل علي خامنئي، سيجرّ عليه نتائج لا يُريدها بعد 3 سنوات من الحروب المتواصلة.

كما أنّه لا يخدمه سيّاسيّاً ما حصلَ على الجبهة اللبنانيّة من ظهور الحزب بصورةٍ مغايرة للتي سوّقتها القيادة الإسرائيلية من نتنياهو إلى وزير دفاعه يسرائيل كاتس عن ضعفه عسكريّاً وأنّه غير قادر على القتال وتهديد سُكّان الشّمال. وبالتالي فهو يحاول أن يفتحَ هوّةً في الجدار لـ”استكمال المهمّة” قبل أن ترتدّ عليه داخليّاً، وبالتالي على مصير مستقبله السّياسيّ.

يؤكّد أكثر من مصدر لـ”أساس” أنّ الاتّفاق يشمل الهدنة على الجبهة اللبنانيّة، على أن تنطلق في الأسبوعين المقبلين مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تبحث الترتيبات الأمنيّة مقابل خروج الجيش الإسرائيليّ من المناطق التي يحتلّها على عمق 10 كلم في الأراضي اللبنانيّة.

لذلك أعلن رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو أنّ لبنان ليسَ ضمن الاتّفاق، لأنّه بحاجة إلى أيّام قليلة لتثبيت المواقع التي دخلها في جنوب لبنان، وبالتالي إذا تدخّل ترامب مجدّداً لإنقاذ الاتّفاق مع إيران، فسيعود لبنان إلى فترة ما قبل 29 شباط، موعد دخول “الحزب” الحرب.

من هذا المنطلق، سيعود لبنان إلى قواعد الاشتباك التي كانت مرسّخة في فترة الـ15 شهراً التي تلت اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة، مع عدم عودة سكّان القرى المحتلّة، وترك حرّيّة الحركة لإسرائيل في لبنان باستثناء الضاحية الجنوبيّة، مع بقاء الاغتيالات على حالها.

لكنّ لبنان أيضاً قد يكون مدخل تفجير الاتّفاق بين ترامب وإيران. إذ إنّ استمرار الضربات الإسرائيليّة قد يدفع إيران إلى استئناف ضرباتها على إسرائيل، وهو ما يفتح المجال أمام ترامب إمّا للعودة إلى القتال، أو التدخّل كما فعل مع نهاية جولة الـ12 يوماً في حزيران الماضي، أي أن يتحوّل من طرفٍ إلى وسيطٍ.

في هذا الإطار، علم “أساس” أنّ دوائر القرار في واشنطن بدأت بدراسة رصد مبالغ ماليّة لدعم الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة ومؤسّسات الدولة، بما في ذلك تلك الموجودة في القرى الحدوديّة مع إسرائيل، لتكون نوعاً من الضمانات لأيّ مفاوضات مباشرة بين بيروت وتل أبيب.

من المُرتقب أن تبدأ المفاوضات يومَ غدٍ الجمعة، على أن يرأس الوفد الأميركيّ نائب الرّئيس جي. دي. فانس، ويشاركه المبعوث الأميركيّ ستيفن ويتكوف وصهر الرّئيس الأميركيّ جاريد كوشنر

إلى ذلك قبلت إيران في المفاوضات أن يبدأ لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وأن يُبحثَ فيها مصير سلاح “الحزب”، على أن يكونَ البديل عن السلاح هو الاقتصاد، أي أن تكون لـ”الحزب”، ومن خلفه إيران، حصّة في النفوذ الاقتصاديّ عوضاً عن النفوذ السيّاسيّ – العسكريّ.

لكنّ هذا المسار طويلٌ ولا يُحسم في يومٍ وليلة، بخاصّة أنّ طهران تريد مخرجاً للسّلاح يحفظ ماء الوجه، مثل “الاستراتيجية الدّفاعيّة” التي لم تخُض في تفاصيلها، تاركةً هذه التفاصيل للدّاخل اللبنانيّ.

قاليباف والمطالب

من المُرتقب أن تبدأ المفاوضات يومَ غدٍ الجمعة، على أن يرأس الوفد الأميركيّ نائب الرّئيس جي. دي. فانس، ويشاركه المبعوث الأميركيّ ستيفن ويتكوف وصهر الرّئيس الأميركيّ جاريد كوشنر. سيرأس الوفد الإيرانيّ رئيس البرلمان محمّد باقر قاليباف ويشاركه وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي.

تُعتبر مشاركة قاليباف بحدّ ذاتها أوّل انخراطٍ مباشرٍ للحرس الثّوريّ الإيرانيّ في التفاوض. وهو موكل ومفوّض من المرشد مجتبى خامنئي ومؤسّسة الحرس والدّولة العميقة، ما يعني أنّ أيّ اتّفاقٍ قد يُتوصّل إليه مع الولايات المتّحدة سيكون مختلفاً تماماً عن اتّفاقِ 2015، وسيكون أمتن، وذلك إذا حصلَ الاتّفاق، بخاصّة أنّ الجانبين لا يزالان متمسّكين ببعض المطالب العالية السّقف.

يقول مصدر إقليميّ لـ”أساس” إنّ أكثر ما يهمّ إيران في الهدنة هو الآتي:

  • ترسيخ نفوذها على مضيق هرمز والتحكّم بمسار حركة الدّخول والخروج منه.
  • أن يشمل الاتّفاق وقفَ إطلاق النّار على جميع الجبهات وأولاها لبنان.
  • ضمان أن لا تُستأنف الهجمات على إيران بعد مهلة الأسبوعين المحدّدة للتفاوض.
  • الاعتراف بحقّها بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، على أن يجري التفاوض على نسبة التخصيب في المفاوضات التي ستستضيفها باكستان.
  • أن يشمل أيّ اتّفاقٍ رفعاً كاملاً للعقوبات عن إيران.
  • دفع تعويضات لإيران عن كلفة الحرب.

يكشف المصدر أنّ إيران طلبت أن تكونَ التعويضات غير مباشرة، أي أن تكونَ:

  • إمّا على شكلِ رفع كامل العقوبات عنها بقرارٍ واحدٍ وإعطائها حرّية الوصول إلى أرصدتها الماليّة وإعادة مصرفها المركزيّ ومصارفها المحلّيّة إلى نظام SWIFT العالميّ ورفع حظر بيع النّفط والغاز. وهذا ما سيدرّ على إيران مئات مليارات الدولارات في وقتٍ قصيرٍ جدّاً.
  • الخيار الثاني فرض رسومٍ على حركة دخول وخروج ناقلات النفط من هرمز، بمبلغ مليونَيْ دولار للناقلة الواحدة، تتقاسمها مع سلطنة عُمان، أو فرض رسم 2% من نسبة الحمولة.
  • الخيار الثالث هو إنشاء صندوق استثماريّ تشارك فيه الحكومة والشّركات الأميركيّة لإعادة الإعمار والاستثمار في إيران.

في المقابل يصرّ ترامب على إخراج كميّة اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% وما فوق من الأراضي الإيرانيّة، ووقف التخصيب، ووقف البرنامج الصاروخيّ البالستيّ ودعم الوكلاء. هذا يعني أنّ جميع الأطراف لا تزال في المُربّع الأوّل لما قبل 28 شباط 2025، موعد بدء الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران.

ترامب القوي الخاسر: إيران ترتدّ بهجومها وإسرائيل تواصل حربها

كيف يمكن للقوي أن يخسر؟ باختصار يمكنه أن يقرأ ما فعله دونالد ترامب على مدى 6 أسابيع في إيران، ويؤلف كتاباً عن الفشل والخسارة لتدريسه للأجيال. وباختصار أكثر هو الدخول إلى حرب بلا هدف واضح. هذا بالضبط ما فعله ترامب، لحظة إعلانه الحرب على إيران ولحظة إعلانه وقفها. كل الادعاءات التي قدمها حول تحقيق الأهداف غير صحيحة أو دقيقة. فلا الدفاعات الإيرانية دمّرت، ولا القدرات العسكرية انتهت، والدليل مواصلة إيران إطلاق الصواريخ وتنفيذ العمليات حتى ما بعد وقف النار. أما إن كان الهدف إسقاط النظام الإيراني فلم يسقط، وبحال كان الهدف هو النووي واليورانيوم المخصب بدرجة عالية، فالمسألة أعيدت إلى طاولة المفاوضات التي كانت قائمة في الأساس قبل الحرب. لم يحقق ترامب قوة أميركا، لم يتمكن من فرض الأمن العالمي، وجد نفسه وحيداً، بعيداً عن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، وقد خاض حرباً لأسابيع انتهت إلى فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب. ربما يكتشف ترامب خسارته لاحقاً، وربما تبرزها أمامه حملات انتقاد كثيرة داخل أميركا، ومحاولات إسرائيلية كثيرة لدفعه إلى التراجع عن الاتفاق وتخريبه وربما استخدام قوة عسكرية أكبر. 

إيران أقوى!

قبل الحرب كان هناك رأي عام إيراني واسع معارض للنظام، وكان هناك تنازع على السلطة بين المعتدلين الإصلاحيين والمحافظين والحرس الثوري، وكانت إيران منهكة اقتصادياً وتعيش شبه عزلة دولية. جاء ترامب ومنح طهران مفتاح العالم الاقتصادي والرئة الطاقوية، ووحّد الشعب الإيراني كله خلف نظامه، لتخرج إيران من الحرب أقوى، بينما منطقة الشرق الأوسط كلها أضعف، خصوصاً في ظل الاعتداءات التي نفذتها إيران ضد دول المنطقة. كما أسهمت الحرب في فتح جروح عميقة كانت هناك مساع لبلسمتها، لكنها فتحت مجدداً على قروح كثيرة، وعادت الجغرافيا لتحكم العالم. وبالتأكيد أن ثمن كل هذه الخسائر ستدفعها دول المنطقة، بدءاً من إيران التي تهشم اقتصادها، وتدمرت بناها التحتية، وتعرضت لضربات هائلة جداً أعادتها سنوات إلى الوراء، وصولاً إلى دول الخليج، وبالتحديد تلك التي كانت تطمح لمشاريع ورؤىً اقتصادية بعيدة المدى، وقد وجدت نفسها منشغلة بالبحث عن ضمان الأمن والاستقرار، وكيفية حماية منشآت النفط وإمدادات الطاقة، وسيكون هناك حاجة لسنوات لإعادة ترميم الاقتصادات والمشاريع. 

من ربح في هذه الحرب هو الحرس الثوري الإيراني بفرض رؤيته وتوازناته على إيران والمنطقة، التي ستبقى قائمة لفترة طويلة. لا يمكن للحرس الثوري الإيراني التخلي عن مسألة وقف إطلاق النار في لبنان وكل المنطقة. فالربح الاستراتيجي لإيران ومشروعها هو من خلال العلاقة مع الحلفاء والحفاظ عليهم. لذا فإن المصلحة الاستراتيجية لدى الحرس الثوري هي الحفاظ على الحلفاء في الإقليم. فالأسلحة الإيرانية من صواريخ ومسيرات، لديها مفعول على مستوى إلحاق الضرر بالمنطقة يوازي مفعول حاملات الطائرات. فطهران لم تغلق مضيق هرمز بحاملات طائرات، بل بزوارق حربية صغيرة، واستهدفت كل دول المنطقة بصواريخ ومسيرات ذات كلفة منخفضة جداً، وهي التي تشكل عنصراً فعالاً لإبقاء صفارات الإنذار في حالة دوي دائمة في إسرائيل وتمنع استقرارها

تمسّك بالحلفاء

وما تتمسك به إيران هو الحفاظ على القدرات العسكرية للحلفاء، خصوصاً لحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن على البحر الأحمر الذين يمسكون بقبضتهم باب المندب. وفي حال أصر الحرس الثوري الإيراني على المحافظة على مشروعه، فلا بد له أن يفكر في العمل على اختراق ساحات جديدة، أو هز استقرار دول. وهنا لا بد من التركيز على العراق ولبنان، ولا يمكن إغفال سوريا التي بالتأكيد سيسعى الإيرانيون إلى إعادة خلق قواعد اشتباك جديدة فيها. كل ذلك أربك المنطقة وسيربكها أكثر، خصوصاً في ظل تمسك إيران بدعم حلفائها، ولا سيما في لبنان والعراق. وفي حال تمكنت من ذلك فهي ستعمل على تغيير توازنات لن تكون متماشية مع الترتيبات التي عملت واشنطن على إرسائها مع توازناتها الخاصة، وهو سينعكس على سوريا.

ربح الحرس الثوري المعركة، سواء داخل إيران أو حتى خارجها، من خلال الضوابط والقواعد التي فرضها على المجتمع الإيراني والمؤسسة السياسية وعلى مضيق هرمز وما له من تداعيات على العالم. اختيار إيران لقاليباف كمفاوض للأميركيين في باكستان، يعني أن الحرس الثوري هو الذي جلس إلى الطاولة، بعد أن كانت أميركا في السابق تفاوض الإصلاحيين، وتعمل على إعادتهم إلى السلطة، وفي دفتر شروطها سبق وطالبت بتعزيز صلاحياتهم على حساب تقويض صلاحيات الحرس. 

الحرس الثوري  يفرض شروطه

وأكثر من ذلك، عمل الحرس الثوري على فرض شروطه لما بعد وقف النار، من خلال ربطه بوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، والتلويح بعدم المشاركة في مفاوضات باكستان في حال واصلت إسرائيل الحرب، كما هدد الحرس بضرب أهداف عسكرية ضد إسرائيل. بينما تحاول أميركا الضغط على إيران للقبول بفصل الملفات، وترك لبنان في عين العاصفة، أو جعله متروكاً بين يدي بنيامين نتنياهو الذي بالتأكيد تلقى خبر وقف الحرب بحالة غضوبة وهستيرية، لم تتأخر حتى تفجرت في بيروت. تصر إيران على وقف النار في لبنان، وفي حال نجحت في ذلك ستكون قد كرّست نفوذها وسطوتها، بينما تصرّ إسرائيل على مواصلة الحرب بلا قدرة واضحة على تحقيق الأهداف المتصلة بسحب سلاح الحزب. بناء عليه سيبقى لبنان في عين عاصفتين، الأولى اسرائيلية والثانية داخلية بنتيجة الانقسام الحاد الذي يمكنه أن يتفجر في أيَّة لحظة.

هل يفشل الاتفاق؟

والأخطر على لبنان ليس الحرب بل ما بعدها، وما كرسته، إذ خرجت الدولة اللبنانية كلها من المعادلة، إما من خلال تفاوض إيران عنها وعليها، ومع الأميركيين حصراً، أو من خلال ما ستفرزه نتائج الحرب ومفاوضاتها، وكيف ستنعكس على التوازنات الداخلية وبنية النظام السياسي. فإيران تريد أن تحمل لبنان ملفاً ضمن ملفاتها، حرباً أو سلماً، وإن جلبت السلم، سيكون له ثمن في السياسة، وحتى إن كان المقابل هو تسوية سياسية كبرى غايتها لاحقاً حصر السلاح بيد الدولة، لأن ثمنه سيكون على مستوى التركيبة الداخلية وتوازناتها، خصوصاً أنه في اللحظة التي سيُعلن فيها وقف الحرب على لبنان، سيتحرك حزب الله على الجبهة الداخلية لتغيير موازين القوى السياسية، إما سياسياً أو شعبياً أو حتى أمنياً. وهذا سيدخل لبنان في حالة فوضى وانفجار، أو بالحدّ الأدنى سيعيده ساحة اشتباك مفتوحة أميركية إيرانية أو إسرائيلية إيرانية، مع غياب كامل للدولة ومؤسساتها، وغياب أيضاً للتأثير العربي. وبذلك ستكون أميركا قد خسرت كل ما حاولت بناءه في السنوات الماضية. لكل أسباب الفشل هذه، وما سيستنتجه ترامب ويكتشفه، يمكن للاتفاق أن يسقط، ويمكن لنتنياهو أن يتسلل مجدداً إلى شرر ترامب لتجديد الحرب.  

منير الربيع – المدن

الحرب إذ تفكّك منطقتنا والعالم وتعيد تركيبهما

في واحد من وجوهها تقوم لعبة البازل على تفكيك الأشياء أو الأنظمة ثمّ إعادة تركيبها. والعالم اليوم، منظوراً إليه من مسرح الحرب ومن ضفافه، يبدو هكذا.

ففضلاً عن التحوّلات الاقتصاديّة التي قد تستجرّها الحرب، في أوروبا كما في أميركا والشرق الأوسط، خصوصاً ما ترتّبه أسعار الطاقة، فضلاً عن أكلاف الحرب نفسها، وإلى جانب دور صينيّ لا يزال فرز غامضه عن واضحه يشغل عقولاً كثيرة، هناك تيّارات عريضة تستعرض نفسها في «الغرب» ذاته. فحلف الناتو الذي رافقنا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، يعيش تصدّعاً غير مسبوق، سيّما بعد المساجلة الترمبيّة ضدّ أوروبا عن مضيق هرمز والمساهمة في فتحه، وهو ما تزيده تأجيجاً شخصيّة ترمب ولغته.

وهو انشطار لا تُقاس به حرب العراق في 2003، خصوصاً وأن بريطانيا وبلدان أوروبا الوسطى كانت في صفّ أميركا يومذاك، ما أعطى الأخيرة غطاء أوروبيّاً لحربها.

ويتفرّع العنوان الكبير هذا إلى عناوين يتّصل بعضها بصورة أوروبا المقبلة، سيّما وأنّ حرب أوكرانيا لا تزال تحتفظ بطاقة استنزاف هائلة، وإن حجبتها راهناً حرب إيران. ويتّصل بعض العناوين بالقوى السياسيّة والفكريّة على جانبي الأطلسيّ. فاليمين الأوروبيّ الأقصى، الذي سلّم زعامته لترمب، يعيد النظر بهذا التسليم، فيما اليمين الأميركيّ الأقصى ينقسم حول التسليم ذاته تاركاً للديمقراطيّين الأميركيّين أن يغازلوا ميولاً سبق أن عُدّت راديكاليّة في القاموس السياسيّ الأميركيّ. وإذ يعلن وزير الحرب بيت هيغسيث أنّه وجيشه يقاتلون من أجل المسيح، يردّ البابا لاوون الرابع عشر، بدون أن يسمّي الوزير الأميركيّ، بأنّ السطوة العسكريّة «غريبة تماماً عن نهج المسيح». أمّا القائلون إنّ أميركا «جُرّت إلى حرب إسرائيل» فينطلق بعضهم، لا كلّهم، من مقدّمات لاساميّة. وفي وسع خطاب كهذا، إذا أتيح له الشيوع والتوسّع، أن يعيد فتح صفحة بشعة ظُنّ أنّها طويت في الغربين الأوروبيّ والأميركيّ.

ولا يبخل العالم العربيّ بالجديد والمختلف. فلو تخيّلنا حرباً أميركيّة وإسرائيليّة على إيران، أو على أيّ بلد إسلاميّ أو «عالمثالثيّ»، في الحقبة الممتدّة بين الخمسينات والسبعينات، لكان من السهل توقّع عناوين صارخة وإجماعيّة من نوع «الجماهير العربيّة تستنكر وتشجب…». أمّا اليوم، ولأسباب عدّة، فتلك العناوين فقدت معناها، وباتت «الجماهير العربيّة» اسماً لكائن افتراضيّ.

والحال أنّ العالم العربيّ يقدّم نماذج في التعامل مع الحرب تشكّلها عناصر عدّة بينها السياسيّ والوطنيّ، وبينها المذهبيّ المؤدلج. فهناك مثلاً النموذج الخليجيّ الذي حكمه مبدأ التوسّط لحلّ النزاع وتجنّب الحرب واعتبار أنّ تفاديها أقلّ كلفة من شنّها. ورغم تعرّض الخليج لاعتداءات إيرانيّة متمادية، يبقى الثابت ما يصلّب الدولة والوطن، وما يضع مصالحهما أوّلاً. وتشارك أنظمةٌ كالمصريّ والأردنيّ الأنظمةَ الخليجيّة انهجاسها بالإبحار إلى شاطىء أمان وسط العواصف المجنونة التي تهدّد علامات الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ.

وهناك النموذج الذي يقدّمه العراق ولبنان من خلال ميليشياتهما المسلّحة. فهنا لا تُعطى الأولويّة للدول والأوطان والمصالح الذاتيّة، بل للولاءات العابرة للحدود، وما يُظنّ أنّه مصالح جماعاتها. لكنْ لئن شارك «حزب الله» في الحرب، مقيماً غرفة عمليّات مشتركة مع إيران، فالكثيرون ساورتهم أسئلة ليست قليلة الدلالة. فلماذا مثلاً كانت الطاقة الحربيّة التي استخدمها الحزب في حرب «إسناد غزّة» مجرّد جزء صغير من الطاقة التي استخدمها في حرب إسناد إيران، ومتى كانت آخر مرّة نسمع فيها، منذ اندلاع الحرب الاخيرة، بغزّة أو بفلسطين؟

والشيء نفسه يمكن قوله في «الحشد الشعبيّ» العراقيّ الذي يقيم، تيمّناً بشقيقه اللبنانيّ الأكبر، دولة موازية للدولة العراقيّة.

وهنا تقول المقارنة الكثير. ففي حرب 2023 شاركت بعض فصائل الحشد بتوجيه بعض الضربات المباشرة، لكنّها ما لبثت أن ارتدعت وأوقفتها في مطالع 2024 تجنّباً منها لـ«عواقب وخيمة» ولـ«إشعال حرب شاملة في العراق». بيد أنّها، في الحرب الراهنة، وتحت مظلّة «المقاومة الإسلاميّة في العراق»، شنّت هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعد أميركيّة بوصفها ردّاً على ضربات أميركيّة إسرائيليّة على إيران. كما وجّه الحشد قوافل إلى إيران وُصفت بأنّ مهمّاتها «إنسانيّة»، وسط تقارير متزايدة عن مشاركة الحشديّين العراقيّين في الدفاع عن إيران.

فـ«الجماهير»، هذه المرّة، نازعة للانفصال عن الأوطان ولإحلال التنازع الأهليّ بين جماعاتها. وكما لبنان، كذلك العراق، إذ الكرد العراقيّون، وهم مَن يُفترض أنّهم يشاركون الحشد مواطنيّة الوطن نفسه، يعانون ضربات الحرب التي يشنّها الحشد بحماسة. فمنطقتهم باتت تُعدّ ساحة من ساحات النزاع رغم أنّ قادة إقليم كردستان أكّدوا مراراً أنّهم لا يرغبون فيه، وأنّ ما يريدونه استقرار منطقتهم وحيادها. وهم شدّدوا، مثلهم مثل القادة الخليجيّين، على ألاّ تُستخدم أرضهم قاعدةً لشنّ هجمات على إيران.

وهذه التحوّلات في عمومها ستكون بعيدة التأثير على المنطقة والعالم، وإن كانت نهاية الحرب والشكل الذي يسم تلك النهاية، حاسمين في بلورة ذلك.

أمّا المشرق العربيّ، خصوصاً لبنان والعراق، فيُرجَّح أن يحتفظ لنفسه بالإصابات البنيويّة الأكبر والأخطر.

حازم صاغية – الشرق الاوسط

“يوسف عبد الحق… حضورٌ لا يُختصر، وغيابٌ يوجع وطنًا كاملًا”

بقلم : كمال الساحلي

“كيفما نظرت إليه، لا يمكنك تحديده أو اختصاره!
عندما تتخيل محاصرته ضمن فكرة محددة، لن يجد كثيرًا من الصعوبة ليحلق في فضاء الإنسانية الرحبة، أو ليتكبد عناء السباحة في بحر العروبة السمحة والمنفتحة، مجدفًا ومتسلحًا بأفكار قادة كبار من بلادي!

الرفيق الحبيب يوسف عبد الحق…
وللحق خسرناك، والحزن عميق يلفنا، وخسرتك الأناقة واللياقة واللطافة…
خسرتك البسمة الآسرة والطلّة البهيّة…
خسرك الوقار والحضور الراقي والخلق الرفيع…
خسرك الولع لحد الذوبان فيما يخدم الفرد والجماعة!

كان يوسف عبد الحق شخصية فذة، جمعت بين القوة واللطف، والقدرة على التأثير…
كان رمزًا ومثالًا وقدوة في الالتزام والانفتاح…
لقد زينت ينطا، فزرعت العز في مناصيها، والورد على بيادر الشوق، والأصالة في محراب قلعتها…
لتغفوا عيناك بسلام، ولتبقى بسمتك علامة فارقة، فلا تبخل علينا…
الرحمة والمغفرة والسلام لروحك، والبقاء لله!

راشيا في ٣٠ آذار ٢٠٢٦

لبنان الرسمي آخر من يعلم والحزب تبلغ بوجود أجواء تفاوض جدية

غادة حلاوي

بين نار الميدان وضباب السياسة، يقف لبنان على حافة معادلة قاتلة: حرب مفتوحة بلا أفق، وسلطة غائبة عن لحظة تقرير المصير. في الأسبوع الخامس من المواجهة، لا تبدو الأزمة مجرد صراع عسكري، بل اختبارًا قاسيًا لميزان القوة، ولمن يملك حق التفاوض باسم البلاد، الدولة أم المقاومة.

بينما دخلت الحرب الإسرائيلية على لبنان أسبوعها الخامس، لم تنضج بعد المبادرات الدبلوماسية، ولا ما تردّد عن أفكار تسلّمها حزب الله في الأسابيع الأولى من اندلاعها. وكان اللافت طوال تلك الفترة غياب السلطة عن بعض المبادرات أو الأفكار التي طُرحت، حتى وإن لم تحقق المرجو منها. بل إن الدول التي تتحرك على خط الوساطة باتت تتوجّه مباشرة إلى حزب الله، لا إلى أركان السلطة، فيما يأخذ الحزب على السلطة رفضها استثمار ورقة المقاومة في سبيل تقوية موقفها التفاوضي.

بعد أسابيع من اندلاع الحرب، وفي ذروة التحرّك الفرنسي نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، تحرّكت قبرص على خط نقل الرسائل، حيث اجتمع وفد قبرصي مع حزب الله مستطلعًا مطالبه لوقف الحرب. ونبّه الوفد حينها إلى احتمال اندلاع حرب إسرائيلية بلا هوادة، معتبرًا أن إسرائيل تخوض حربًا مصيرية، داعيًا لبنان إلى التنبّه لذلك وتجنّبه. كما حذّر من خطورة جبهة الحدود مع سوريا في حال قررت إسرائيل فتحها. كانت الحرب في بدايتها، فاستمع حزب الله من دون أن يكون لديه ما يقوله. لاحقًا، تحرّكت مصر، التي سلّمت باعتبار الحزب أن الكلمة للميدان في هذه المرحلة.

في الأسبوع الخامس، ترنّحت المبادرات أمام تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، ومنحها مهلة تنتهي قريبًا، ما يوحي بمزيد من التصعيد في لبنان وإيران معًا. وقد شهد لبنان تصعيدًا بوتيرة عالية، ارتبط باستهداف حزب الله بارجة في عرض البحر، ما أظهر امتلاكه قدرات بحرية، بالرغم من الحديث السابق عن تدميرها. في المقابل، يعكس ردّ الفعل الإسرائيلي وعدوانه المتواصل أن الميدان لم يعد مريحًا لقواته، التي تعجز عن التوغّل وفق ما كان مخططًا، كما أظهرت وسائل إعلامها، فضلًا عن صليات الصواريخ التي تستهدف الداخل الإسرائيلي.

لا يزال حزب الله يعتبر أن للميدان كلمته الفصل في السياسة وعلى مستوى المفاوضات، مسجّلًا مآخذه على السلطة التي لم تستفد من ورقة المقاومة. وقد كان لافتًا ما قاله رئيس الجمهورية في بكركي: “لم يصلنا أي جواب حول التفاوض”، مشيرًا إلى ما سبق أن أرسله إلى حزب الله من أفكار لتجنّب عدوان إسرائيلي واسع. فردّ الحزب ضمنيًا بأن الجواب أتى عبر تسخين جبهة الجنوب.

حتى الآن، لم يزر لبنان أي طرف مبادر للحل، في ظل تسليم عام بأن المواجهات، سواء في إيران أو لبنان، خالفت التوقعات، ما يستدعي التروّي في الاستنتاجات السياسية المرتبطة بنتائج الحرب. وعُلم أن السفير الأميركي ميشال عيسى، الذي غادر لبنان، لم يتجاوب مع طلب أوساط رسمية بالتدخل للوساطة مع إسرائيل.

وتعبّر أوساط دبلوماسية غربية عن صدمتها من مسار الجبهة، التي خالفت التقديرات القائلة إن الحرب على إيران لن تستغرق سوى أيام، وأن حزب الله عاجز عن الصمود. وقد شكّل صمود إيران، إلى جانب قدرة حزب الله العسكرية، مفاجأة لعدد من الدول الغربية الحليفة لإسرائيل، بينها بريطانيا.

وتبدي هذه الأوساط خشيتها من توسّع الحرب في لبنان عبر استهدافات إضافية، وتوسيع نطاق المنطقة الأمنية التي تعتزم إسرائيل فرضها. كما تحذّر من ضغوط لدفع سوريا إلى الانخراط في الجبهة، وهو ما أشار إليه الوفد القبرصي، متحدثًا عن مساعٍ إسرائيلية في هذا الاتجاه، لولا رفض تركيا.

وتندرج ضمن الرسائل التي يتلقّاها لبنان معلومات عن نية إسرائيل تدمير شريط يتراوح بين خمسة وسبعة كيلومترات، وتحويله إلى منطقة مكشوفة يُمنع الدخول إليها بشكل مطلق.

أما في ما يتعلّق بإطالة أمد الحرب، فترى الأوساط الدبلوماسية الغربية أن المسار مرتبط بما ستؤول إليه الأوضاع في إيران، التي، بالرغم من الضغوط، لا تزال قائمة ولم يسقط نظامها. ومع ذلك، فإن ربط المسارين اللبناني والإيراني ليس محسومًا، وهو ما تسعى إليه إسرائيل ولا تعارضه الولايات المتحدة.

في المقابل، يبدو هذا الربط حتميًا في حسابات إيران، التي أكدت تلازم الجبهات من خلال الضربات المتزامنة، ومن خلال نوعية الأسلحة التي يستخدمها حزب الله، التي لم يسبق له استخدامها في مواجهات سابقة.

وتكشف الكواليس عن ضغوط متزايدة على لبنان، إذ طلبت الولايات المتحدة من السلطة اتخاذ موقف علني معادٍ لحزب الله، وهو ما يتجنبه رئيسا الجمهورية ومجلس النواب. كما طُلب من لبنان رفع سقف موقفه في الأمم المتحدة، بدل الاكتفاء بقرارات مجلس الوزراء، وهو ما جرى الالتفاف عليه عبر تخفيف لهجة كلمة ممثل لبنان في مجلس الأمن.

يتعرض لبنان لضغوط مزدوجة، بالنار والسياسة، ضمن شروط يُفترض الالتزام بها قبل أي مفاوضات، أبرزها نزع سلاح حزب الله، وتقليص حضوره السياسي والأمني، وبسط سلطة الجيش على الجنوب.

وينقسم الداخل اللبناني حيال مسار التسوية المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة إلى موقفين: الأول يمثّله حزب الله، الذي يربط المسار بطهران؛ والثاني موقف رسمي لا يرغب، في قرارة نفسه، بخروج الحزب سالمًا من الحرب، ويبدو مستعدًا للتفاوض مع إسرائيل بأي ثمن، وهو ما يُعدّ موقفًا ضعيفًا ومثيرًا للاستغراب في الأوساط الدبلوماسية.

وتتقاطع هذه المعطيات مع معلومات أُبلغ بها لبنان مؤخرًا، تفيد بأنه أمام خيارين: إما سيناريو غزة، أو الذهاب إلى تفاوض مشروط، مع تأكيد أن إسرائيل لن تنهي حربها قبل التخلص من سلاح حزب الله.

في المقابل، يؤكد حزب الله أن لبنان سيكون جزءًا من أي اتفاق، في ظل حديث عن وقف مؤقت لإطلاق النار في الشرق الأوسط، يُفضي لاحقًا إلى اتفاق نهائي. المفارقة أن لبنان الرسمي لا يبدو مطّلعًا على تفاصيل ما يجري بحثه، فيما تشير معلومات إلى أن الحزب تبلغ بوجود أجواء تفاوضية جدية، وأن دونالد ترامب يميل إلى التفاوض، خلافًا لما توحي به مواقفه الإعلامية.

الجامعات تحت ضغط الحرب: تعليم مدمج ومرونة تراعي أوضاع الطلاب

نغم ربيع

يبدو التعليم في لبنان اليوم أمام واقع استثنائي يهدّد استمراريته أكثر من أي وقت مضى. فبين صفوف أُقفلت وتحولت إلى غرف لإيواء مئات الآلاف من النازحين، وأخرى تحاول الصمود رغم المخاطر الأمنية والضبابية التي تفرضها الحرب، يواصل القطاع التربوي معركته للحفاظ على الحدّ الأدنى من العملية التعليمية. معركة يومية، يخوضها الطلاب والأساتذة والإدارات الجامعية معاً، وسط إصرار شريحة من الأهالي على متابعة تعليم أبنائهم، مقابل عجز آخرين عن ذلك بفعل النزوح والظروف المعيشية القاسية.

هذه ليست المرّة الأولى التي يُدفع فيها الطلاب إلى التعليم من خلف الشاشات. فمنذ سنوات، اعتادوا الانتقال القسري إلى التعليم عن بُعد، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالأزمات الاقتصادية والأمنية المتلاحقة، وصولاً إلى الحرب الحالية التي أعادت فرض هذا الخيار مجدداً، ولكن هذه المرّة في ظروف أكثر هشاشة وتعقيداً.

الجامعة اللبنانية الأكثر تضرراً

في الجامعة اللبنانية، حيث تقع بعض الكليات والفروع في مناطق تشهد استهدافات اسرائيلية مباشرة، أو تحوّلت مبانيها إلى مراكز إيواء للنازحين، قررت الإدارة اعتماد التعليم عن بُعد في مختلف الوحدات والفروع والمراكز. كما تم تأجيل الانتخابات الطلابية إلى موعد لاحق، في ظلّ تعذّر تنظيمها في الظروف الحالية.

هذا القرار، وإن كان ضرورياً، يعكس حجم الضغط الذي يعيشه التعليم الرسمي تحديداً، باعتباره الأكثر التصاقاً بالجغرافيا المتأثرة بالحرب، والأكثر استقبالاً للطلاب النازحين من مختلف المناطق.

تقول لمى منصور، طالبة في فرع الحدث: “في هذه الظروف لم يعد لدينا سوى التعليم لنتمسّك به. قد يكون كلّ شيء من حولنا يتغيّر، لكن دراستنا لا تزال الشيء الوحيد الذي يجب أن نستمرّ فيه”.

التعليم الحضوري كحاجة اجتماعية أيضاً

ينقسم الطلاب اليوم بين من يرى في التعليم الحضوري ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لما يوفّره من تفاعل مباشر مع الأساتذة وزملاء الدراسة، وبين من بات يتعامل مع التعليم عن بُعد كخيار عملي فرضته النكبات المتلاحقة، مستفيداً من مرونته في ظلّ صعوبة التنقّل والظروف الأمنية والضغوط المعيشية.

بالنسبة إلى كثير من الطلاب، لا يقتصر التعليم الحضوري على البعد الأكاديمي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى كونه مساحة حياة يومية تُستعاد فيها العلاقات الاجتماعية والإيقاع الطبيعي للجامعة، بما تمثّله من لقاءات ونقاشات وتجارب مشتركة تشكّل جزءاً أساسياً من التجربة الجامعية نفسها، لا مجرد تفصيل مكمّل لها. 

يقول آدم ضناوي، وهو طالب في الجامعة اللبنانية الدولية، إن “التعليم الحضوري يبقى الأفضل، لكن حتى في التعليم الأونلاين تحاول الجامعة ضبط العملية التعليمية، والجميع يحاول المشاركة قدر الإمكان مع وجود تفهّم واضح من الإدارة والأساتذة”.

ترك حرية الخيار للطلاب

لجأت الجامعات الخاصة إلى نظام تعليم مدمج مراعاة لوضع الطلاب النازحين وبسبب المخاوف الأمنية. في جامعة القديس يوسف جرى اعتماد نظام التعليم المدمج، فتترك حرية الخيار للطلاب بين الحضور أو متابعة الدروس عن بُعد، مع الأخذ في الاعتبار أوضاع الطلاب النازحين. وقد طلبت الجامعة من الطلاب إبلاغ إداراتهم الأكاديمية في حال النزوح، لتسهيل متابعتهم الدراسية.

لكن رغم المرونة في التدريس، تبقى الامتحانات حضورية، نظراً لعدم وجود إطار قانوني يسمح بإجرائها عن بُعد، وللحفاظ على الاعتراف الأكاديمي بالشهادات.

وتقول ريتا، وهي طالبة سنة أولى حقوق نزحت من الضاحية الجنوبية: “الحياة يجب أن تستمر. أحاول أن أتابع دراستي قدر الإمكان، خصوصاً أن امتحاناتي في منتصف نيسان. تخطّينا هذه الظروف سابقاً، وسنتخطّاها مرة أخرى”.

مرونة بالتعامل مع الطلاب

في الجامعة الأميركية في بيروت، والجامعة اللبنانية الأميركية، التي شهدت بدورها حالة التباس أمني بعد تداول تهديدات باستهدافها، جرى اعتماد التعليم أونلاين منذ الأسابيع الأولى، فيما الامتحانات إما حضورية أو عن بعد أو جرى تأجيلها لوقت لاحق، بحسب الاختصاص. 

ويشير باسل رميتي، أحد طلاب الجامعة الأميركية إلى أن الأساتذة أبدوا مرونة كبيرة في التعامل مع أوضاع الطلاب، خصوصاً الذين اضطروا إلى السفر أو النزوح، حيث أُعطوا إمكانية إجراء امتحاناتهم في مواعيد لاحقة بالتنسيق مع الإدارات الأكاديمية.

أما مريم غندور، طالبة في الجامعة اللبنانية الأميركية، فتروي تجربتها قائلة: “منذ بداية الحرب، بدأنا الدروس عن بُعد، لكن في بعض الحصص يُطلب من التلاميذ الحضور، وفي الامتحانات أيضاً”. 

مريم، طالبة في السنة الأولى، تضيف قائلة عن تجربتها الشخصية: “كنت أسكن في بيروت للذهاب إلى الجامعة، لكن عندما اندلعت الحرب، اضطررت للعودة إلى البقاع الغربي عند أهلي. كان الانتقال صعباً، خصوصاً مع الضغط النفسي والخوف من عدم القدرة على متابعة الدروس، لكن أتمسك بالدراسة قدر الإمكان”.

أساتذة أيضاً في قلب الأزمة

لا يقتصر تأثير الحرب على الطلاب وحدهم. فالأساتذة أنفسهم يواجهون ظروفاً مشابهة، بين نزوح شخصي، وصعوبة التنقّل، وضغط نفسي يرافق محاولة الحفاظ على استمرارية التدريس.

تقول دكتورة في الجامعة اللبنانية نزحت من الضاحية الجنوبية (فضّلت عدم الكشف عن اسمها): “العديد من الطلاب نزحوا من منازلهم، وفقد بعضهم القدرة على متابعة الدروس بانتظام. نحن أيضاً نواجه ظروفاً صعبة، إذ اضطررت إلى ترك بيتي والتوجّه إلى مكان آمن بعيداً عن حياتي المعتادة، ومع ذلك نحاول قدر الإمكان إعادة شرح المحاضرات أكثر من مرة وتسجيلها لتكون متاحة للجميع”.

وتضيف: “النزوح ليس مجرد تغيير مكان، بل شعور دائم بعدم الاستقرار والقلق، سواء على أنفسنا أو على الطلاب. رغم كل هذا، نواصل العمل لأن التعليم أصبح بالنسبة إلينا ولهم وسيلة للصمود والاستمرار”.

ويشير أستاذ في جامعة بيروت العربية إلى أنّ التحدّي لا يقتصر على إيصال المادة العلمية، بل يتعلّق أيضاً بالحفاظ على تماسك الطلاب نفسياً، قائلاً إنّ “الجامعة في هذه الظروف ليست فقط مكاناً للتعليم، بل مساحة دعم أيضاً. نحاول أن نبقي الطلاب مرتبطين بإيقاع الدراسة حتى لا يشعروا بأن حياتهم توقفت”.

التعليم كفعل مقاومة 

يستمر كثير من الأساتذة في تسجيل المحاضرات، وإعادة شرح المواد، ومتابعة الطلاب فردياً، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأكاديمي، في وقت تحوّل فيه التعليم نفسه إلى محاولة يومية لمقاومة الانقطاع أكثر مما هو مساراً أكاديمياً عادياً.

في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لم تعد الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت مساحة مقاومة يومية ضد الانقطاع عن التعليم.

وبين صفوف تُفتح افتراضياً، وأخرى تُقفل قسراً، يحاول الطلاب والأساتذة معاً حماية ما تبقّى من سنة دراسية مهددة. ليس فقط للحفاظ على الشهادات، بل للحفاظ أيضاً على فكرة الاستمرار نفسها، في بلد يعيش مرة أخرى على إيقاع الانتظار.

لبنان عالق بين المصنع وهرمز: نتنياهو يطمح لاستكمال “الأجندة”

منير الربيع

يعلق لبنان أكثر فأكثر بين “مضيق هرمز” و”معبر المصنع”. وما بينهما، زواريب ومجاهل كثيرة يمكنها أن تضيّق الخناق على اللبنانيين، خصوصاً في ظل الإصرار الإسرائيلي على مواصلة الحرب وتصعيدها وتوسيع العملية البرية. يترقب لبنان ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية الإيرانية وإمكانية تحقيق خرق في جدار الأزمة، لعلّ ذلك ينسحب عليه وتتوقف الحرب. كما يترقب مساعي دولية كثيرة ترمي إلى تجنيبه أي حصار برّي أو بحري، من خلال دخول وساطات عديدة للضغط على إسرائيل ومنعها من استهداف معبر المصنع. من المضيق إلى المعبر، تتفجر الساحة الداخلية سياسياً بشكل يمكن أن يتحول إلى انفجارات أمنية، أو عسكرية، أو اقتصادية أو اجتماعية، خصوصاً في ظل حالة الاستنفار الداخلي الآخذ بالتجذر بفعل الانقسام السياسي العمودي. وفي حال استمرت الحرب وطال أمدها فحتماً ستكون ارتداداتها على الداخل قاسية جداً. 

مهلة ترامب

تُشارف المهلة التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران للموافقة على فتح مضيق هرمز ووقف الحرب على الانتهاء، وسط شكوك بإمكانية الوصول إلى اتفاق، بسبب تباعد الشروط والمطالب. فالمبادرة الباكستانية وما تحمله من بنود نقاط، ليس فيها ما يختلف عن كل الطروحات التي كان موجودة في المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة قبل اندلاع الحرب، وهو ما لم توافق عليه واشنطن في حينها، على الرغم من تقديم إيران كل التنازلات المطلوبة، إلا أن ترامب بقي مصراً على الدخول في الحرب ومتفقاً في ذلك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. 

قراءات متناقضة سجلت للمبادرة الباكستانية، بين من اعتبر أنها تلبي شروط الجميع ويمكنها أن تشكل مخرجاً لائقاً من الحرب، وبين آخرين رأوا أنها لن تصل إلى أي نتيجة، لأن ترامب لا يريد إعطاء إيران أي تنازل أو مكسب، ولا يريد ترك أي التباس من شأنه أن يجعل طهران تعلن انتصاراً. ولو غضّ ترامب النظر عن ذلك، فإن نتنياهو سيعمل كل ما في وسعه لتخريب أي مسار تفاوضي يوصل إلى وقف النار. 

شروط إيران

وتكشف مصادر متابعة أن إيران، وبعد دراستها للمبادرة الباكستانية، أبدت موافقتها عليها مقابل طرح 3 شروط: 

الأول، أن لا يحدد وقف اطلاق النار بمهلة زمنية هي 45 يوماً، وأن يبقى سارياً إلى حين الوصول إلى اتفاق نهائي شامل، مع اشتراط وقف الحرب على لبنان وحزب الله وكل الجبهات الأخرى. 

الثاني، لا يتم فتح مضيق هرمز بشكل كامل، بل بشكل جزئي، وتسمح فيه إيران لسفن الدول الصديقة وغير المنخرطة في الحرب العبور، في مقابل منع أميركا وحلفائها والدول المتعاونة معها في الحرب من العبور قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي والشامل. 

الثالث، أن تستفيد إيران من مضيق هرمز ليشكل ضمانة للحصول على تعويضات عن هذه الحرب بموجب الرسوم التي تستحصل عليها من العبور في المضيق. 

..والشروط الأميركية

في المقابل، فإن الأميركيين أيضاً فرضوا شروطهم على المبادرة الباكستانية ومن بينها:

أولاً، عدم الموافقة على مهلة وقف النار لمدة 45 يوماً. 

ثانياً، أن توقف إيران عملياتها العسكرية فوراً وتفتح مضيق هرمز. 

عملياً، لا يمكن لترامب الموافقة على استمرار إيران في إغلاق المضيق مقابل أن يوقف الحرب هو، لأن ذلك سيظهره وكأنّه  قد تعرض لهزيمة من قبل الإيرانيين. كما أنه في الأوساط الأميركية لا يمكن القبول باقتصار الاتفاق على النووي واليورانيوم العالي التخصيب، مقابل رفع العقوبات بالكامل، من دون الوصول إلى حلّ لمعضلة الصواريخ البالستية، خصوصاً التي يتجاوز مداها الـ 3 آلاف كلم. 

الموقف الإسرائيلي

حتى إن وافق ترامب، فإن إسرائيل ستسعى بكل قوتها لتعطيل أي اتفاق. ولذلك كثفت عملياتها العسكرية، واستهدفت المزيد من منشآت الطاقة ومصانع البيتروكيماويات. كما أنها تعمل على تعطيل أي مسار تفاوضي تسعى أي دولة لفتحه بين واشنطن وطهران. على المستوى العربي فإن الترقب لا يزال قائماً، مع وجود مؤشرات عربية وخليجية عديدة حول استبعاد الوصول إلى اتفاق، وأن ذلك سيحتاج إلى تمديد فترة التفاوض، لأن الوقت المتبقي لن يكون كافياً للتفاهم حول كل النقاط العالقة. في هذا السياق، تكشف مصادر ديبلوماسية عن مساع تبذلها دول عربية وإقليمية كي لا ينفذ ترامب تهديداته بضرب منشآت الطاقة والبنى التحتية الإيرانية، وتأجيلها لاستكمال التفاوض والترتيبات، لكن ذلك أيضاً يترك باب الحرب مفتوحاً، وهو ما ستستغله إسرائيل لتصعيد عملياتها. 

جبهة لبنان لن تهدأ

إصرار إيران على وقف الحرب على كل الجبهات؛ أي أن توقف إسرائيل حربها على حزب الله، يلقى معارضة إسرائيلية أيضاً. إذ إن تل أبيب ترفض بشكل كامل ربط الجبهتين. وبحسب ما تقول مصادر ديبلوماسية، فإن الإسرائيليين يستخدمون غالبية قوتهم النارية والعسكرية دفاعياً أو هجومياً في حربهم على إيران. أما بعد وقف الحرب هناك، فإن المجهود العسكري سيتركز على حزب الله. وتكشف المصادر أن الإسرائيليين يعدّون خطة خطرة وشرسة للتعامل مع الجبهة اللبنانية، ليس فقط من خلال توسيع العملية البرية أو تكثيف الغارات الجوية وعمليات التهجير، بل أيضاً من خلال السعي إلى فرض حصار على لبنان. وما جرى في معبر المصنع كان إشارة أولية لما قد تقدم عليه تل أبيب لاحقاً في حال لم تنجح مساعي وقف الحرب على كل الجبهات. تهديد المصنع هدفه خنق لبنان، والتمهيد لتوسيع العملية البرية لفصل لبنان عن سوريا كلياً، ولفصل البقاع عن الجنوب، من دون استبعاد لجوء الإسرائيليين إلى التقدم باتجاه لبنان انطلاقاً من الأراضي السورية. حتى الآن نجحت المساعي الإقليمية والدولية في تجميد ضربة المصنع وتأجيلها، لكنها ستبقى خياراً اسرائيلياً قائماً وخاضعاً لمقتضيات المعركة وسياقها. 

مفاجأة مقترح جديد: الحرب بين التسوية و”سيف” مجلس الأمن

منير الربيع

دفع التصعيد الكبير الذي توعد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تكثيف الاتصالات على مستوى دول المنطقة بحثاً عن تمديد المهلة التي منحها لإيران أو لوضع اتفاق إطار يمكن من خلاله الوصول إلى  اتفاق نهائي وشامل. في هذا السياق، تقول مصادر ديبلوماسية غربية وعربية إن تصعيد المواقف ورفع مستوى التهديد من الطرفين قد يفضي إلى مفاجأة تتوقف على ما سينجح الوسطاء في تحقيقه. وتكشف المصادر عن توسع مروحة الاتصالات، بين دول الخليج، تركيا، باكستان وحتى روسيا لأجل الوصول إلى تصور يجنّب المنطقة حرباً أوسع قد تقود إليها الضربات التي يهدد ترامب بتنفيذها. 

وتكشف المصادر الديبلوماسية أن الإيرانيين أجروا مساء الاثنين اتصالات بكل من باكستان، تركيا، قطر، وروسيا للبحث في كيفية بلورة صيغة تفاهم يمكنها أن تؤسس للاتفاق الشامل، كما أن سلطنة عمان ليست بعيدة عن هذا المسار، التي كان قد وصلها وفد إيراني يوم الأحد ولا يزال موجوداً هناك، علماً أن عمان تسعى لأن تكون الجهة المستضيفة مجدداً لأي مفاوضات مباشرة بين الأميركيين والإيرانيين، مع الإشارة إلى أن باكستان أيضاً مطروحة لاستضافة أي مفاوضات. 

مقترح متكامل

وتضيف المصادر أن الاتصالات الدولية مع إيران، تسعى للوصول إلى تقديم مقترح حل متكامل بحدود بعد ظهر يوم الثلاثاء بتوقيت الشرق الأوسط، أي صباحاً بتوقيت الولايات المتحدة الأميركية، على أن تسلم إسلام أباد المقترح إلى الأميركيين لدراسته. ووفق المصادر فإن البنود التي يتم العمل عليها:

  • وقف فوري لإطلاق النار. 
  • فتح مضيق هرمز.
  • تعهد إيران بوقف تخصيب اليورانيوم.
  • التعهد بعدم امتلاك سلاح نووي. 
  • رفع العقوبات. 
  • إطلاق الأموال الإيرانية المجمدة لدى الولايات المتحدة.

إنها محاولات الساعات الأخيرة للوصول إلى اتفاق، وتجنب لجوء الولايات المتحدة إلى تصعيد كبير تستهدف فيه كل منشآت الطاقة والبنى التحتية الإيرانية، وهذا ما سيكون له انعكاس على كل دول المنطقة بفعل الرد الذي ستنفذه إيران على جوارها. 

مواقف متقابلة

وبحسب ما تكشف المصادر الديبلوماسية فإن ترامب يتمسك بشرط أساسي وهو تسليم إيران لليورانيوم العالي التخصيب، والتعهد بوقف التخصيب وإيقاف المشروع النووي وعدم العودة إلى تفعيله أو إصلاح المنشآت النووي التي جرى ضربها. 

في المقابل، لا تزال إيران ترفض تسليم اليورانيوم العالي التخصيب وتصر على بقائه داخل الأراضي الإيرانية مع ضمان مراقبته دولياً. كما تتمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم على أن يكون ذلك من خلال كونسورتيوم دولي تشارك فيه الولايات المتحدة الأميركية وروسيا ودول أوروبية أيضاً. 

تطالب إيران بضمانات لعدم تجدد الحرب، كما أنها مستعدة لإبرام معاهدة عدم اعتداء مع الولايات المتحدة، لكنها أيضاً تشترط ضرورة وقف الحرب في المنطقة ككل. 

الحاجة إلى معجزة!

عملياً، يتوقف الأمر على معجزة تحدث تغييراً في المواقف. خصوصاً أنه في موازاة تكثيف الاتصالات بدأ الأميركيون والإسرائيليون بتصعيد وتكثيف عملياتهم العسكرية ضد منشآت إيرانية ليل الاثنين الثلاثاء، في إطار زيادة منسوب الضغط لدفع طهران إلى الموافقة على الشروط. في المقابل، لا تزال الشكوك قائمة حول إمكانية الوصول إلى الاتفاق ونضوجه، كما أن إيران تشكك بنوايا الأميركيين والإسرائيليين الذين ربما يفكرون بافتعال فوضى في الداخل الإيراني وتسليح جماعات من المعارضة الإيرانية ودفعها إلى القيام بتحركات ضد النظام انطلاقاً من كلام ترامب حول دعوة الشعب للنزول إلى الشوارع وإسقاط النظام. 

… وإلا فالتصعيد

للمفارقة أن كل الضغوط وكل حركة الاتصالات تزامنت مع المساعي الدولية في نيويورك لإعادة طرح مشروع قرار مقدم من البحرين حول مضيق هرمز واتخاذ قرار بشأن فتحه وهو يتضمن فقرة تشير بشكل ما إلى شرعية استخدام القوة لفتح المضيق وحماية الملاحة البحرية وخطوط الامداد الدولية، وتقول الفقرة: “يشجع بشدة الدول المهتمة باستخدام الطرق البحرية التجارية في مضيق هرمز على تنسيق الجهود، ذات الطابع الدفاعي، والمتناسبة مع الظروف، للمساهمة في ضمان سلامة وأمن الملاحة عبر مضيق هرمز، بما في ذلك من خلال مرافقة السفن التجارية، وردع محاولات إغلاق أو عرقلة أو التدخل بأي شكل من الأشكال في الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز”. هذا يعني في حال فشلت كل المساعي فإن الاتجاه سيكون للمزيد من التصعيد وعلى المستوى الدولي أيضاً استناداً إلى قرار مجلس الأمن أو استناداً إلى أي تحالف قد يتشكل لتأمين الملاحة في المضيق وإن فشل مجلس الأمن باتخاذ القرار.

لبنان عاجز عن مواجهة أزمة النزوح المتفاقمة!

يوسف دياب

الشرق الأوسط

يواجه لبنان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، مع تجاوز عدد النازحين عتبة المليون شخص نتيجة الحرب المستمرة بين إسرائيل و«حزب الله» منذ الثاني من آذار الماضي. وبينما تتسارع وتيرة النزوح وتتزايد الاحتياجات، تبدو الاستجابة الدولية أقل بكثير من حجم الكارثة، ما يضع الدولة اللبنانية أمام تحديات غير مسبوقة في إدارة هذه الأزمة.

ورغم النداء العاجل الذي أطلقته الحكومة اللبنانية، بحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لتأمين نحو 308 ملايين دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية الأساسية، لم تتجاوز قيمة المساعدات التي وصلت حتى الآن 90 مليون دولار، أي ما يقارب 30 في المئة فقط من المبلغ المطلوب. هذا النقص الحاد في التمويل يهدد بشكل مباشر قدرة الدولة والجهات المعنية على الاستمرار في تقديم الدعم للنازحين، خصوصاً مع اتساع رقعة الأزمة.

التوزيع بإشراف الأمم المتحدة

في هذا السياق، أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أن وكالات الأمم المتحدة «تبذل جهوداً كبيرة في توزيع المساعدات، بالتنسيق مع الوزارة والمحافظين، ومن خلال شبكة مراكز منتشرة في مختلف المناطق اللبنانية». وقالت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المساعدات تُوزَّع عبر الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب والجمعيات المحلية، بالتنسيق مع المحافظين وغرف إدارة الكوارث، بما يضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر حاجة».

وعلى الرغم من الضغط المالي الكبير، لا يبدو أن أزمة الإيواء تشكل التحدي الأبرز في المرحلة الحالية، إذ تفيد وزارة الشؤون الاجتماعية أن الدولة «تدير عشرات مراكز الإيواء المنتشرة في جميع المحافظات، ولا تعاني من نقص في قدرتها الاستيعابية». ووفق آخر تقرير صادر عن وحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء، «بلغ عدد النازحين المقيمين داخل مراكز الإيواء 136731 شخصاً موزعين على 674 مركزاً، بينما بلغ عدد العائلات المقيمة في هذه المراكز 35864 عائلة». وتشير التقديرات الرسمية إلى أن هذه المراكز «لا تزال قادرة على استقبال المزيد من النازحين عند الحاجة».

غالبية النازحين في منازل

في المقابل، تكشف الأرقام أن الغالبية الساحقة من النازحين، أي ما نسبته 85 في المئة من أصل 1.1 مليون شخص، يعيشون خارج مراكز الإيواء، سواء في منازل مستأجرة أو لدى أقاربهم، في حين أن الفئة الأكثر هشاشة موجودة في مراكز الإيواء، وتعتمد خطط الدعم الحكومية بشكل أساسي على برامج المساعدات النقدية لتمكينهم من تأمين احتياجاتهم الأساسية في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

وتبرز ظاهرة لافتة في العاصمة بيروت، حيث لا تزال عشرات العائلات تفترش الأرصفة وتعيش في خيم مؤقتة على الواجهة البحرية، وعلى طول الطريق الممتد من مستديرة الطيونة (المدخل الشمالي للضاحية الجنوبية) وصولاً إلى تقاطع البربير – رأس النبع. وتشير مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذه العائلات «ترفض الانتقال إلى مراكز الإيواء، مفضّلة البقاء بالقرب من مناطقها الأصلية، إذ تمضي النهار في منازلها في الضاحية الجنوبية وتعود ليلاً إلى أماكن إقامتها المؤقتة»، مشيرة إلى أن «بعض العائلات ترفض الانتقال إلى مراكز في طرابلس وعكار، لأسباب تتعلق بالبعد الجغرافي وصعوبة التأقلم».

مساعدات أقل من 2024

تعكس هذه المعطيات تحولاً نوعياً في طبيعة أزمة النزوح في لبنان، فالتحدي لم يعد مقتصراً على تأمين المأوى، بل بات يرتبط بشكل أساسي بتوفير التمويل المستدام لتغطية الاحتياجات المعيشية والخدمات الأساسية، ويزداد هذا التحدي وضوحاً عند مقارنته بتجارب سابقة، إذ تشير تقارير وزارة الشؤون الاجتماعية إلى أن لبنان «تلقى خلال حرب عام 2024 مساعدات مالية تجاوزت 700 مليون دولار، إضافة إلى أكثر من 100 طائرة مساعدات عينية من دول عربية عدة، بينها السعودية والإمارات وقطر والكويت ومصر». ووفق التقديرات أيضاً، يبدو الدعم الدولي اليوم «أكثر حذراً وأقل اندفاعاً، في ظل تعقيدات إقليمية متزايدة، من بينها تعرض بعض الدول الداعمة لتوترات أمنية، فضلاً عن القيود اللوجيستية المرتبطة بإقفال المطارات وصعوبة إيصال المساعدات إلى الداخل اللبناني».