حدد الصفحة

أن تكون محمد بن سلمان…

أن تكون محمد بن سلمان…

ملاك جعفر عباس – موقع أساس ميديا

ليس سهلًا هذه الأيام أن تكون ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

ليس سهلًا أن تقول لدونالد ترامب: لا! وهو في ذروة جموحه وارتباكه وخوفه على مستقبله السياسي. وليس سهلًا أن ترفض تحويل الثقل السعودي إلى جائزة ترضية لإسرائيل فيما يتبجح رئيس وزرائها كل يوم بقدرته على تغيير وجه الشرق الأوسط. ليس سهلاً ان تحافظ على اتزانك الانفعالي وأنت تتعاطى مع حليف لا يتورع عن إهانة بلادك ويعرضها للخطر وهو يحتاج اليك أكثر مما يعتقد.

 

في كل يوم يمر بلا حل للمعضلة الإيرانية، يدرك ترامب أكثر فأكثر فداحة ما ارتكبه حين فتح الباب أمام حرب لا يملك لها خاتمة واضحة. كان يتصور أنّ الضربة ستنتج لحظة إذعان إيراني، أو على الأقل اتفاقًا سريعًا يستطيع بيعه للداخل الأميركي على أنه “صفقة أعظم من صفقة باراك أوباما”. لكن الحرب، بدل أن تغلق الملف الإيراني، جعلته أكثر تعقيدًا. إيران لم تسقط، إسرائيل لم تحصل على النصر الكامل، والأسواق العالمية لا تستطيع التعايش طويلًا مع تهديد مضيق هرمز والطاقة والتضخم.

هنا بدأ ترامب يبحث عن مخرج. لكنه، كعادته، لا يريد مخرجًا يبدو كتراجع، بل يريد اتفاقًا مع إيران لا يبدو تنازلًا، ووقفًا للحرب لا يبدو هزيمة، وتعويضًا سياسيًا لإسرائيل لا يبدو مكافأة على الفشل. لذلك يحاول إدخال الاتفاقات الإبراهيمية إلى طاولة الأزمة الإيرانية، كأن المطلوب من السعودية أن تساعده في حل المعضلة مع طهران، ثم تدفع ثمن هذا الحل بتطبيع يمنح نتنياهو الجائزة التي عجز عن انتزاعها بالحرب.

هذه ليست صفقة. هذه محاولة ابتزاز استراتيجي.

لم يكن أحد يعتقد أنه سيمنح بايدن أو حتى ترامب من بعده تنازلاً بحجم وعد بالدولة الفلسطينية من أجل التطبيع مع السعودية

واشنطن تطلب من الرياض أن تستخدم وزنها السياسي والديني والاقتصادي في إنتاج مخرج من مأزق إيراني صنعته الحرب، ثم تطلب منها في اللحظة نفسها أن تمنح إسرائيل غطاءً إقليميًا جديدًا. أي أن المطلوب سعوديًا ليس فقط مساعدة ترامب على النزول عن الشجرة، بل حمل نتنياهو أيضًا على الأكتاف بعد الدم الذي سفكه في غزة والضفة ولبنان.

صعوبة القرار السعودي

منذ فتحت إدارة جو بايدن ملف التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي، وضعت المملكة شرطين أساسيين تعامل كثيرون معهما بخفة على اعتبار أنّ قطار التطبيع انطلق وأنّ مسألة فلسطين مجرد لغو يشبه بيانات الجامعة العربية: الشرط الأول كان وجود مسار حقيقي نحو دولة فلسطينية على حدود عام 1967، والثاني يتمثل في إقامة برنامج نووي سعودي للأغراض السلمية. لم يكن الشرطان ديكورًا تفاوضيًا. كانا، في القراءة السعودية، الحد الأدنى لتحويل التطبيع من صورة سياسية إلى ترتيب استراتيجي قابل للحياة.

ثم جاء السابع من أكتوبر في أحد معانيه كمحاولة إيرانية لإفشال هذا المسار، وجاء الرد الإسرائيلي المتوحش على غزة ليتقاطع مع المصلحة الإيرانية ويهرب الى الأمام من مسار يفرض عليه تقديم أي تنازل للفلسطينيين او حتى السعوديين، فسقطت الصيغة القديمة كلها.

ما كان يمكن بيعه قبل الحرب لم يعد قابلًا للتسويق بعدها. انتقلت الرياض من الحديث عن مسار جدي نحو الدولة الفلسطينية إلى موقف أكثر صلابة: لا تطبيع مع إسرائيل من دون مسار لا رجوع عنه لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية أرفقته برعاية مؤتمر دولي لإحياء حل الدولتين، وقدم وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان احدى أثقل مرافعاته في الدفاع عن هذا الخيار في أكثر من محفل دولي.

واشنطن تطلب من الرياض أن تستخدم وزنها السياسي والديني والاقتصادي في إنتاج مخرج من مأزق إيراني صنعته الحرب

بهذا المعنى، لم تعد فلسطين بندًا من بنود التفاوض، بل وضعها صانع القرار كشرط الشرعية لأي سلام سعودي ـ إسرائيلي. وهذا ما يحاول نتنياهو تحييده من خلال محاصرة السعودية من بعيد.

إسرائيل لم تعد مستعدة لمنح الفلسطينيين دولة حقيقية منذ بدأ نتنياهو صعوده السياسي في أوائل تسعينيات القرن الماضي فوق جثة اسحق رابين وأنقاض اتفاق أوسلو. ولم يكن أحد يعتقد أنه سيمنح بايدن أو حتى ترامب من بعده تنازلاً بحجم وعد بالدولة الفلسطينية من أجل التطبيع مع السعودية.

نتنياهو الذي أفنى عمره السياسي لمنع إيران نووية لا يمكن أن يقبل بدولة إسلامية جديدة تمتلك برنامجًا نوويًا مدنيًا في الإقليم لا تملك إسرائيل السيطرة على قرارها السياسي.

مقاربة حذرة

من هنا، كانت المقاربة السعودية حذرة منذ البداية، وقد صحّ التوجس السعودي المبكر عندما بدأت قطع البازل تتكامل في الإقليم لتقرأ كحلقة من الضغوط المحيطة بالمملكة مترابطة مع بعضها البعض بحبل إسرائيلي هدفه خنق الشرطين التعجيزيين واسقاطهما.

من جنوب اليمن، الى البحر الأحمر، والحرب في السودان، والاعتراف بانفصال أرض الصومال، كلها تبدو كأجزاء من قوس ضغط يستهدف رؤية السعودية وأمنها الاقليمي وموقعها ومجالها الحيوي، ويدفعها في النهاية إلى التخلي عن الشرطين اللذين وضعتهما على باب التطبيع: الدولة الفلسطينية والبرنامج النووي المدني.

في الشرق، تكتمل الحلقة الإيرانية. فإيران بالنسبة إلى الرياض ليست خصمًا تقليديًا فحسب، بل دولة كبرى على الضفة الأخرى من الخليج: سقوطها المفاجئ قد يفتح زلزالًا جيوسياسيًا لا يمكن احتواؤه، وخروجها منتصرة بلا قيود قد يعيد إنتاج نفوذها المسموم في العواصم العربية.

لذلك لا تستطيع السعودية أن تقبل بسقوط إيران كدولة، ولا بعودة المشروع الإيراني كما كان، ولا بانتصار إسرائيلي كامل ينقل نفوذ تل أبيب إلى الضفة الشرقية للخليج.

ليس سهلًا هذه الأيام أن تكون ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

المعادلة السعودية الدقيقة

هذه هي المعادلة السعودية الدقيقة: لا إنقاذ للمشروع الإيراني، ولا مكافأة للمشروع الإسرائيلي، ولا تفويض لواشنطن كي تعيد ترتيب المنطقة وفق حاجات ترامب الانتخابية أو حاجات نتنياهو السياسية.

لكن محمد بن سلمان لا يقف وحده كما وقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس أعزلاً وهو يقول لا لصفقة القرن في ولاية ترامب الأولى. السعودية اليوم محاطة بكتلة إسلامية عربية سنية وازنة قيد التشكل: باكستان، بما تمثله من وزن نووي وعسكري وإسلامي؛ تركيا، كعضو في الناتو وقوة برية؛ مصر، بأكبر جيش عربي وبهاجسها العميق تجاه تفكك الدول؛ وقطر، بما تملكه من قنوات خلفية وقدرة على إدارة المساحات الرمادية.

هذه ليست جبهة مكتملة، ولا حلفًا مؤسسيًا، لكنها كتلة وازنة واحتياطات طاقوية هائلة لا يمكن التعامل معها كملحق بقرار واشنطن أو كجائزة ترضية لإسرائيل.

من هنا تأتي أهمية انخراط هذه الكتلة في تشكيل مسار إسلام آباد والاقليم الذي سينتج عنه. فما يجمع هذه الدول ليس التطابق الكامل في الرؤية، بل تقاطع مصالح واضح: استمرار الحرب خطر، انهيار إيران خطر، انتصار إيران الكامل خطر، واكتمال مشروع نتنياهو خطر.

هذا التقاطع هو الورقة التي تستطيع الرياض استخدامها في واشنطن وطهران، فهي طرف سيتحمل نتائج أي اتفاق. إذا كُتبت التسوية فوق رأسها، ستدفع ثمنها في الخليج، واليمن، والبحر الأحمر، وفلسطين. وإذا شاركت في صياغتها، تستطيع أن تفرض حدودًا واضحة:

– إيران تبقى دولة، لكن لا تعود إمبراطورية أذرع، بمعنى أن تخرج أيضاً من لبنان والعراق واليمن مقابل الخروج الإسرائيلي.

– إسرائيل لا تحصل على تطبيع مجاني يعوض فشلها في الحرب، بل عليها ان تجد محاوراً جدياً للسلام المستدام، قادر على رسم الحدود النهائية لدولة إسرائيل على الخارطة، واشنطن لا تستخدم حاجة المنطقة إلى الاستقرار لانتزاع تنازل سعودي في فلسطين، بل تعمل وفق ما يمليه منطق الشراكة في التعاطي مع الحلفاء الاستراتيجيين.

لا تستطيع السعودية أن تقبل بسقوط إيران كدولة، ولا بعودة المشروع الإيراني كما كان، ولا بانتصار إسرائيلي كامل

اليوم التالي للحرب

هذه هي معركة اليوم التالي للحرب على إيران.

ليست المعركة حول ما إذا كان ترامب سيوقع اتفاقًا مع طهران فحسب. المعركة حول ثمن هذا الاتفاق، ومن يدفعه، ومن يحصل على مكاسبه السياسية. ترامب يريد أن يبيع التسوية بوصفها انتصارًا. نتنياهو يريد منع أي تسوية لا تكسر إيران. إيران تريد تحويل صمودها إلى اعتراف ومكاسب.

أما السعودية، ومعها الكتلة السنية قيد التشكل، فمصلحتها أن تمنع هذه الأطراف الثلاثة من كتابة الاتفاق وحدها. إذا قبلت الرياض أن يكون التطبيع هو ثمن خروج ترامب من مأزقه، تكون قد منحت نتنياهو ما لم تمنحه له الحرب وهذا غير وارد وإذا أصرت على شروطها، تكون قد حولت حاجة واشنطن إليها إلى رافعة استراتيجية: لا دولة فلسطينية: لا تطبيع، لا تسوية مع إيران فوق رأس الخليج.

في النهاية، ليست المسألة من انتصر في الحرب. إيران صمدت لكنها لم تتعافَ. إسرائيل ضربت لكنها لم تحسم. أميركا تورطت وتبحث عن مخرج. المسألة الأهم هي من سيكتب شروط الخروج من هذه الحرب.

ليس سهلاً أن تكون محمد بن سلمان!

*كاتبة صحافية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة.

 

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com