الشرق الأوسط بعد الحرب: نظام جديد أم مرحلة انتقالية؟ (4/4)

إذا كانت الحرب الأخيرة قد دفعت إسرائيل إلى مراجعة حدود قوتها، والولايات المتحدة إلى إعادة هندسة تحالفها معها، وأوروبا إلى مساءلة الاستثناء التاريخي الذي منحته لإسرائيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإن السؤال الأوسع يصبح اليوم: أي شرق أوسط يولد من كل هذه التحولات؟

فالمنطقة لا تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، لكنها أيضًا لا تدخل نظامًا جديدًا مكتملًا. وما يتشكل أقرب إلى مرحلة انتقالية طويلة، تقوم على خطين إقليميين متوازيين، كلاهما مرعي أميركيًا، لكن لكل منهما وظيفة مختلفة.

الخط الأول يمتد من الهند إلى الإمارات وإسرائيل، وما حوله من مشاريع موانئ وطاقة وتكنولوجيا وممرات تجارية. وهو خط يمتلك قوة اقتصادية هائلة، وقدرة نارية كبيرة، وشبكة مصالح مرتبطة بالأسواق العالمية، وبالتحالف الأمريكي، وبمشاريع الربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

أما الخط الثاني فيمتد من باكستان إلى السعودية وتركيا ومصر، مع حضور قطري وسوري يُعتد به، وقدرة واضحة على استقطاب دول أخرى مثل إيران والعراق، وربما قوى عربية وإسلامية أوسع. وهذا الخط لا يقوم على الاقتصاد وحده، بل على فكرة مختلفة: إدارة التوازن الإقليمي، ومنع الانفجار، واحتواء الصراعات قبل أن تتحول إلى حروب شاملة.

بهذا المعنى، لا يبدو الشرق الأوسط مقبلًا على محور واحد ينتصر على آخر، بل على شبكتين تعملان في الوقت نفسه، وتتقاطعان أحيانًا، وتتنافسان أحيانًا أخرى.

خط القوة والاقتصاد

الخط الأول هو خط المال والتكنولوجيا والقوة العسكرية.

يمتد من الهند، بما تمثله من صعود اقتصادي وسكاني واستراتيجي، إلى الإمارات، بما تملكه من بنية مالية ولوجستية وموانئ واستثمارات، وصولًا إلى إسرائيل، بما تملكه من تفوق تكنولوجي وعسكري واستخباري، ومن خلفها الدعم الأمريكي والغربي.

هذا الخط هو الامتداد الطبيعي لفكرة الممرات الكبرى: التجارة، والطاقة، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والموانئ، وسلاسل الإمداد. وهو يقوم على فرضية أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد منطقة حروب، بل عقدة اتصال بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وفي هذا الخط تبدو إسرائيل عنصرًا مركزيًا، لا لأنها قادرة على قيادة الإقليم، بل لأنها تمتلك ما يحتاجه هذا المشروع من قوة عسكرية مفرطة وتكنولوجيا ودعم أميركي. كما تبدو الإمارات لاعبًا أساسيًا لأنها تحولت إلى منصة مالية ولوجستية قادرة على ربط الهند بالخليج والبحر المتوسط. أما الهند، فهي تقترب من الصين صناعةً وعددًا ووظيفةً، وتطمح إلى موقع موازٍ لها في الاقتصاد العالمي وشبكات التجارة الدولية.

لكن نقطة قوة هذا الخط هي أيضًا نقطة ضعفه. فهو يمتلك المال والسلاح والتكنولوجيا، لكنه لا يمتلك الشرعية الإقليمية الكافية. ولا يستطيع أن يتحول إلى نظام مستقر إذا بقي قائمًا على تجاوز قضايا المنطقة الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين، أو على التعامل مع الأمن بوصفه وظيفة عسكرية فقط.

فالاقتصاد يحتاج إلى استقرار، والممرات تحتاج إلى بيئة آمنة، والاستثمارات تحتاج إلى قبول سياسي. وهنا يبدأ دور الخط الثاني.

خط التوازن والاستقطاب

في مقابل خط الاقتصاد والقوة، يتشكل خط آخر أكثر تعقيدًا، يمتد من باكستان إلى السعودية وتركيا ومصر.

هذا الخط لا يملك بالضرورة الكثافة المالية والتكنولوجية نفسها التي يملكها الخط الأول، لكنه يمتلك شيئًا آخر: العمق السكاني، والشرعية الإسلامية والعربية، والقدرة على التواصل مع قوى متباعدة، من الخليج إلى إيران، ومن سوريا إلى العراق، ومن آسيا الوسطى إلى شرق المتوسط.

السعودية تمنحه الثقل العربي والإسلامي والمالي. وتركيا تمنحه العمق الجيوسياسي والعسكري والصناعي. ومصر تمنحه الوزن العربي التاريخي والجغرافي، ومفتاح البحر الأحمر وقناة السويس. أما باكستان فتمنحه بعدًا نوويًا وإسلاميًا وآسيويًا لا يمكن تجاهله.

أهمية هذا الخط أنه لا يقوم على مواجهة مباشرة مع الخط الأول، ولا على عداء تلقائي لإسرائيل، بل على منع احتكار الإقليم من قبل قوة واحدة أو شبكة واحدة. وظيفته ليست إسقاط الممرات الاقتصادية، بل منعها من التحول إلى هندسة سياسية تُفرض على المنطقة من خارج توازناتها الطبيعية.

ولهذا يمتلك هذا الخط قدرة أكبر على الاستقطاب. فإيران، رغم خصوماتها مع بعض أطرافه، قد تجد فيه مجالًا للتفاوض لا للاستبعاد. وسوريا والعراق قد يجدان فيه فرصة للعودة إلى النظام الإقليمي بدل البقاء في هامشه. وحتى دول عربية أخرى قد تراه إطارًا أكثر اتساعًا من الاصطفافات الحادة التي حكمت المنطقة خلال العقدين الماضيين.

اتفقت الدول الأربع على ثلاثة مبادئ. أولها، رفض أي هيمنة منفردة على الشرق الأدنى والأوسط والأقصى، بما يعني مواجهة محاولات الهيمنة الإسرائيلية الصاعدة، وفي الوقت نفسه رفض عودة إيران إلى مشروع الهيمنة الإقليمية الذي تعرض خلال الحرب لضربات كبيرة.

وثانيها، رفض الاحتلالات، بما يعني بصورة مباشرة الاحتلال الإسرائيلي، والعودة إلى المبادرة العربية للسلام لعام 2002، أو إلى مسار سياسي موثوق يقود إلى قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.

أما العنوان الثالث، فهو إنهاء دور الأدوات المسلحة غير الدولاتية، من الأذرع العسكرية في لبنان واليمن والسودان وليبيا، وصولًا إلى مختلف ساحات الإقليم، بما يعيد للدول وحدها حق امتلاك السلاح وقرار الحرب والسلم.

لماذا ترعى واشنطن الخطين؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذين الخطين متناقضان، لكن المفارقة أن كليهما يتحرك، بدرجات مختلفة، تحت المظلة الأمريكية ويطلب رعايتها.

فالولايات المتحدة لم تعد تمتلك الرغبة، وربما القدرة، على إدارة الشرق الأوسط بالطريقة التي فعلتها بعد نهاية الحرب الباردة. كما أنها لا تريد ترك فراغ تملؤه الصين أو روسيا أو قوى إقليمية متنافسة.

ولذلك، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا تقوم على بناء محور واحد مهيمن، بل على إدارة شبكة من التوازنات.

فالخط الأول يوفر لواشنطن ما تحتاجه من شراكات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية، ويعزز مشاريع الربط التجاري بين آسيا وأوروبا، ويحد من النفوذ الصيني في الممرات البحرية وسلاسل الإمداد.

أما الخط الثاني، فيؤدي وظيفة مختلفة لا تقل أهمية، إذ يساهم في احتواء الأزمات الإقليمية، ومنع الانزلاق إلى حروب واسعة، وفتح قنوات حوار مع قوى يصعب تجاهلها، وفي مقدمتها إيران، من دون التخلي عن الشراكات التقليدية مع دول الخليج وتركيا ومصر.

بعبارة أخرى، لم تعد واشنطن تريد أن تدير الشرق الأوسط بنفسها، بل أن تدير القوى التي تديره.

وربما تكون هذه هي السمة الأبرز للمرحلة الجديدة: انتقال الولايات المتحدة من دور اللاعب المباشر إلى دور المهندس الذي يضع قواعد اللعبة، ويدير توازناتها ويمنع انهيارها، من دون أن يكون حاضرًا في كل تفصيل.

أين تقف إسرائيل؟

ضمن هذا المشهد، تبدو إسرائيل المستفيد الأكبر من الخط الأول نظريًا، لكنها ليست قادرة حتى الآن على تسييل هذه الاستفادة سياسيًا.

فقد أثبتت الحرب، مهما كانت نتائجها العسكرية، أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لبناء نظام إقليمي مستقر، وأن الردع لا يحل محل السياسة، كما أن القوة لا تنتج بالضرورة شرعية.

ولهذا تحتاج إسرائيل إلى شرعية دولية وقبول إقليمي كي يتحول تفوقها العسكري والتكنولوجي إلى مكاسب استراتيجية مستدامة. فالممرات التجارية لا تعمل في بيئة مضطربة، والاستثمارات لا تزدهر وسط الحروب، وأي مشروع اقتصادي عابر للحدود يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي.

لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى: هل تستطيع إسرائيل أن تكون جزءًا من نظام إقليمي لا تكون فيه القوة الوحيدة، ولا المرجعية الوحيدة؟

هذا السؤال، أكثر من أي معركة عسكرية، قد يحدد موقعها في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل.

أين يقف لبنان؟

قد يبدو لبنان، بحكم أزماته الداخلية، بعيدًا عن هذه التحولات الكبرى، لكنه في الواقع يقع عند تقاطعها.

فإذا نجح في استعادة مؤسسات الدولة، واحتكار قرار الحرب والسلم، وإطلاق إصلاحاته الاقتصادية، يستطيع أن يتحول إلى مساحة تواصل ومصالح، مستفيدًا من موقعه الجغرافي، وعلاقاته العربية، وانفتاحه على الغرب، وطاقاته البشرية.

لكن مصلحة لبنان الاستراتيجية تذهب أيضًا إلى حيث تتوافر البنى التحتية والممرات التي يمكن أن تعيد ربطه بمحيطه: خط كركوك–بانياس–طرابلس، وسكك الحديد، والمرافئ، والمطارات، وشبكات الطاقة، والتجارة. وهذا يعني أن مصلحة لبنان تقتضي إعادة وصل اقتصاده بسوريا والعراق والعمق العربي شرقًا، وبالبحر المتوسط والأسواق العالمية غربًا، بحيث يستعيد وظيفته كصلة وصل لا كساحة مواجهة.

أما إذا بقي ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، فسيكون عرضة لأن يتحول مرة أخرى إلى ميدان تنافس بين المشاريع المختلفة، بدل أن يكون شريكًا في أحدها.

ولهذا، فإن مستقبل لبنان لن يتحدد فقط بمصير سلاح أو باتفاق حدود، بل بقدرته على قراءة التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل المنطقة، والتموضع فيها بوصفه دولة، لا ساحة.

نظام جديد… أم مرحلة انتقالية؟

قد يكون من المبكر الحديث عن نظام إقليمي جديد مكتمل المعالم، لكن من الواضح أن النظام الذي نشأ بعد نهاية الحرب الباردة يقترب من نهايته.

فالشرق الأوسط لا يتجه إلى هيمنة قوة واحدة، ولا إلى انقسام حاد بين محورين متواجهين، بل إلى شبكة أكثر تعقيدًا من المصالح والتوازنات، تتداخل فيها المنافسة مع التعاون، والاقتصاد مع الأمن، والردع مع الدبلوماسية.

ولعل هذا هو الإرث الحقيقي للحرب الأخيرة.

فهي لم تغيّر خرائط السيطرة العسكرية فحسب، بل دفعت جميع اللاعبين إلى مراجعة أدوارهم: إسرائيل تراجع حدود القوة، والولايات المتحدة تعيد تعريف قيادتها، وأوروبا تعيد النظر في علاقتها بإسرائيل، فيما تبحث القوى الإقليمية عن موقعها داخل معادلة جديدة لم تكتمل بعد.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح هذان الخطان في إنتاج توازن مستقر، أم يتحولان مع الوقت إلى مصدر تنافس جديد؟

الإجابة لم تُحسم بعد.لكن المؤكد أن الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم لن يشبه الشرق الأوسط الذي عرفناه خلال العقود الماضية، وأن الصراع في السنوات المقبلة لن يكون على رسم الحدود فحسب، بل على رسم قواعد النظام الإقليمي نفسه.

خلدون الشريف / المدن

إرسال التعليق

You May Have Missed