اليوم أعلنت إسرائيل رسميًّا وصراحة استراتيجيتها لابتلاع الجنوب. وجاءت تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس حول إقامة منطقة عازلة حتى نهر الليطاني، ومنع 600 ألف لبناني من العودة، وتدمير المنازل الحدودية كافة، بمثابة إعلان عن “نكبة” عربية جديدة، جغرافية وديموغرافية، تهدد بابتلاع ما بين 10% و20% من مساحة الـ10452 كلم2.
كل هذا فيما لبنان بشقيه، القيادي والرسمي مصاب بإرباك وشلل. ومن المحتمل أن يكون الملف اللبناني محور جلسة لمجلس الأمن، يمكن أن تعقد اليوم، فيما تتسلط الأنظار على الرسالة التي جرى تسريبها اليوم، والتي جرى تقديمها إلى المجلس في 3 آذار، وفيها يصنّف الجناح العسكريّ لـ”حزب الله” خارجًا عن القانون. وهذه الرسالة جاءت بعد يومٍ واحد من جلسة للحكومة. وقبل يومين من الآن، أعادت بعثة لبنان لدى الأمم المتحدة تذكير مجلس الأمن بهذا الموقف.
فهذا التطوّر ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل يحمل دلالةً سياسيةً واضحة، وهي إعادة تأكيد القرار وتثبيته، ما يوفّر غطاءً قانونيًّا وسياسيًا لأيّ مقاربةٍ يعتمدها مجلس الأمن لاحقًا. وبالمعنى السياسي المباشر، إنّ ذلك يوازي سحب الغطاء الرسميّ اللبنانيّ عن أيّ نشاطٍ عسكريٍّ أو أمنيٍّ للحزب أمام المجتمع الدوليّ.
وهنا تتكشّف مفارقة الدولة اللبنانية بشكل فاقع: فمن جهةٍ، هي تُعيد التأكيد أمام الخارج على مرجعية الشرعية الدولية وعلى أن العمل العسكري للحزب بات غير شرعي ومخالفاً للقانون، ومن جهةٍ أخرى، هي تعجز عن ترجمة هذا الموقف في الداخل بأي شكل من الأشكال حتى الآن.
نتنياهو: لبنان ليس مشمولاً بالاتفاق
في هذا المناخ، يمضي الإسرائيليون في الإمساك بالجنوب. وما لم يعلنه كاتس أكمله بنيامين نتنياهو بالقول: حتى في حال التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران، سنضمن ألّا يشمل الاتفاق لبنان. وإنّ أيّ قرار في هذا الشأن، إذا تمّ اتخاذه، يجب أن يكون نابعًا من قرارٍ إسرائيليٍّ مستقلٍّ وفي التوقيت الذي تراه مناسبًا. بهذا المعنى، لم تعد إسرائيل تُخفي مشروعها، بل أعلنت بوضوح أنّ الجنوب اللبناني دخل مرحلة الاستهداف المفتوح، أرضًا وسكّانًا وحدودًا ووظيفةً سياسية.
وقال نتنياهو أيضًا: “أوعزتُ بتجنّب إرسال جنودنا إلى منازل في جنوب لبنان، واستخدام الذخائر والآليات الهندسية لتقليل الخسائر المؤلمة”. وهذا التصريح لا يكشف فقط عن تكتيكٍ عسكريٍّ يقوم على الأرض المحروقة، بل يشي أيضًا بنيّة تدميرٍ منهجيٍّ للقرى والبلدات الحدودية، بما يجعل العودة إليها لاحقًا أقرب إلى مشروع إعمارٍ بعد اقتلاعٍ شامل، لا إلى عودةٍ طبيعيةٍ بعد وقف نار.
ما تقوله تل أبيب اليوم ليس تهديدًا عابرًا، بل إعلانُ سياسةٍ متكاملة. فحين يتحدّث كاتس عن منطقةٍ عازلةٍ حتى الليطاني، وحين يربط عودة مئات الآلاف من اللبنانيين بما تسمّيه إسرائيل “ضمان أمن الشمال”، فإنّ المعنى الفعليّ هو فرض وقائع جديدة على الأرض اللبنانية، تتجاوز منطق العمليات العسكرية المؤقّتة إلى منطق إعادة رسم الخرائط.
هذا التحوّل لا يستهدف فقط الشريط الحدودي، بل يفتح الباب أمام تغييرٍ جغرافيٍّ وديموغرافيٍّ عميق، قد يفضي إلى إفراغ مساحات واسعة من الجنوب من سكّانها، وتحويلها إلى منطقة أمنية فعلية، ولو من دون إعلان ضمٍّ رسمي. هنا بالضبط تكمن النكبة الجديدة: ليست مجرّد احتلال أرض، بل منع ناسٍ من العودة إليها، وتدمير بيوتهم، وإعادة تعريف وظيفة المكان بما يخدم الأمن الإسرائيلي لا السيادة اللبنانية.
والأخطر أنّ كاتس لم يكتفِ بالإعلان عن منطقةٍ عازلة، بل تحدّث بصراحة عن تدمير كلّ المنازل المقابلة للحدود، وعن “تغيير الوضع على حدودنا مع لبنان مرّةً واحدةً وإلى الأبد”. هذا ليس خطاب ردع، بل بيان تأسيسيّ لمرحلةٍ جديدة، عنوانها: جنوبٌ منزوع الحياة، ومعلّقٌ على شروط الاحتلال.
بين رهان الحزب وعجز الدولة
أمام هذا التحوّل الوجودي جنوبًا، يبرز السؤال الجوهري: ماذا يفعل لبنان الرسميّ والسياسيّ؟
الواقع أنّ البلاد تبدو أسيرة مسارين متوازيين، وكلاهما يقود إلى الفراغ. المسار الأوّل هو رهان “حزب الله” على تسويةٍ كبرى بين طهران وواشنطن، ضمن حسابات “وحدة الساحات”، بما يوحي أنّ الجبهة اللبنانية ليست سوى ورقةٍ في تفاوضٍ إقليميٍّ أوسع. أمّا المسار الثاني، فهو استسلام الدولة وتخلّيها عن مهامها الطبيعية، وتحولها إلى مجرّد “عدّاد” للضحايا ومراكز الإيواء، لا إلى سلطة قرارٍ وسيادةٍ ومبادرة.
بين هذين المسارين، يقف لبنان في مربّع الانتظار. لا قرار حربٍ عند الدولة، ولا قرار سلمٍ فعليًّا في يدها، ولا مبادرة سياسية قادرة على كسر المسار الانحداري. وهكذا، بينما تعمل الآلة العسكرية الإسرائيلية على “تغيير الوضع مرّةً واحدةً وإلى الأبد”، يغرق لبنان في تصدّعاته الداخلية، عاجزًا عن إنتاج موقفٍ وطنيٍّ جامع، أو صياغة خطّة إنقاذٍ جدّية.
“الدولة العدّاد”: سلطةٌ تُحصي ولا تفعل
ليست المشكلة فقط في ضعف الدولة، بل في طبيعة الدور الذي ارتضته لنفسها. فبدل أن تكون دولة مواجهةٍ دبلوماسية وسياسية وقانونية، تتحرّك لوقف الجريمة ومنع تثبيت الاحتلال، تبدو كأنّها جهاز إحصاءٍ إداريٍّ: تعدّ القتلى، ترصد النازحين، تفتح مراكز الإيواء، وتنتظر المساعدات.
هذه “الدولة العدّاد” لا تمنع النكبة، بل تتكيّف معها. وهي، في جوهرها، دولةُ إدارة خسائر لا دولةُ حماية وطن. والخطورة هنا أنّ الصمت اللبناني المطبق حيال منع 600 ألف مواطن من العودة إلى قراهم لا يمكن قراءته باعتباره مجرّد عجز، بل يتحوّل عمليًّا إلى قبولٍ ضمنيٍّ بتبديلٍ ديموغرافيٍّ وجغرافيٍّ سيُغيّر وجه لبنان السياسيّ والاجتماعيّ.
حين تصمت السلطة على اقتلاع هذا الحجم من السكّان، وتكتفي ببياناتٍ عموميةٍ عن “ضرورة التهدئة”، فإنّها تساهم، عن قصدٍ أو عن عجز، في منح إسرائيل الوقت اللازم لتحويل الجريمة إلى واقعٍ دائم.
الليطاني: من نهرٍ لبنانيّ إلى حدٍّ أمنيٍّ إسرائيليّ؟
المسألة لم تعد متعلّقةً بعملياتٍ عسكريةٍ موضعية، بل بخطر تحويل الليطاني إلى خطٍّ أمنيٍّ دائم، أي إلى حدودٍ غير معلنةٍ للاحتلال. وهذا السيناريو، إذا تُرك يتقدّم، لن يتوقّف بالضرورة عند الليطاني، إذ إنّ منطق التدرّج الإسرائيليّ في فرض الوقائع قد يفتح الباب لاحقًا على ما هو أبعد، وصولًا إلى الزهراني أو إلى أيّ خطٍّ تراه تل أبيب ملائمًا لأمنها.
من هنا، فإنّ ما يواجهه لبنان اليوم ليس فقط خطر خسارة أرض، بل خطر خسارة تعريفه السياديّ نفسه. لأنّ السيادة لا تُقاس فقط بوجود علمٍ على الخريطة، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وحدودها ومنع اقتلاعهم. وإذا أصبح الجنوب مساحةً مفتوحةً للتدمير والمنع والفرز السكّاني، فإنّ ما يتبقّى من السيادة سيكون، في أحسن الأحوال، سيادةً نسبية.
القرار 1701: الفرصة الأخيرة قبل تثبيت الكارثة
في قلب هذا المشهد، لا يزال القرار 1701 يمثّل الإطار الدوليّ الوحيد القابل للبناء عليه، شرط أن يُنفَّذ بحذافيره، لا انتقائيًا ولا دعائيًا. فلبنان يحتاج اليوم إلى مبادرةٍ سياسيةٍ عاجلة، لا إلى تكرار المواقف التقليدية، مبادرةٍ تنطلق من تثبيت حقّه الكامل في أرضه وحدوده، وتطالب بتطبيق القرار كاملًا، بما يمنع تحويل الجنوب إلى منطقة ابتزازٍ دائم أو إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لحروب الآخرين.
المطلوب ليس خطابًا خشبيًّا جديدًا، بل انتقال الدولة من دور المتلقّي إلى دور المبادر: حشد ضغطٍ دوليٍّ فعليّ، استنفارٌ دبلوماسيّ واسع، توظيفٌ قانونيّ لكلّ ما يصدر عن المسؤولين الإسرائيليين من مواقف علنية تدينهم، وربط أيّ تفاوضٍ أو مسارٍ سياسيٍّ بعودة الأهالي غير المشروطة إلى قراهم، ورفض أيّ صيغةٍ تُضفي شرعيةً على المنطقة العازلة أو على الاحتلال المقنّع.
نتنياهو وكاتس: خطاب الاقتلاع لا الردع
وفي التفاصيل، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ “الخط الأصفر” الذي حدّده الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان سيؤدّي إلى إبعاد الصواريخ المضادّة للدروع عن البلدات الإسرائيلية، مشيرًا إلى العمل على إنشاء “أحزمةٍ أمنيةٍ واسعة” وتطهير ما وصفها بـ”قرى الإرهاب” في المنطقة.
كما شدّد على تجنّب إرسال الجنود إلى المنازل في جنوب لبنان، والاعتماد بدلًا من ذلك على الذخائر والآليات الهندسية، بهدف تقليل الخسائر في صفوف القوات الإسرائيلية. أمّا سياسيًا، فأكّد أنّ أيّ وقفٍ لإطلاق النار في لبنان يجب أن يكون “قرارًا مستقلًا من إسرائيل”، وأنّ تل أبيب تعمل على ضمان عدم فرض وقف نارٍ عليها في لبنان إذا تمّ التوصّل إلى اتفاق تهدئة في جبهةٍ أخرى.
ومن جهته، صعّد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديداته، متحدثًا عن إقامة منطقةٍ عازلةٍ في جنوب لبنان مع إبقاء السيطرة الكاملة حتى نهر الليطاني، إلى حين تحقيق ما سمّاه أمن المستوطنات الشمالية. وادّعى أنّ “600 ألف” من سكان جنوب لبنان الذين جرى إجلاؤهم لن يتمكّنوا من العودة قبل ضمان سلامة سكان شمال إسرائيل، مضيفًا أنّ الجيش سينتشر في منطقةٍ أمنيةٍ داخل لبنان مع انتهاء العملية.
والأوضح في كلام كاتس كان إعلانه نية تدمير كلّ المنازل المقابلة للحدود، والعمل على “تغيير الوضع” نهائيًا، مع تشبيه النموذج الذي تعمل عليه إسرائيل في لبنان بما هو قائمٌ في سوريا وقطاع غزّة. وهذه المقارنة تكفي وحدها لفهم طبيعة المشروع المطروح: إدارة منطقةٍ منكوبةٍ بالقوّة، لا معالجة تهديدٍ أمنيٍّ عابر.
تناقض الخطاب الإسرائيلي: لا حزامًا أمنيًا، ولكن…
في المقابل، حاول الجيش الإسرائيلي تخفيف وقع الموقف السياسي، معلنًا أنّ الهدف ليس تدمير جميع القرى اللبنانية الحدودية، بل “تطهيرها” واستهداف بنى “حزب الله” التحتية، مع التأكيد أنّه لا نيّة للعودة إلى الحزام الأمني في لبنان.
غير أنّ هذا النفي لا يصمد أمام الوقائع المعلنة. فحين تتحدّث القيادة السياسية عن منطقةٍ عازلة، ومنعٍ للعودة، وتدميرٍ للمنازل، وبقاءٍ طويلٍ جنوب الليطاني، فإنّ الاسم يصبح تفصيلًا. قد لا تسمّي إسرائيل ما تفعله “حزامًا أمنيًا”، لكنّها تبني عمليًّا نسخةً جديدةً منه، أكثر مرونةً في الشكل، وأشدّ قسوةً في المضمون.
عون وباريس: دعمٌ سياسيٌّ وعسكريٌّ، لكنّه غير كافٍ
في المقلب اللبناني الرسميّ، أكّد رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال استقباله الوزيرة المفوّضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو، أنّ لبنان يرحّب بالدعم الذي يقدّمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمساعدة بيروت في مواجهة التصعيد الإسرائيلي المستمرّ، وللوصول إلى وقف إطلاق النار وبدء مفاوضاتٍ وفق المبادرة التفاوضية التي أُعلنت قبل أيّام.
وشدّد عون على أنّ الحرب لن تؤدّي إلى أيّ نتيجةٍ عمليّة، بل ستزيد من معاناة الشعب اللبناني، فيما يبقى التفاوض الحلّ الوحيد القادر على إعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة. وقال إنّ إسرائيل لا تزال ترفض التجاوب مع الدعوات اللبنانية والعربية والدولية لوقف حربها على لبنان وبدء مفاوضاتٍ تضمن سيادته على كامل أراضيه، ولا سيّما في الجنوب حتى الحدود الدولية، وتمكّن الجيش اللبناني من إعادة الانتشار وبسط سلطة الدولة بقواها العسكرية الشرعية.
وأضاف أنّ لبنان يرحّب بالرغبة التي أبدتها دولٌ أوروبية وغير أوروبية في الإبقاء على قواتٍ لها في الجنوب، بعد استكمال انسحاب قوات “اليونيفيل” مع نهاية عام 2027.
أمّا باريس، فثبّتت التزامها السياسيّ والميدانيّ. فقد شكَر رئيس الجمهورية فرنسا، رئيسًا وحكومةً وشعبًا، على دعمها المستمرّ للبنان، ولا سيّما عبر الآليات والمعدّات العسكرية التي وصلت إلى مرفأ بيروت لتعزيز قدرات الجيش اللبناني. ومن جانبها، نقلت روفو إلى الرئيس عون تحيّات الرئيس ماكرون وتأكيده دعم لبنان في الظروف الصعبة التي يمرّ بها، ووقوفه إلى جانب رئيس الجمهورية في مواقفه، ولا سيّما المبادرة التفاوضية وقرارات الحكومة اللبنانية.
المشهد، في خلاصته، شديد الوضوح: إسرائيل تُعلن مشروعها، وتنفّذه بالنار، وتُمهّد له سياسيًا وأمنيًا ودبلوماسيًا. أمّا لبنان، فلا يزال موزّعًا بين سلطةٍ عاجزة، وقوةٍ تتصرّف ضمن حساباتٍ إقليمية، ومجتمعٍ يُدفع إلى دفع الثمن مرّةً جديدة.
المسألة لم تعد تحتمل اللغة الخشبية ولا إدارة الوقت الضائع. الجنوب أمام خطر اقتلاعٍ فعليّ، والدولة أمام امتحان وجوديّ: إمّا أن تستعيد وظيفتها كسلطة سيادةٍ وقرارٍ ومبادرة، وإمّا أن تُسجَّل عليها، بالصمت والعجز، واحدةٌ من أخطر النكبات العربية الجديدة.
وإذا لم ينتفض العقل السياسي اللبناني على هذا الواقع، فإنّ الليطاني، أو ربما ما بعد الليطاني، لن يكون مجرّد خطّ نار، بل الجدار الذي يفصل لبنان عمّا تبقّى من سيادته الوطنية. عندها، لن يكون السؤال كيف خسر لبنان جنوبه، بل كيف قَبِل، بصمته وانقسامه، أن يُعاد رسمه على قياس الأمن الإسرائيلي.