الرئيس عون: جهودنا مستمرة ليشمل السلم الإقليمي لبنان

رحب رئيس الجمهورية بالإعلان الأميركي الإيراني عن وقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً. ونوّه بمساعي جميع الأطراف الذين ساهموا في التوصل إلى هذا الاتفاق، خصوصاً جهود كل من باكستان ومصر وتركيا. كما أمل في أن يكون هذا الإعلان خطوة أولى نحو اتفاق نهائي وشامل لمختلف القضايا التي تشكل عوامل تفجير لمنطقتنا. بما يصون سيادة كل دولة من دولها. وذلك على قاعدة أن العنف ليس الوسيلة الناجعة لحل المشاكل بين الدول . وأن غاية الأنظمة والحكومات هي تحقيق خير شعوبها في الحياة الحرة الكريمة، لا سوقها إلى الموت العبثي والمجاني.

وأكد الرئيس استمرار جهود الدولة اللبنانية، ليشمل السلم الإقليمي لبنان، بشكل ثابت ودائم. وفق المسلمات التي  أجمع عليها اللبنانيون، لجهة سيادة دولتهم الكاملة على كل أراضيها وتحريرها من أي وجود محتل، وحصر حق الحرب والسلم واستخدام القوة الشرعية، في أيدي مؤسساتها الدستورية دون سواها.

وهو ما يشكل مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها، في أي تفاوض لتحقيق المصلحة اللبنانية العامة.

برّي اتصل بالسفير الباكستاني: نشكر جهود حكومتكم لوقف النار

أجرى رئيس مجلس النواب نبيه برّي اتصالًا بالسفير الباكستاني لدى لبنان سلمان أطهر، أثنى فيه على جهود الحكومة الباكستانية والمساعي التي أدّت إلى وقف النار على مستوى المنطقة، طالبًا منه نقل الوقائع بعدم التزام إسرائيل بالاتفاق ومواصلة عدوانها على لبنان وخصوصًا في الجنوب.

الهدنة الأميركية – الإيرانية: هل دخلنا مرحلة “التبريد” أم هو هدوء ما قبل العاصفة؟

رئيس حزب الاتحاد السرياني العالمي إبراهيم مراد

في ضوء التطورات الأخيرة والإعلان عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز الحاجة الملحة لقراءة الحدث ضمن سياقه الاستراتيجي الأشمل. إن ما جرى لا يندرج في إطار تسوية نهائية، بل هو نموذج كلاسيكي من “إدارة الصراع” عبر التهدئة المؤقتة، حيث يسعى كل طرف إلى تجميد التصعيد لإعادة التموضع وتحسين شروط التفاوض في “إسلام آباد”.

بين المكاسب التكتيكية والرهانات الكبرى
حققت واشنطن هدفاً حيوياً بضمان تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، وهو ما نزع فتيل مواجهة عسكرية شاملة كان يلوح بها “ترامب”. وفي المقابل، تمكنت طهران من تفادي ضربات وشيكة كانت ستستهدف بناها التحتية، محاولةً تسويق هذه الهدنة داخلياً كـ “انتصار تاريخي”. غير أن التدقيق في الوقائع يشير إلى أنها “استراحة محارب”؛ فإيران تريد التقاط الأنفاس لمنع كارثة اقتصادية، وترامب يريد نصراً دبلوماسياً يجنبه حرباً إقليمية كبرى تؤثر على استقرار الأسواق العالمية.

لبنان: الساحة المستثناة من التبريد
وهنا يبرز بيت القصيد؛ ففي حين يتحدث العالم عن “التبريد”، نجد أن الساحة اللبنانية بقيت خارج هذه التفاهمات. إن إصرار إسرائيل على استكمال عملياتها العسكرية ضد “أذرع إيران” في لبنان، يؤكد أن لبنان لا يزال يُستخدم كساحة لتصريف الاحتقان الإقليمي. هذه “الهدنة المنقوصة” تثير مخاوفنا من أن تُمنح طهران وقتاً مستقطعاً لإعادة ترتيب صفوف حلفائها، بينما يظل لبنان في عين العاصفة، مكشوفاً أمام خطر الانفجار الشامل الذي لم تلغِه الهدنة، بل ربما أجلته أو نقلت ثقله إلى جبهتنا الشمالية.

سيناريوهات المخاض العسير
إننا أمام مفترق طرق سيحدد وجه المنطقة للأشهر القادمة، حيث تبرز ثلاثة مسارات لا رابع لها:

أولاً: نجاح هش: يفضي إلى اتفاق تقني يركز على الملاحة ويترك القنابل الموقوتة (النووي والصواريخ الباليستية) دون حل.

ثانياً: انفجار وشيك: انهيار الهدنة عند أول اختبار جدي أو تحرك إيراني مريب، مما يعيد الجميع إلى المربع الأول.

ثالثاً: الضربة الاستباقية: لجوء إسرائيل لخيار عسكري منفرد إذا شعرت أن هذه الهدنة هي مجرد غطاء إيراني لتجاوز “الخطوط الحمراء” النووية.

الخلاصة:
إننا لسنا أمام سلام، بل أمام “توزيع جديد للأدوار”. المفاوضات القادمة في إسلام آباد لن تكون مجرد نقاش تقني، بل حلبة لفرض الإرادات. وحتى تتضح النتائج، سيبقى الردع الهش هو الحاكم الفعلي للميدان، وسيبقى حذرنا واجباً تجاه أي صفقة قد تتم على حساب سيادة الدول وأمن الشعوب التي ترفض الارتهان للمشاريع العابرة للحدود.

بعد اتفاق وقف النار… هذا ما طلبه بري

أجرى رئيس مجلس النواب نبيه بري اتصالاً بالسفير الباكستاني لدى لبنان سلمان أطهر، أثنى فيه على جهود الحكومة الباكستانية والمساعي التي أدت لوقف النار على مستوى المنطقة، طالباً منه نقل الوقائع بعدم التزام إسرائيل بالاتفاق ومواصلة عدوانها على لبنان وخاصة في الجنوب.

الحرب إذ تفكّك منطقتنا والعالم وتعيد تركيبهما

في واحد من وجوهها تقوم لعبة البازل على تفكيك الأشياء أو الأنظمة ثمّ إعادة تركيبها. والعالم اليوم، منظوراً إليه من مسرح الحرب ومن ضفافه، يبدو هكذا.

ففضلاً عن التحوّلات الاقتصاديّة التي قد تستجرّها الحرب، في أوروبا كما في أميركا والشرق الأوسط، خصوصاً ما ترتّبه أسعار الطاقة، فضلاً عن أكلاف الحرب نفسها، وإلى جانب دور صينيّ لا يزال فرز غامضه عن واضحه يشغل عقولاً كثيرة، هناك تيّارات عريضة تستعرض نفسها في «الغرب» ذاته. فحلف الناتو الذي رافقنا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، يعيش تصدّعاً غير مسبوق، سيّما بعد المساجلة الترمبيّة ضدّ أوروبا عن مضيق هرمز والمساهمة في فتحه، وهو ما تزيده تأجيجاً شخصيّة ترمب ولغته.

وهو انشطار لا تُقاس به حرب العراق في 2003، خصوصاً وأن بريطانيا وبلدان أوروبا الوسطى كانت في صفّ أميركا يومذاك، ما أعطى الأخيرة غطاء أوروبيّاً لحربها.

ويتفرّع العنوان الكبير هذا إلى عناوين يتّصل بعضها بصورة أوروبا المقبلة، سيّما وأنّ حرب أوكرانيا لا تزال تحتفظ بطاقة استنزاف هائلة، وإن حجبتها راهناً حرب إيران. ويتّصل بعض العناوين بالقوى السياسيّة والفكريّة على جانبي الأطلسيّ. فاليمين الأوروبيّ الأقصى، الذي سلّم زعامته لترمب، يعيد النظر بهذا التسليم، فيما اليمين الأميركيّ الأقصى ينقسم حول التسليم ذاته تاركاً للديمقراطيّين الأميركيّين أن يغازلوا ميولاً سبق أن عُدّت راديكاليّة في القاموس السياسيّ الأميركيّ. وإذ يعلن وزير الحرب بيت هيغسيث أنّه وجيشه يقاتلون من أجل المسيح، يردّ البابا لاوون الرابع عشر، بدون أن يسمّي الوزير الأميركيّ، بأنّ السطوة العسكريّة «غريبة تماماً عن نهج المسيح». أمّا القائلون إنّ أميركا «جُرّت إلى حرب إسرائيل» فينطلق بعضهم، لا كلّهم، من مقدّمات لاساميّة. وفي وسع خطاب كهذا، إذا أتيح له الشيوع والتوسّع، أن يعيد فتح صفحة بشعة ظُنّ أنّها طويت في الغربين الأوروبيّ والأميركيّ.

ولا يبخل العالم العربيّ بالجديد والمختلف. فلو تخيّلنا حرباً أميركيّة وإسرائيليّة على إيران، أو على أيّ بلد إسلاميّ أو «عالمثالثيّ»، في الحقبة الممتدّة بين الخمسينات والسبعينات، لكان من السهل توقّع عناوين صارخة وإجماعيّة من نوع «الجماهير العربيّة تستنكر وتشجب…». أمّا اليوم، ولأسباب عدّة، فتلك العناوين فقدت معناها، وباتت «الجماهير العربيّة» اسماً لكائن افتراضيّ.

والحال أنّ العالم العربيّ يقدّم نماذج في التعامل مع الحرب تشكّلها عناصر عدّة بينها السياسيّ والوطنيّ، وبينها المذهبيّ المؤدلج. فهناك مثلاً النموذج الخليجيّ الذي حكمه مبدأ التوسّط لحلّ النزاع وتجنّب الحرب واعتبار أنّ تفاديها أقلّ كلفة من شنّها. ورغم تعرّض الخليج لاعتداءات إيرانيّة متمادية، يبقى الثابت ما يصلّب الدولة والوطن، وما يضع مصالحهما أوّلاً. وتشارك أنظمةٌ كالمصريّ والأردنيّ الأنظمةَ الخليجيّة انهجاسها بالإبحار إلى شاطىء أمان وسط العواصف المجنونة التي تهدّد علامات الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ.

وهناك النموذج الذي يقدّمه العراق ولبنان من خلال ميليشياتهما المسلّحة. فهنا لا تُعطى الأولويّة للدول والأوطان والمصالح الذاتيّة، بل للولاءات العابرة للحدود، وما يُظنّ أنّه مصالح جماعاتها. لكنْ لئن شارك «حزب الله» في الحرب، مقيماً غرفة عمليّات مشتركة مع إيران، فالكثيرون ساورتهم أسئلة ليست قليلة الدلالة. فلماذا مثلاً كانت الطاقة الحربيّة التي استخدمها الحزب في حرب «إسناد غزّة» مجرّد جزء صغير من الطاقة التي استخدمها في حرب إسناد إيران، ومتى كانت آخر مرّة نسمع فيها، منذ اندلاع الحرب الاخيرة، بغزّة أو بفلسطين؟

والشيء نفسه يمكن قوله في «الحشد الشعبيّ» العراقيّ الذي يقيم، تيمّناً بشقيقه اللبنانيّ الأكبر، دولة موازية للدولة العراقيّة.

وهنا تقول المقارنة الكثير. ففي حرب 2023 شاركت بعض فصائل الحشد بتوجيه بعض الضربات المباشرة، لكنّها ما لبثت أن ارتدعت وأوقفتها في مطالع 2024 تجنّباً منها لـ«عواقب وخيمة» ولـ«إشعال حرب شاملة في العراق». بيد أنّها، في الحرب الراهنة، وتحت مظلّة «المقاومة الإسلاميّة في العراق»، شنّت هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعد أميركيّة بوصفها ردّاً على ضربات أميركيّة إسرائيليّة على إيران. كما وجّه الحشد قوافل إلى إيران وُصفت بأنّ مهمّاتها «إنسانيّة»، وسط تقارير متزايدة عن مشاركة الحشديّين العراقيّين في الدفاع عن إيران.

فـ«الجماهير»، هذه المرّة، نازعة للانفصال عن الأوطان ولإحلال التنازع الأهليّ بين جماعاتها. وكما لبنان، كذلك العراق، إذ الكرد العراقيّون، وهم مَن يُفترض أنّهم يشاركون الحشد مواطنيّة الوطن نفسه، يعانون ضربات الحرب التي يشنّها الحشد بحماسة. فمنطقتهم باتت تُعدّ ساحة من ساحات النزاع رغم أنّ قادة إقليم كردستان أكّدوا مراراً أنّهم لا يرغبون فيه، وأنّ ما يريدونه استقرار منطقتهم وحيادها. وهم شدّدوا، مثلهم مثل القادة الخليجيّين، على ألاّ تُستخدم أرضهم قاعدةً لشنّ هجمات على إيران.

وهذه التحوّلات في عمومها ستكون بعيدة التأثير على المنطقة والعالم، وإن كانت نهاية الحرب والشكل الذي يسم تلك النهاية، حاسمين في بلورة ذلك.

أمّا المشرق العربيّ، خصوصاً لبنان والعراق، فيُرجَّح أن يحتفظ لنفسه بالإصابات البنيويّة الأكبر والأخطر.

حازم صاغية – الشرق الاوسط

ترامب: ما يجري قد يمهد لـ”عصر ذهبي في الشرق الأوسط”

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأربعاء، إن إيران “تريد أن يتحقق السلام” بعد فترة من التصعيد، معتبراً أن “الجميع سئم من الوضع الحالي”.

وأضاف ترامب، في منشور على منصة “تروث سوشال”، أن الولايات المتحدة ستساعد في التعامل مع “ازدحام الملاحة” في مضيق هرمز، في إشارة إلى تحركات لضمان انسيابية المرور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد “إجراءات إيجابية كثيرة”، متوقعاً تحقيق مكاسب اقتصادية، ومؤكداً أن إيران يمكن أن تبدأ “عملية إعادة الإعمار”.

كما لفت إلى أن الولايات المتحدة ستعمل على تأمين الإمدادات ومراقبة الأوضاع “للتأكد من أن كل شيء يسير بشكل جيد”.

وختم ترامب بالقول إن ما يجري قد يمهد لـ”عصر ذهبي في الشرق الأوسط”.

“يوسف عبد الحق… حضورٌ لا يُختصر، وغيابٌ يوجع وطنًا كاملًا”

بقلم : كمال الساحلي

“كيفما نظرت إليه، لا يمكنك تحديده أو اختصاره!
عندما تتخيل محاصرته ضمن فكرة محددة، لن يجد كثيرًا من الصعوبة ليحلق في فضاء الإنسانية الرحبة، أو ليتكبد عناء السباحة في بحر العروبة السمحة والمنفتحة، مجدفًا ومتسلحًا بأفكار قادة كبار من بلادي!

الرفيق الحبيب يوسف عبد الحق…
وللحق خسرناك، والحزن عميق يلفنا، وخسرتك الأناقة واللياقة واللطافة…
خسرتك البسمة الآسرة والطلّة البهيّة…
خسرك الوقار والحضور الراقي والخلق الرفيع…
خسرك الولع لحد الذوبان فيما يخدم الفرد والجماعة!

كان يوسف عبد الحق شخصية فذة، جمعت بين القوة واللطف، والقدرة على التأثير…
كان رمزًا ومثالًا وقدوة في الالتزام والانفتاح…
لقد زينت ينطا، فزرعت العز في مناصيها، والورد على بيادر الشوق، والأصالة في محراب قلعتها…
لتغفوا عيناك بسلام، ولتبقى بسمتك علامة فارقة، فلا تبخل علينا…
الرحمة والمغفرة والسلام لروحك، والبقاء لله!

راشيا في ٣٠ آذار ٢٠٢٦

لبنان الرسمي آخر من يعلم والحزب تبلغ بوجود أجواء تفاوض جدية

غادة حلاوي

بين نار الميدان وضباب السياسة، يقف لبنان على حافة معادلة قاتلة: حرب مفتوحة بلا أفق، وسلطة غائبة عن لحظة تقرير المصير. في الأسبوع الخامس من المواجهة، لا تبدو الأزمة مجرد صراع عسكري، بل اختبارًا قاسيًا لميزان القوة، ولمن يملك حق التفاوض باسم البلاد، الدولة أم المقاومة.

بينما دخلت الحرب الإسرائيلية على لبنان أسبوعها الخامس، لم تنضج بعد المبادرات الدبلوماسية، ولا ما تردّد عن أفكار تسلّمها حزب الله في الأسابيع الأولى من اندلاعها. وكان اللافت طوال تلك الفترة غياب السلطة عن بعض المبادرات أو الأفكار التي طُرحت، حتى وإن لم تحقق المرجو منها. بل إن الدول التي تتحرك على خط الوساطة باتت تتوجّه مباشرة إلى حزب الله، لا إلى أركان السلطة، فيما يأخذ الحزب على السلطة رفضها استثمار ورقة المقاومة في سبيل تقوية موقفها التفاوضي.

بعد أسابيع من اندلاع الحرب، وفي ذروة التحرّك الفرنسي نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، تحرّكت قبرص على خط نقل الرسائل، حيث اجتمع وفد قبرصي مع حزب الله مستطلعًا مطالبه لوقف الحرب. ونبّه الوفد حينها إلى احتمال اندلاع حرب إسرائيلية بلا هوادة، معتبرًا أن إسرائيل تخوض حربًا مصيرية، داعيًا لبنان إلى التنبّه لذلك وتجنّبه. كما حذّر من خطورة جبهة الحدود مع سوريا في حال قررت إسرائيل فتحها. كانت الحرب في بدايتها، فاستمع حزب الله من دون أن يكون لديه ما يقوله. لاحقًا، تحرّكت مصر، التي سلّمت باعتبار الحزب أن الكلمة للميدان في هذه المرحلة.

في الأسبوع الخامس، ترنّحت المبادرات أمام تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، ومنحها مهلة تنتهي قريبًا، ما يوحي بمزيد من التصعيد في لبنان وإيران معًا. وقد شهد لبنان تصعيدًا بوتيرة عالية، ارتبط باستهداف حزب الله بارجة في عرض البحر، ما أظهر امتلاكه قدرات بحرية، بالرغم من الحديث السابق عن تدميرها. في المقابل، يعكس ردّ الفعل الإسرائيلي وعدوانه المتواصل أن الميدان لم يعد مريحًا لقواته، التي تعجز عن التوغّل وفق ما كان مخططًا، كما أظهرت وسائل إعلامها، فضلًا عن صليات الصواريخ التي تستهدف الداخل الإسرائيلي.

لا يزال حزب الله يعتبر أن للميدان كلمته الفصل في السياسة وعلى مستوى المفاوضات، مسجّلًا مآخذه على السلطة التي لم تستفد من ورقة المقاومة. وقد كان لافتًا ما قاله رئيس الجمهورية في بكركي: “لم يصلنا أي جواب حول التفاوض”، مشيرًا إلى ما سبق أن أرسله إلى حزب الله من أفكار لتجنّب عدوان إسرائيلي واسع. فردّ الحزب ضمنيًا بأن الجواب أتى عبر تسخين جبهة الجنوب.

حتى الآن، لم يزر لبنان أي طرف مبادر للحل، في ظل تسليم عام بأن المواجهات، سواء في إيران أو لبنان، خالفت التوقعات، ما يستدعي التروّي في الاستنتاجات السياسية المرتبطة بنتائج الحرب. وعُلم أن السفير الأميركي ميشال عيسى، الذي غادر لبنان، لم يتجاوب مع طلب أوساط رسمية بالتدخل للوساطة مع إسرائيل.

وتعبّر أوساط دبلوماسية غربية عن صدمتها من مسار الجبهة، التي خالفت التقديرات القائلة إن الحرب على إيران لن تستغرق سوى أيام، وأن حزب الله عاجز عن الصمود. وقد شكّل صمود إيران، إلى جانب قدرة حزب الله العسكرية، مفاجأة لعدد من الدول الغربية الحليفة لإسرائيل، بينها بريطانيا.

وتبدي هذه الأوساط خشيتها من توسّع الحرب في لبنان عبر استهدافات إضافية، وتوسيع نطاق المنطقة الأمنية التي تعتزم إسرائيل فرضها. كما تحذّر من ضغوط لدفع سوريا إلى الانخراط في الجبهة، وهو ما أشار إليه الوفد القبرصي، متحدثًا عن مساعٍ إسرائيلية في هذا الاتجاه، لولا رفض تركيا.

وتندرج ضمن الرسائل التي يتلقّاها لبنان معلومات عن نية إسرائيل تدمير شريط يتراوح بين خمسة وسبعة كيلومترات، وتحويله إلى منطقة مكشوفة يُمنع الدخول إليها بشكل مطلق.

أما في ما يتعلّق بإطالة أمد الحرب، فترى الأوساط الدبلوماسية الغربية أن المسار مرتبط بما ستؤول إليه الأوضاع في إيران، التي، بالرغم من الضغوط، لا تزال قائمة ولم يسقط نظامها. ومع ذلك، فإن ربط المسارين اللبناني والإيراني ليس محسومًا، وهو ما تسعى إليه إسرائيل ولا تعارضه الولايات المتحدة.

في المقابل، يبدو هذا الربط حتميًا في حسابات إيران، التي أكدت تلازم الجبهات من خلال الضربات المتزامنة، ومن خلال نوعية الأسلحة التي يستخدمها حزب الله، التي لم يسبق له استخدامها في مواجهات سابقة.

وتكشف الكواليس عن ضغوط متزايدة على لبنان، إذ طلبت الولايات المتحدة من السلطة اتخاذ موقف علني معادٍ لحزب الله، وهو ما يتجنبه رئيسا الجمهورية ومجلس النواب. كما طُلب من لبنان رفع سقف موقفه في الأمم المتحدة، بدل الاكتفاء بقرارات مجلس الوزراء، وهو ما جرى الالتفاف عليه عبر تخفيف لهجة كلمة ممثل لبنان في مجلس الأمن.

يتعرض لبنان لضغوط مزدوجة، بالنار والسياسة، ضمن شروط يُفترض الالتزام بها قبل أي مفاوضات، أبرزها نزع سلاح حزب الله، وتقليص حضوره السياسي والأمني، وبسط سلطة الجيش على الجنوب.

وينقسم الداخل اللبناني حيال مسار التسوية المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة إلى موقفين: الأول يمثّله حزب الله، الذي يربط المسار بطهران؛ والثاني موقف رسمي لا يرغب، في قرارة نفسه، بخروج الحزب سالمًا من الحرب، ويبدو مستعدًا للتفاوض مع إسرائيل بأي ثمن، وهو ما يُعدّ موقفًا ضعيفًا ومثيرًا للاستغراب في الأوساط الدبلوماسية.

وتتقاطع هذه المعطيات مع معلومات أُبلغ بها لبنان مؤخرًا، تفيد بأنه أمام خيارين: إما سيناريو غزة، أو الذهاب إلى تفاوض مشروط، مع تأكيد أن إسرائيل لن تنهي حربها قبل التخلص من سلاح حزب الله.

في المقابل، يؤكد حزب الله أن لبنان سيكون جزءًا من أي اتفاق، في ظل حديث عن وقف مؤقت لإطلاق النار في الشرق الأوسط، يُفضي لاحقًا إلى اتفاق نهائي. المفارقة أن لبنان الرسمي لا يبدو مطّلعًا على تفاصيل ما يجري بحثه، فيما تشير معلومات إلى أن الحزب تبلغ بوجود أجواء تفاوضية جدية، وأن دونالد ترامب يميل إلى التفاوض، خلافًا لما توحي به مواقفه الإعلامية.

الجامعات تحت ضغط الحرب: تعليم مدمج ومرونة تراعي أوضاع الطلاب

نغم ربيع

يبدو التعليم في لبنان اليوم أمام واقع استثنائي يهدّد استمراريته أكثر من أي وقت مضى. فبين صفوف أُقفلت وتحولت إلى غرف لإيواء مئات الآلاف من النازحين، وأخرى تحاول الصمود رغم المخاطر الأمنية والضبابية التي تفرضها الحرب، يواصل القطاع التربوي معركته للحفاظ على الحدّ الأدنى من العملية التعليمية. معركة يومية، يخوضها الطلاب والأساتذة والإدارات الجامعية معاً، وسط إصرار شريحة من الأهالي على متابعة تعليم أبنائهم، مقابل عجز آخرين عن ذلك بفعل النزوح والظروف المعيشية القاسية.

هذه ليست المرّة الأولى التي يُدفع فيها الطلاب إلى التعليم من خلف الشاشات. فمنذ سنوات، اعتادوا الانتقال القسري إلى التعليم عن بُعد، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالأزمات الاقتصادية والأمنية المتلاحقة، وصولاً إلى الحرب الحالية التي أعادت فرض هذا الخيار مجدداً، ولكن هذه المرّة في ظروف أكثر هشاشة وتعقيداً.

الجامعة اللبنانية الأكثر تضرراً

في الجامعة اللبنانية، حيث تقع بعض الكليات والفروع في مناطق تشهد استهدافات اسرائيلية مباشرة، أو تحوّلت مبانيها إلى مراكز إيواء للنازحين، قررت الإدارة اعتماد التعليم عن بُعد في مختلف الوحدات والفروع والمراكز. كما تم تأجيل الانتخابات الطلابية إلى موعد لاحق، في ظلّ تعذّر تنظيمها في الظروف الحالية.

هذا القرار، وإن كان ضرورياً، يعكس حجم الضغط الذي يعيشه التعليم الرسمي تحديداً، باعتباره الأكثر التصاقاً بالجغرافيا المتأثرة بالحرب، والأكثر استقبالاً للطلاب النازحين من مختلف المناطق.

تقول لمى منصور، طالبة في فرع الحدث: “في هذه الظروف لم يعد لدينا سوى التعليم لنتمسّك به. قد يكون كلّ شيء من حولنا يتغيّر، لكن دراستنا لا تزال الشيء الوحيد الذي يجب أن نستمرّ فيه”.

التعليم الحضوري كحاجة اجتماعية أيضاً

ينقسم الطلاب اليوم بين من يرى في التعليم الحضوري ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لما يوفّره من تفاعل مباشر مع الأساتذة وزملاء الدراسة، وبين من بات يتعامل مع التعليم عن بُعد كخيار عملي فرضته النكبات المتلاحقة، مستفيداً من مرونته في ظلّ صعوبة التنقّل والظروف الأمنية والضغوط المعيشية.

بالنسبة إلى كثير من الطلاب، لا يقتصر التعليم الحضوري على البعد الأكاديمي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى كونه مساحة حياة يومية تُستعاد فيها العلاقات الاجتماعية والإيقاع الطبيعي للجامعة، بما تمثّله من لقاءات ونقاشات وتجارب مشتركة تشكّل جزءاً أساسياً من التجربة الجامعية نفسها، لا مجرد تفصيل مكمّل لها. 

يقول آدم ضناوي، وهو طالب في الجامعة اللبنانية الدولية، إن “التعليم الحضوري يبقى الأفضل، لكن حتى في التعليم الأونلاين تحاول الجامعة ضبط العملية التعليمية، والجميع يحاول المشاركة قدر الإمكان مع وجود تفهّم واضح من الإدارة والأساتذة”.

ترك حرية الخيار للطلاب

لجأت الجامعات الخاصة إلى نظام تعليم مدمج مراعاة لوضع الطلاب النازحين وبسبب المخاوف الأمنية. في جامعة القديس يوسف جرى اعتماد نظام التعليم المدمج، فتترك حرية الخيار للطلاب بين الحضور أو متابعة الدروس عن بُعد، مع الأخذ في الاعتبار أوضاع الطلاب النازحين. وقد طلبت الجامعة من الطلاب إبلاغ إداراتهم الأكاديمية في حال النزوح، لتسهيل متابعتهم الدراسية.

لكن رغم المرونة في التدريس، تبقى الامتحانات حضورية، نظراً لعدم وجود إطار قانوني يسمح بإجرائها عن بُعد، وللحفاظ على الاعتراف الأكاديمي بالشهادات.

وتقول ريتا، وهي طالبة سنة أولى حقوق نزحت من الضاحية الجنوبية: “الحياة يجب أن تستمر. أحاول أن أتابع دراستي قدر الإمكان، خصوصاً أن امتحاناتي في منتصف نيسان. تخطّينا هذه الظروف سابقاً، وسنتخطّاها مرة أخرى”.

مرونة بالتعامل مع الطلاب

في الجامعة الأميركية في بيروت، والجامعة اللبنانية الأميركية، التي شهدت بدورها حالة التباس أمني بعد تداول تهديدات باستهدافها، جرى اعتماد التعليم أونلاين منذ الأسابيع الأولى، فيما الامتحانات إما حضورية أو عن بعد أو جرى تأجيلها لوقت لاحق، بحسب الاختصاص. 

ويشير باسل رميتي، أحد طلاب الجامعة الأميركية إلى أن الأساتذة أبدوا مرونة كبيرة في التعامل مع أوضاع الطلاب، خصوصاً الذين اضطروا إلى السفر أو النزوح، حيث أُعطوا إمكانية إجراء امتحاناتهم في مواعيد لاحقة بالتنسيق مع الإدارات الأكاديمية.

أما مريم غندور، طالبة في الجامعة اللبنانية الأميركية، فتروي تجربتها قائلة: “منذ بداية الحرب، بدأنا الدروس عن بُعد، لكن في بعض الحصص يُطلب من التلاميذ الحضور، وفي الامتحانات أيضاً”. 

مريم، طالبة في السنة الأولى، تضيف قائلة عن تجربتها الشخصية: “كنت أسكن في بيروت للذهاب إلى الجامعة، لكن عندما اندلعت الحرب، اضطررت للعودة إلى البقاع الغربي عند أهلي. كان الانتقال صعباً، خصوصاً مع الضغط النفسي والخوف من عدم القدرة على متابعة الدروس، لكن أتمسك بالدراسة قدر الإمكان”.

أساتذة أيضاً في قلب الأزمة

لا يقتصر تأثير الحرب على الطلاب وحدهم. فالأساتذة أنفسهم يواجهون ظروفاً مشابهة، بين نزوح شخصي، وصعوبة التنقّل، وضغط نفسي يرافق محاولة الحفاظ على استمرارية التدريس.

تقول دكتورة في الجامعة اللبنانية نزحت من الضاحية الجنوبية (فضّلت عدم الكشف عن اسمها): “العديد من الطلاب نزحوا من منازلهم، وفقد بعضهم القدرة على متابعة الدروس بانتظام. نحن أيضاً نواجه ظروفاً صعبة، إذ اضطررت إلى ترك بيتي والتوجّه إلى مكان آمن بعيداً عن حياتي المعتادة، ومع ذلك نحاول قدر الإمكان إعادة شرح المحاضرات أكثر من مرة وتسجيلها لتكون متاحة للجميع”.

وتضيف: “النزوح ليس مجرد تغيير مكان، بل شعور دائم بعدم الاستقرار والقلق، سواء على أنفسنا أو على الطلاب. رغم كل هذا، نواصل العمل لأن التعليم أصبح بالنسبة إلينا ولهم وسيلة للصمود والاستمرار”.

ويشير أستاذ في جامعة بيروت العربية إلى أنّ التحدّي لا يقتصر على إيصال المادة العلمية، بل يتعلّق أيضاً بالحفاظ على تماسك الطلاب نفسياً، قائلاً إنّ “الجامعة في هذه الظروف ليست فقط مكاناً للتعليم، بل مساحة دعم أيضاً. نحاول أن نبقي الطلاب مرتبطين بإيقاع الدراسة حتى لا يشعروا بأن حياتهم توقفت”.

التعليم كفعل مقاومة 

يستمر كثير من الأساتذة في تسجيل المحاضرات، وإعادة شرح المواد، ومتابعة الطلاب فردياً، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأكاديمي، في وقت تحوّل فيه التعليم نفسه إلى محاولة يومية لمقاومة الانقطاع أكثر مما هو مساراً أكاديمياً عادياً.

في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لم تعد الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت مساحة مقاومة يومية ضد الانقطاع عن التعليم.

وبين صفوف تُفتح افتراضياً، وأخرى تُقفل قسراً، يحاول الطلاب والأساتذة معاً حماية ما تبقّى من سنة دراسية مهددة. ليس فقط للحفاظ على الشهادات، بل للحفاظ أيضاً على فكرة الاستمرار نفسها، في بلد يعيش مرة أخرى على إيقاع الانتظار.