المنحى الأخلاقي في فكر كمال جنبلاط… قراءة تحليلية في كتاب ريما البراضعي
فاروق غانم خدّاج – جريدة الأنباء الإلكترونية
يُعدّ كتاب “المنحى الأخلاقي في فكر كمال جنبلاط” للباحثة اللبنانية ريما البراضعي، الصادر عام 1998، من الدراسات الأكاديمية المتخصصة التي سعت إلى مقاربة فكر كمال جنبلاط من زاوية غير تقليدية؛ زاوية لا تكتفي بتفكيك مواقفه السياسية أو رصد مسيرته التاريخية، بل تنفذ إلى البنية القيمية العميقة التي حكمت رؤيته للإنسان والمجتمع والسياسة.
فالكتاب، في جوهره، ليس مجرد قراءة فكر، بل محاولة لإعادة تعريف صاحبه: هل كان جنبلاط سياسيًا يستخدم الأخلاق، أم أخلاقيًا اضطر إلى خوض السياسة؟
ولا تقتصر أهمية هذا العمل على مضمونه فحسب، بل تتعزز بطبيعته الأكاديمية؛ إذ هو في الأصل رسالة ماجستير في الفلسفة نوقشت في الجامعة اللبنانية عام 1998، بإشراف الدكتورة إلهام منصور، وأمام لجنة علمية ضمّت الدكتورة سعاد الحكيم والدكتور خليل أحمد خليل، ما يمنح الدراسة صفة الرصانة المنهجية والدقة البحثية.
وقد صدر هذا العمل بعد أكثر من عقدين على اغتيال جنبلاط عام 1977، وكأنّه يأتي في لحظة مراجعة هادئة لما طغى عليه الصخب السياسي، محاولةً استعادة البعد الأخلاقي الذي غالبًا ما يُهمَل في قراءة الشخصيات التاريخية—أو يُهمَّش لأنه الأكثر إدانةً للحاضر.
كمال جنبلاط: المفكر قبل السياسي
تنطلق البراضعي من مسلّمة أساسية مفادها أن جنبلاط لم يكن مجرد زعيم سياسي أو قائد حزبي، بل مفكرًا إنسانيًا ذا مشروع أخلاقي واضح المعالم. فقد جمع بين العمل السياسي والتأمل الفلسفي والنزعة الروحية، واضعًا السياسة في خدمة القيم، لا العكس.
ومن هنا، يصبح فهم فكره مشروطًا بالعودة إلى ذلك الأساس الأخلاقي الذي شكّل مرجعيته الأولى، لا إلى الوقائع السياسية وحدها.
غير أن هذه المسلّمة—على وجاهتها—تفتح بابًا أعمق: إذا كانت الأخلاق هي الأصل في تجربته، فهل كانت السياسة امتدادًا لها… أم اختبارًا قاسيًا لها؟
الأخلاق بوصفها محور الفكر الجنبلاطي
تؤكد البراضعي أن الأخلاق في فكر جنبلاط ليست عنصرًا ثانويًا أو خطابًا إنشائيًا، بل هي البنية الناظمة لفلسفته الاجتماعية والسياسية. فالحرية، عنده، قيمة أخلاقية قبل أن تكون حقًا سياسيًا، والعدالة واجب إنساني قبل أن تكون مطلبًا اجتماعيًا.
غير أن هذا الطرح يفتح، ضمنيًا، سؤالًا إشكاليًا عميقًا لا يمكن تجاوزه بسهولة:
هل تستطيع الأخلاق أن تصمد داخل بنية سياسية مأزومة، أم أنها تتحول—رغم نقائها—إلى مثالٍ مرتفع يصعب تجسيده في واقعٍ تحكمه المصالح والتوازنات؟
هنا، لا يقدّم الكتاب إجابة حاسمة، لكنه يترك القارئ أمام مفارقة صامتة: كلما ارتفع منسوب الأخلاق في النظرية، ازداد احتمال اصطدامها بالواقع.
السياسة في ميزان الأخلاق
تُبرز الدراسة أن جنبلاط نظر إلى السياسة بوصفها مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان، لا مجرد صراع على السلطة. فالعمل السياسي، في رؤيته، يُقاس بقدرته على صون الكرامة الإنسانية، لا بقدرته على تحقيق المكاسب.
وهو تصور يبدو، في سياق الأنظمة العربية المعاصرة، أشبه بمعيار نقدي لاذع للواقع منه إلى نظرية قابلة للتطبيق المباشر، ما يمنح فكره بعدًا يتجاوز زمنه، ويضعه في موقع مساءلة دائمة.
غير أن سؤالًا مشروعًا يبقى مطروحًا—وقد لا يكفي المرور عليه مرورًا عابرًا:
هل استطاع جنبلاط نفسه، في ممارسته السياسية، أن يجسّد هذا المنحى الأخلاقي على نحوٍ كامل؟
أم أن الفجوة بين المثال والتطبيق كانت حاضرة—كما هي الحال في معظم التجارب السياسية—لكنها بقيت أقلَّ من أن تُلغي قيمة المحاولة؟
الاشتراكية ذات البعد الإنساني
تتوقف البراضعي عند مفهوم الاشتراكية في فكر جنبلاط، مبيّنة أنه لم يتعامل معها كنظام اقتصادي مغلق، بل كرؤية أخلاقية إنسانية. فالاشتراكية عنده ليست صراع طبقات بقدر ما هي دفاع عن الإنسان وكرامته.
لقد أعاد جنبلاط صياغة هذا المفهوم بما يتلاءم مع البيئة اللبنانية والعربية، رافضًا القوالب الجاهزة، ومؤكدًا أن العدالة لا تُستورد، بل تُبنى من داخل الإنسان.
وهنا تكمن خصوصية تجربته: فهي لا تُقاس بمدى التزامها بنصوص نظرية، بل بمدى اقترابها من معاناة الإنسان الفعلية—وهو معيار، وإن بدا بسيطًا، يكاد يكون الأكثر غيابًا في التجارب السياسية اللاحقة.
الإنسان في قلب المشروع الفكري
يحتل الإنسان موقعًا مركزيًا في هذا الفكر. فالإنسان، عند جنبلاط، ليس وسيلة في خدمة الدولة أو الحزب، بل غاية كل مشروع.
ومن هنا، فإن أزمات المجتمع—من طائفية وفساد وتفاوت—ليست مجرد خلل في الأنظمة، بل خلل في منظومة القيم.
وترى البراضعي أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحرير الوعي الأخلاقي، لا من سنّ القوانين وحدها، لأن القوانين بلا قيم تبقى هشّة، قابلة للالتفاف والانهيار.
ولعل التجربة اللبنانية الحديثة تقدّم ما يكفي من الشواهد على أن النصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، لا تصمد طويلًا إذا لم تسندها ثقافة أخلاقية حقيقية.
الأخلاق والسياسة: سؤال الحاضر اللبناني
في لبنان اليوم، حيث تتداخل الطائفية بالمصالح، وتغيب المعايير أمام حسابات القوة، يبدو هذا الكتاب أكثر من دراسة أكاديمية؛ يبدو كأنه مرآة.
فالسؤال الذي يطرحه، بصمتٍ عميق، ليس نظريًا:
كيف يمكن لوطنٍ أن ينهض إذا فقدت السياسة معناها الأخلاقي؟
إن قراءة هذا العمل في الواقع اللبناني الراهن تكشف أننا لم نبتعد فقط عن نموذج جنبلاط، بل ابتعدنا عن الإطار القيمي الذي يجعل السياسة ممكنة أصلًا بوصفها فعلًا عامًا لا مجرد إدارة مصالح.
ومن هنا، يمكن الاستفادة من الكتاب لا بوصفه نصًا نظريًا، بل كدعوة إلى إعادة التفكير في أساس العمل العام:
أن تكون السياسة التزامًا، لا صفقة؛ وأن يكون الإنسان معيارًا، لا وسيلة—وهو ما يبدو بديهيًا في اللغة، لكنه نادرٌ في الممارسة.
المنهجية وأهمية الكتاب
يعتمد كتاب البراضعي منهجًا تحليليًا دقيقًا، قائمًا على قراءة نصوص جنبلاط في سياقها الفلسفي والإنساني، وربطها بأعماله الفكرية الأساسية، بعيدًا عن التبسيط أو التقديس.
وتمتاز الدراسة بقدرتها على الجمع بين الدقة الأكاديمية والوضوح الفكري، ما يجعلها مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالفكر السياسي العربي.
غير أن قيمتها لا تكمن في توثيقها فحسب، بل في قدرتها على إعادة طرح أسئلة لا تزال مفتوحة—وهو ما يميّز الأعمال التي تعيش بعد صدورها، لا تلك التي تُستهلك في زمنها.
في المحصلة، لا يقدّم هذا الكتاب قراءة في فكر رجل فحسب، بل يعيد طرح سؤالٍ جوهري ظلّ معلقًا في التجربة اللبنانية والعربية:
هل يمكن للسياسة أن تكون أخلاقية حقًا؟
وبين المثال والواقع، يظلّ فكر جنبلاط—كما تكشفه البراضعي—أقرب إلى أفقٍ نقدي منه إلى نموذج جاهز؛ أفقٍ يقيس به القارئ الواقع، لا ليهرب منه، بل ليراه بوضوح أكبر.
وربما لا تكمن أهمية هذا الفكر في كونه قابلًا للتطبيق الكامل، بل في أنه يضع معيارًا يصعب تجاهله:
أن تُقاس السياسة بإنسانيتها، لا بنجاحها الظرفي.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يتحوّل النص من قراءة في الماضي إلى مساءلة للحاضر:
ليس ما إذا كان جنبلاط قد نجح أو أخفق، بل ما إذا كان أحدٌ قد حاول، بعده، أن يجعل الأخلاق شرطًا لا نتيجة.
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني.












