علاء الشمالي يكتب… كرامة المرجعيات خطٌ أحمر: حين يتحوّل التطاول إلى تهديدٍ لوحدة الوطن
في مرحلة أحوج ما يكون فيها الوطن إلى إعلاء صوت العقل ومنطق الوحدة الوطنية، ومساحات الحكمة تتكاثر الأزمات فتضيق مساحات التلاقي، ليطلّ علينا بين الحين والآخر خطابٌ متفلّت يتجاوز إطار النقد المشروع إلى حدود التطاول والإساءة، عبر استهداف رموز دينية ووطنية كان لها، ولا يزال، الدور المحوري والأساسي في صون السلم الأهلي وحماية الاستقرار وترسيخ القيم الجامعة.
إن التطاول على مفتي الجمهورية اللبنانية الدكتور عبد اللطيف دريان، والبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ليس مجرد ان تطاول عابر، بل هو مؤشر خطير على انحدار في مستوى الخطاب العام، ومحاولة مرفوضة لزجّ المرجعيات الروحية في أتون التجاذبات السياسية الضيقة، والاجندات الخارجية التي تريد زج لبنان في فتن داخلية لإعادة الامساك بما تسميه الورقة اللبنانية.
إن هذه الشخصيات، بما تمثّله من رمزية دينية ووطنية، شكّلت على الدوام صمّام أمان وطني، ومرجعيات أخلاقية تلجأ إليها المكوّنات اللبنانية في لحظات التوتر.
لقد حمل مفتي الجمهورية والبطريرك الراعي همّ الحفاظ على وحدة البلاد، ودافعا عن فكرة الدولة الجامعة، وسعيا إلى تعزيز مناخات الحوار والتلاقي، في وقتٍ كان فيه البعض ينكفئ نحو الانقسام.
ومن هنا، فإن استهداف أي من القامات الدينية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة تشويه البوصلة الوطنية، أو إسكات الأصوات التي ما زالت تنادي بالاعتدال والعقلانية. فالنقد، حين يكون بنّاءً، هو ركيزة من ركائز الحياة الديمقراطية، أما حين يتحوّل إلى إساءة وتجريح، فإنه يفقد قيمته، ويتحوّل إلى أداة هدم لا بناء.
إن إقحام رجال الدين في الصراعات السياسية اليومية يشكّل خطرًا مزدوجًا: فهو من جهة يسيء إلى قدسية الدور الديني، ومن جهة أخرى يحمّلهم ما لا ينبغي أن يُحمَّلوا من أعباء الصراع السياسي. فالمرجعيات الروحية وجدت لتكون مساحة جامعة، لا منصة صراع، ولتؤدي دورها في التوجيه والإرشاد، لا في الاصطفاف والانقسام.
لقد أثبتت التجارب اللبنانية، عبر عقود طويلة، أن غياب الحكمة والاعتدال يؤدي إلى انزلاقات خطيرة، وأن صوت العقل، الذي غالبًا ما يمثله رجال الدين، كان وما يزال عامل توازن ضروري في المعادلة الوطنية. ومن هنا، فإن الحفاظ على مكانة هذه المرجعيات، وصونها من حملات الإساءة، هو واجب وطني وأخلاقي في آنٍ معًا.
إن المطلوب اليوم ليس فقط رفض التطاول، بل إعادة الاعتبار لخطاب الاحترام، وترسيخ ثقافة الاختلاف الراقي، التي تميّز بين النقد المسؤول والإساءة المجانية. فلبنان، الذي قام على التنوع، لا يمكن أن يستمر إلا بالحفاظ على رموزه الجامعة، وعلى رأسها المرجعيات الدينية التي لعبت دورًا أساسيًا في حماية هذا التنوع.
وفي الختام، فإن الدفاع عن مفتي الجمهورية والبطريرك الراعي، وعن سائر الرموز الدينية، ليس دفاعًا عن أشخاص بقدر ما هو دفاع عن قيم، وعن فكرة لبنان التي نؤمن بها: لبنان الرسالة، لبنان العيش المشترك، ولبنان الذي لا يُختصر بخلاف سياسي عابر، بل يُبنى على احترام متبادل، وحوار دائم، وإيمان عميق بأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا.












