القرار التربوي في مهبّ الاستشارات: من يدير وزارة التربية فعليًّا؟

إنّ ما يشهده القطاع التربوي ينذر بنتائج سلبية تطال أجيالنا الصاعدة وتمسّ بالتربية النوعية في لبنان، لذا يجب التمسّك بالثّوابت المؤسّساتية التي حددها القانون وعدم إنشاء إدارات بديلة تُعرقل آليّات العمل.
في بلد يرزح تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، كان يفترض أن يُستثنى القطاع التربوي من منطق التجاذبات الإدارية والصراعات على النفوذ داخل المؤسسات العامة. غير أن ما يجري داخل وزارة التربية والتعليم العالي اليوم يعكس صورةً مقلقةً عن مستوى إدارة هذا القطاع، وسط تصاعد انتقادات سياسية وتربوية حادة لأسلوب عمل وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، ولا سيما في ما يتعلق ببنية القرار داخل الوزارة وطبيعة الدائرة المحيطة بها.
فقد أثارت خطوة الاستعانة بشقيق الوزيرة ضمن فريقها الاستشاري الخاص موجةً من التساؤلات الواسعة في الأوساط التربوية والسياسية حول معايير تشكيل الحلقة الضيّقة لصناعة القرار داخل وزارة يفترض أن تدار وفق قواعد صارمة من الشفافية وتكافؤ الفرص والحوكمة الرشيدة. ويأتي ذلك في سياقٍ يتزامن مع ما أُثير من انتقادات بشأن تراجع دور المدير العام للتربية فادي يرق في عدد من الملفّات الأساسية، واستبعاده من اجتماعات مفصليّة، ولا سيما اجتماعات لجنة التربية النيابية، مقابل إحلال مستشارين مقرّبين من الوزيرة مكانه في مشهد اعتبره كثيرون خروجًا عن منطق المؤسسات وتكريسًا لدوائر نفوذ موازية داخل الإدارة التربوية.
هذا الواقع أثار استغراب العديد من المتابعين للشأن التربوي، خصوصًا أنّ المدير العام للتربية لا يشغل موقعًا إداريًا عاديًا، بل يُعدّ المرجعية التنفيذية الأولى في الوزارة وصاحب الخبرة المتراكمة في إدارة الملفات التربوية الحساسة، من الامتحانات الرسمية إلى شؤون المدارس الرسمية والخاصّة. لذلك رأى منتقدون أنّ تغييب هذا الموقع عن اجتماعات مفصلية لا ينسجم مع مبدأ العمل المؤسّساتي الذي يفترض أن يحكم الإدارة العامة.
وبحسب مصادر تربوية متابعة للملف، فإنّ استبعاد المدير العام لم يكن مجرّد تفصيل بروتوكولي أو إجراء عابر، بل يندرج ضمن توجّه اعتمدته الوزيرة منذ تولّيها مهامها، يقوم على توسيع دور المستشارين في متابعة الملفات الأساسية ومنحهم هامشًا واسعًا في إدارة شؤون الوزارة. وتؤكد المصادر أنّ هذا النهج خلق حالةً من الالتباس داخل الإدارة التربوية، وأثار تساؤلات حول حدود أدوار المستشارين مقارنةً بالصلاحيات التي يمنحها القانون للمواقع الرسمية داخل الوزارة.
وتضيف المصادر أنّ الوزيرة تفضّل الاعتماد على فريقها الاستشاري في إدارة العديد من الملفات، إلّا أنّ هذا التوجّه يتم على حساب المرجعيّات الإدارية القائمة، الأمر الذي يهدّد بإضعاف البنية المؤسّساتية للوزارة وخلق مراكز قرار موازية لا تستند إلى الصلاحيات القانونية نفسها التي يتمتع بها المدير العام وسائر الأجهزة الإدارية المختصة.
ولم يعد هذا الجدل محصورًا داخل أروقة الوزارة. فقد انتقل إلى الساحة السياسية والتربوية، حيث برزت مواقف معترضة على تهميش المدير العام للتربية، معتبرةً أن أيّ محاولة لتجاوز المواقع الرسمية تشكل سابقةً خطيرةً في إدارة مؤسّسات الدولة. كما ازدادت حدّة النقاش بعد الاجتماع الذي عقدته لجنة التربية النيابية لمناقشة ملفات تربوية حسّاسة، في ظل غياب المدير العام عن المشهد.
أما الموقف الأبرز فجاء من البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، الذي خصّ الواقع التربوي بجزءٍ أساسيٍّ من عظته، محذّرًا من تداعيات التخبّط الإداري على مستقبل الأجيال الصاعدة. وقال الرّاعي إنّ ما يشهده القطاع التربوي “ينذر بنتائج سلبية تطال أجيالنا الصاعدة وتمسّ بالتربية النوعية في لبنان”، داعيًا إلى “التمسّك بالثوابت المؤسّساتية التي حددها القانون وعدم إنشاء إدارات بديلة تعرقل آليّات العمل”.
وعلى الرغم من إشادته بجهود وزيرة التربية وسعيها إلى التوفيق بين المحافظة على المستوى الأكاديمي العالي ومراعاة الظروف الصعبة التي يعيشها الطلاب نتيجة الحرب والتهجير، فإنّ الراعي وجّه في الوقت نفسه رسالةً واضحةً لا تحتمل التأويل، عندما دعا إلى “تصويب المسار المتعلّق بالمواقع الرسمية في الوزارة والتعاون والتكامل مع المدير العام من أجل خير الطلاب”.
كلام الرّاعي حمل دلالات تتجاوز الإطار التربوي الضيق، إذ أعاد التأكيد على مبدأ أساسي في الإدارة العامة: لا إصلاح من خارج المؤسسات، ولا تطوير من خلال تجاوز المواقع التي حدّدها القانون. فالمشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في احترام الأدوار والصلاحيات التي تشكل الضمانة الأساسية لاستمرارية العمل العام.
اليوم، تبدو وزيرة التربية أمام اختبار حقيقي. فالتحدّيات التي تواجه القطاع التربوي لا تسمح بالمزيد من الانقسامات أو ازدواجية القرار. وإذا كانت الوزيرة ترفع شعار الإصلاح والتحديث، فإنّ أولى خطوات هذا الإصلاح يجب أن تبدأ من تعزيز العمل المؤسساتي واحترام التسلسل الإداري والاستفادة من خبرات الكوادر الرسمية الموجودة داخل الوزارة، لا من تهميشها أو استبدالها بأدوار استشارية موازية.
وفي ظلّ الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان، يبقى السؤال مطروحًا: هل تُعيد وزارة التربية الاعتبار إلى منطق الشراكة والتكامل بين مختلف مكوّناتها، أم يستمرّ النّهج الذي يعتبره الكثيرون سببًا إضافيًا لإرباك قطاع لا يحتمل المزيد من الأزمات؟
ـ”هنا لبنان”:






