حدد الصفحة

نحن لم نغادر القبيلة… نحن فقط طوّرناها

نحن لم نغادر القبيلة… نحن فقط طوّرناها

 

 

كتب إيهاب مهنا* في موقع اليومية

 

قد نكون بالغنا في الاطمئنان إلى فكرة أننا خرجنا من زمن القبيلة. نحب أن نعتقد بأن الدولة الحديثة، بمؤسساتها وقوانينها وجيوشها، أنهت عصر العصبيات البدائية ونقلت البشرية إلى مستوى أكثر عقلانية. غير أن نظرة أعمق إلى طبيعة الصراعات في العالم اليوم تكشف عكس ذلك. ما نراه ليس إلا استمرارًا لصراع قديم، لكن على نطاق أوسع: صراع قبائل كونية.

الدولة، أيًّا بلغ حجمها، ليست كيانًا حياديًا تمامًا. في عمقها، هي قبيلة متقدمة تقنيًا، تمتلك أرضًا وحدودًا وسردية جامعة ومصالح تحرّك سلوكها. الفرق بين قبيلة الأمس ودولة اليوم ليس في المنطق، بل في الأدوات. ما كان يُدار بالسيف، يُدار اليوم بالجيوش والإعلام والاقتصاد.

القبيلة لا تقوم فقط على رابطة الدم، بل على مصلحة مشتركة وتنظيم وإحساس جمعي يميز بين “نحن” و”هم”. بهذه المعايير، تبدو غالبية الدول قبائل حديثة تحمي نفسها بنفسها، وتسعى إلى الحفاظ على موقعها أو توسيعه.

وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن ما نعيشه اليوم ليس جديدًا في جوهره بل في حجمه. فالإمبراطوريات الكبرى من الفرس إلى الروم وصولًا إلى حملات الإسكندر لم تكن سوى قبائل واسعة النطاق، امتلكت أدوات عصرها لتبرير التوسع وبناء التحالفات وخوض الحروب. تغيرت الأسماء، لكن المنطق بقي ذاته: كيان يتمدّد وآخر يقاوم، وصدام متكرر حول النفوذ. الفارق اليوم أن هذا المشهد أسرع وأوسع تأثيرًا.

في هذا السياق، يحضرني كتاب Collapse للمفكر جاريد دايموند، وهو من الكتب المفضلة لدي، إن لم يكن أفضلها على الإطلاق. يستعرض الكاتب في هذا العمل أسباب انهيار المجتمعات والإمبراطوريات عبر التاريخ، من صراعات داخلية وخارجية، إلى ضغوط بيئية وكوارث طبيعية وأوبئة وسوء إدارة للموارد.

اللافت أن هذه العوامل نفسها، رغم تعاقب القرون وتغيّر الأدوات، لا تزال تمثّل التحديات ذاتها التي يواجهها العالم اليوم، والتي شهدنا كثيرًا من تجلياتها منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا.

حين نتأمل التحالفات، قديمًا وحديثًا، نجد أنها لم تكن ثابتة، بل تتحرك وفق المصلحة. خصم الأمس قد يصبح حليف اليوم والعكس صحيح. ما نسميه اليوم محاور أو شراكات استراتيجية هو امتداد مباشر لهذا المنطق؛ لغة أكثر تهذيبًا، لكن القاعدة واحدة: المصالح أولًا. وفي الصراعات، كثيرًا ما تكفي شرارة صغيرة لإشعال مواجهة واسعة، ليس لقوة السبب، بل لوجود توتر سابق ينتظر لحظة الانفجار. المشهد ذاته يتكرر اليوم، حيث يتحول حدث محدود إلى أزمة كبرى بسبب توازنات هشة ونوايا مبيتة.

كما في الماضي، لا تُخاض الحروب اليوم من دون خطاب أخلاقي. كانت تُخاض باسم الشرف والكرامة، أما اليوم فتُخاض باسم الأمن القومي أو القيم أو النظام الدولي. تُستخدم هذه اللغة لتعبئة الداخل ومنح الفعل طابعًا مشروعًا، بحيث لا ترى أي دولة نفسها معتدية، بل تقدّم سلوكها دائمًا على أنه دفاع عن وجودها، حتى عندما تكون في موقع الهجوم.

حتى داخل الدول، لا يختفي هذا المنطق. فعند الأزمات، تتراجع الهوية الوطنية لصالح هويات فرعية، وتتحول الدولة أحيانًا إلى توازن هش بين مكونات متعددة. وهو نمط يتكرر عالميًا كلما ضعفت السردية الجامعة. ما تغيّر عبر الزمن هو حجم التأثير لا طبيعة الإنسان. فالقبيلة التي كانت تتحارب في نطاق ضيق، باتت اليوم قادرة على التأثير في توازنات عالمية، لكنها ما تزال تتحرك بالمنطق ذاته: “نحن – هم”

الصراعات المعاصرة، إذن، ليست انحرافًا عن مسار التاريخ، بل امتدادًا طبيعيًا له. لم نغادر زمن القبيلة، بل وسّعناه ليشمل العالم بأسره؛ فالدولة الحديثة ليست نقيضها، بل صورتها الأكثر تطورًا وتنظيمًا.

ومن هنا، لعل أول أشكال الوعي هو ألا نتوهّم أن الحروب والصراعات تقع دائمًا في أماكن بعيدة أو تخصّ مجتمعات دون غيرها، بل هي احتمال كامن في كل مجتمع، ومحطة متكررة في دورة لا تتوقف. ففي لحظة ما، ولسبب ما، قد تجد أي جماعة نفسها داخل هذا المسار، مهما بدا واقعها مستقرًا أو بعيدًا عن التوتر. لذلك، ومع السعي نحو التقدم العلمي والحداثة، لا يكفي التعويل على القوانين أو العقل وحدهما، بل يظل من الضروري الحفاظ على وعي عميق بأدوات البقاء، والعمل على بناء مجتمعات متماسكة وقادرة. ففي عالم تحكمه “قبائل كونية”، لا يكون الضعف حالة حيادية، بل مخاطرة مفتوحة على لحظة اختبار حتمية.

*مهندس وعضو المجلس المذهبي الدرزي

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com