شيعة لبنان بين هاجس الدولة وسقف السلاح
طارق الحجيري – المدن

في لحظة لبنانية شديدة التعقيد، وفي ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، ومع تزايد الضغوط الأمنية والسياسية على الداخل اللبناني، عاد النقاش حول موقع الطائفة الشيعية في الدولة اللبنانية إلى الواجهة، لكن هذه المرة من داخل البيئة الشيعية نفسها.
هواجس كثيرة شكّلت مضمون اللقاء الذي أقيم في فندق “سمولفيل” في بيروت تحت عنوان “اللبنانيون الشيعة بين النكبات والاستقرار المرجو”. اللقاء لا يمكن تصويره على أنه تفصيلٍ عابر، بل كمؤشر يعكس حجم القلق المتنامي داخل شريحة من الشيعة اللبنانيين حيال مستقبلها وعلاقتها بالدولة وبمحيطها الوطني.
جمع اللقاء شخصيات أكاديمية وقانونية واجتماعية وإعلامية، حمل مقاربات بدت مختلفة عن الخطاب السياسي التقليدي السائد داخل البيئة الشيعية، خصوصًا لناحية الحديث الصريح عن أزمة السلاح، ومفهوم الغلبة داخل الطائفة، والعلاقة مع الدولة.
السلاح حماية أم عبء
منظمة اللقاء السيدة زينب سعد قالت لـ”المدن” إنّ “اللبنانيين الشيعة هويتهم الوطنية راسخة، وهم متجذرون في هذه الأرض وشركاء في تاريخ الوطن وحاضره ومستقبله”. وأضافت “السلاح لم يشكّل حماية للطائفة الشيعية، بل تحول إلى عبء عليها، أثقل كاهلها وأضعف دورها الوطني، وأغلق أبواب التواصل مع الآخرين”.
كلام سعد يعكس مزاجًا متناميًا داخل فئات شيعية باتت تنظر إلى واقع الطائفة من زاوية مختلفة، بعيدًا من الخطاب التعبوي الذي يحكم حياتها السياسية منذ عقود. ومع الانهيار الاقتصادي واتساع رقعة الفقر والدمار، بدأت داخل البيئة الشيعية مراجعات نقدية وأسئلة أكثر جرأة لكلفة الخيارات السياسية والعسكرية التي خاضتها الطائفة خلال العقود الأخيرة.
استعادة خطاب شمس الدين
وفي السياق نفسه، شدد منسّق لقاء “اللبنانيون الشيعة” الأستاذ محمد الأمين على أن “مواجهة الاستئثار والغلبة داخل الطائفة من قبل ثنائي السلاح تكون بفكر رواد الطائفة، وعلى رأسهم الإمام محمد مهدي شمس الدين، الذي أوصى بضرورة الولاء الوطني والانتماء للبنان وليس لإيران”.
هذا الكلام يعيد إحياء خطاب شيعي لبناني قديم كان يدعو إلى الاندماج الكامل في الدولة اللبنانية، ويرفض تحويل الطائفة إلى جزء من مشروع إقليمي عابر للحدود. ويبدو أن استحضار تجربة شمس الدين في هذا التوقيت يرتبط بمحاولة بناء خطاب شيعي معارض لمنطق “الاستقواء” داخل الطوائف، وللاحتكار السياسي الذي يفرضه الثنائي الشيعي على الحياة العامة داخل البيئة الشيعية.
وأكد منسّق اللقاء الوقوف خلف رئيس الجمهورية جوزاف عون “في مسار التفاوض ومع قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح” في إشارة واضحة إلى دعم أي مسار رسمي يعيد الاعتبار لسلطة الدولة ومؤسساتها الأمنية.
العدالة وفق ميزان القوى
لم يقتصر النقاش خلال اللقاء على الجانب السياسي والأمني فقط، بل انسحب أيضًا على أزمة العدالة داخل لبنان. المحامية جنان جواد اعتبرت أن “القانون في لبنان لا يُطبّق بعدالة ونزاهة، بل وفق معايير ميزان القوى القائم”. وأضافت أن “الترغيب والترهيب باتا يُمارسان بشكل رسمي وتحت سقف القانون، في حين أن القانون وُجد لحماية الدولة لا لحماية السلطة”.
حديث جواد يلامس واحدة من أبرز الإشكاليات التي يعيشها اللبنانيون عمومًا، والشيعة خصوصًا، في ظل شعور متزايد بأن مؤسسات الدولة باتت خاضعة للإملاءات الحزبية، لا لمبدأ العدالة المتساوية. وهو ما يفسّر تنامي حالة الإحباط لدى شرائح واسعة تشعر بأن الدولة لم تعد مرجعية فعلية قادرة على حماية الحقوق أو فرض المساواة بين المواطنين.
الحرب والنزوح والانقسام الداخلي
من جهته الدكتور بلال علامة، تناول ملف النزوح وتداعيات الحرب الاجتماعية، مشددًا على “أهمية عودة النازحين فور توقف الحرب”. وأشار إلى أن “الدولة قامت بما تستطيع القيام به مشكورة، لكن الأزمة أكبر من قدراتها للأسف”.
كما دان “التصرفات العدائية التي تحصل في بعض مراكز النزوح بوجه مسؤولي الدولة، وتخوينهم عند زياراتهم”، معتبرًا أن هذا السلوك يفاقم الانقسام الداخلي بدل أن يساهم في احتواء الأزمة.
انقسام صامت
ما كشفه اللقاء يتجاوز إطار ندوة فكرية عابرة. بل هو محاولة جدية لفتح نقاش شيعي داخلي حول مفهوم الدولة والسلاح والهوية الوطنية. فبين من يرى في السلاح ضمانة وجود، ومن يعتبره عبئًا يستنزف الجماعة والدولة معًا، بدأ الانقسام الصامت داخل البيئة الشيعية يظهر بوضوح أكبر، وإن كان لا يزال بعيدًا من التحول إلى مواجهة سياسية مباشرة.
ورغم أن هذه الأصوات لا تزال أقلية داخل المشهد الشيعي العام، فإن خروجها إلى العلن بهذا الوضوح يعكس بداية تحوّل سياسي وثقافي يصعب تجاهله، خصوصًا مع تبدّل موازين القوى داخل لبنان وتراجع قدرة خطاب التعبئة التقليدي على احتواء الأسئلة المتراكمة داخل الطائفة نفسها.












