اتّفاق بلا مصافحة: كيف يُطبخ الاتّفاق اللّبنانيّ –الإسرائيليّ؟


تتجه كل المؤشرات إلى اقتراب تفاهم أميركي–إيراني يضع حداً لمرحلة التصعيد المفتوح، ويفتح الباب أمام تسويات جانبية في أكثر من ساحة، وفي مقدّمها لبنان. هذا التقارب، وإن لم يُعلن بعد بصيغة اتفاق شامل، سينعكس عملياً عبر أوراق تفاوضية يجري اختبارها على طاولة باكستان، حيث ستظهر ملامح تسوية لبنانية–إسرائيلية متعددة الأبعاد، أمنياً وسياسياً ومالياً. أما إذا بقي الملف اللبناني معلقًا إلى ما بعد زيارة الرئيس ترامب للصين، فهذا يعني أنه سيبقى في دائرة التصعيد الإسرائيلي ولو تزامن ذلك مع محادثات في واشنطن، لن تتّجه إلى حلول جديّة قبل البت بملفات المنطقة.
لا لقاء مع نتنياهو وسيمون كرم في واشنطن
في العقل الإسرائيليّ وخلفه الأميركيّ بند ثابت لا يقبل النقاش، وهو بند السلاح الذي يفترض أن يُحصر بيد الجيش اللبنانيّ. يأتي هذا البند أوّلاً قبل تنفيذ إسرائيل أيّ بند آخر.
في العقل اللبنانيّ بند ثابت هو أن لا تطبيع مع إسرائيل ولا اتّفاق سلام، على الأقلّ إلى حين حلّ القضيّة الفلسطينيّة، على أن يكون لبنان ملحقاً بالسلام بعد العرب لا قبلهم.
ما بين الثابتتَين بدأت الكواليس الدبلوماسيّة بالتحدّث عن بنود اتّفاق لبنانيّ–إسرائيليّ لتنظيم الملفّات المشتركة وإنهاء حالة الحرب والدخول إلى هدنة يُفترض أن تكون دائمة.
بعدما وصلت رسائل عربية ولبنانية إلى واشنطن بعدم وجوب الاستعجال بلقاء عون ونتانياهو، رفع لبنان سقف تمثيله في مفاوضات العاصمة الأميركية وقرر أن يمثله في جلستي الأسبوع المقبل السفير سيمون كرم من دون أن يقابله حضور المسؤول عن الملف اللبناني في اسرائيل رون درمر.
مسوّدة اتّفاق لبنانيّ–إسرائيليّ
على طاولة باكستان بند متعلّق مباشرة بـ”الحزب”، على اعتبار أنّه الحليف الأقوى لإيران في المنطقة. في هذا البند تشترط الولايات المتّحدة الأميركيّة وقف إيران دعمه بالسلاح لتحقيق حصر السلاح في لبنان، وهو مطلب لا عودة عنه أميركيّاً ولا إسرائيليّاً. بالتالي ما هو معروض على إيران هو أن يتحوّل دورها في لبنان من عسكريّ إلى نفوذ سياسيّ، لا سيّما أن لا إرادة أميركيّة عربيّة لتفجير الوضع في لبنان، وهو ما أثبته كلام الرئيس نوّاف سلام الأخير الذي قاله على محطّة “العربيّة”، والذي عكس جوّاً من رسائل التهدئة للداخل اللبنانيّ.
وبالتالي إن الملف اللبناني أصبح ملفًا حاضرًا في كل من واشنطن وتل أبيب وطهران والرياض. وبالتالي سيكون حاضرًا على مستوى السلاح في باكستان وعلى مستوى الاستقرار والتهدئة على طاولة الرياض طهران على قاعدة إبعاده قدر الإمكان عن البقاء في دائرة اللاحرب واللاسلم.
أمّا بنود الاتّفاق المفترض المقبل فتركّز على عدّة عناوين:
– أوّلاً: السلاح الثقيل ومعادلة التفكيك المرحليّ:
يُطرح مبدأ الفصل بين أنواع السلاح. إذ تتّجه الصيغة المطروحة إلى تخلّي “الحزب” عن السلاح الثقيل، وعلى رأسه الصواريخ البعيدة المدى، بحيث يُعاد جزء منها إلى إيران في إطار تفاهم أوسع. أمّا بقيّة الأسلحة فتُترك لمعالجة داخليّة ضمن مسار “مضمون” يراعي التوازنات اللبنانيّة ويؤجّل الحسم الكامل إلى مراحل لاحقة. تعكس هذه المقاربة محاولة للجمع بين مطلب دوليّ لنزع السلاح وحاجة داخليّة لتفادي صدام مباشر.
– ثانياً: أولويّات إسرائيل جنوب الليطاني وشروط التوقّف:
تتمسّك إسرائيل باستكمال عمليّاتها العسكريّة إلى حين تحقيق أهداف محدّدة جنوب الليطاني، وربّما في أجزاء من شماله تبعاً للاعتبارات الجغرافيّة والعسكريّة. تشمل هذه الأهداف تدمير البنية التحتيّة القتاليّة، من أنفاق ومواقع، حتّى لو أدّى ذلك إلى تدمير واسع في بعض القرى. بعد إنجاز هذه المرحلة، يصبح التفاوض على وضع السلاح شمال الليطاني مقبولاً إسرائيليّاً، شرط أن يترافق مع إعلان واضح لمسار سحب السلاح، بما يبدّد المخاوف من إعادة بناء القدرات العسكريّة لـ”الحزب”.
– ثالثاً: قوّة دوليّة انتقاليّة خارج الأطر التقليديّة:
تُطرح فكرة تشكيل قوة دولية ذات طابع خاص، لا تتبع للأمم المتحدة ولا تعمل تحت الفصل السابع. هذه القوة تتراوح بين أن تكون قوات أوروبية أمريكية وعربية، أو أن تكون قوات فصل شبيهة بقوات “الأندوف” في سوريا. تتولى الانتشار في الجنوب خلال مرحلة انتقالية، لتكون ضامناً مباشراً لتنفيذ الاتفاق. كما يُناط بها دور مرافقة إعادة الإعمار، ما يمنحها وظيفة مزدوجة: أمنية–رقابية من جهة، وتنظيمية–لوجستية من جهة أخرى، في محاولة لتجاوز محدودية تجارب سابقة كـ”اليونيفيل”، لتشرف على كيفية التزام الجانبين بالاتفاق.
رابعاً: مفاوضات الأبواب الخلفيّة تمهيداً لاتّفاق مفصّل:
إطلاق مسار تفاوضيّ عبر الأبواب الخلفيّة يتزامن مع شكل التفاوض الحاليّ العلنيّ، ويسبق الإعلان الرسميّ، يهدف إلى بلورة اتّفاق تفصيليّ يحدّد التزامات كلّ طرف وخطوات التنفيذ بشكل تقنيّ دقيق. تُطرح فيه سلّة متكاملة تشمل الانسحاب الإسرائيليّ الكامل، إطلاق الأسرى، ووقف الأعمال العسكريّة، وصولاً إلى تثبيت الحدود والنقاط المتنازع عليها وترتيبات ما بعد الحرب.
– خامساً: اتّفاق “بين الهدنة والسّلام”:
لا تذهب الصيغة المقترحة إلى حدّ توقيع معاهدة سلام كاملة ولا تطبيع، تماماً كما قال رئيس الحكومة نوّاف سلام، لكنّها تتجاوز في الوقت نفسه اتّفاق الهدنة التقليديّ. وذلك على أن يؤسّس هذا الاتّفاق لحالة “لا حرب ولا سلام”، بل ترتيبات أمنيّة واضحة وضمانات دوليّة من دون الانتقال إلى تطبيع سياسيّ شامل. يتيح هذا الشكل لكلّ طرف تسويق الاتّفاق داخليّاً من دون دفع كلفة سياسيّة مرتفعة، ويحقّق استقرار المنطقة لعقود مقبلة.
– سادساً: صندوق إعادة إعمار بتمويل خليجيّ–إيرانيّ:
في البعد الماليّ، تبرز فكرة إنشاء صندوق مشترك لإعادة الإعمار، تساهم فيه إيران، بضوء أخضر أميركيّ، بجزء من أموالها المحرّرة، في إشارة إلى استمرار نفوذ سياسيّ لها عبر “الحزب”، فيما لا تكون الدول الخليجيّة، وتحديداً المملكة العربيّة السعوديّة، مشاركةً في إعادة الإعمار وحسب، بل عرّابة للمرحلة التأسيسيّة الجديدة في لبنان. يخضع تنفيذ مشاريع الإعمار لرقابة القوّة الدوليّة لضمان خلوّها من أيّ استخدامات عسكريّة، بما يربط التمويل مباشرة بمعايير أمنيّة صارمة.
في المحصّلة، تعكس هذه المعطيات محاولة لإعادة صياغة موقع لبنان ضمن توازنات إقليميّة جديدة، حيث يتداخل الأمنيّ بالسياسيّ والماليّ. إذا كُتب لهذه البنود أن تنتقل من التداول النظريّ إلى التنفيذ، فلن تقتصر على إنهاء جولة صراع، بل ستعيد رسم موازين القوى داخل لبنان نفسه، سواء داخل البيئة الشيعيّة أو بينها وبين باقي المكوّنات. غير أنّ التجارب السابقة تُظهر أنّ الفجوة بين الاتّفاقات على الورق وترجمتها على الأرض تبقى التحدّي الأكبر، فيبقى مسار التنفيذ هو الاختبار الفعليّ لأيّ تفاهم مرتقب
جوزفين ديب أساس ميديا












