حدد الصفحة

الصين ورهان الزمن .. ترامب ومغامرة إيران.

الصين ورهان الزمن .. ترامب ومغامرة إيران.

 

ايران ليست العنصر الحاسم في إعادة رسم موازين القوى بين الولايات المتحدة والصين، حيث تتحول الحروب الإقليمية وملفات النفط والطاقة والعقوبات إلى أدوات في معركة أكبر على قيادة النظام الدولي. مسار المواجهات او المفاوضات الأمريكية الإيرانية سيكون حاضراً في القمة الأمريكية الصينية المرتقبة في بكين بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس شي جين بينغ، لكنه لن يكون حاسماً في مستقبل التنافس الاستراتيجي بين القوتين الأكبر في العالم.
الرئيس ترامب يذهب إلى بكين بعقلية رجل يريد انتزاع وقائع ملموسة وسريعة. في ذهنه أن الصين استفادت طويلاً من تردد الإدارات الأمريكية السابقة ومن انشغال واشنطن بحروب الشرق الأوسط، وأن الوقت حان لإعادة رسم قواعد الاشتباك الاقتصادي والاستراتيجي معها – بحزم إنما بهدوء.
الرئيس شي جين بينغ ينظر إلى العلاقة مع الولايات المتحدة من منظار مختلف تماماً يقوم على الدهاء الاستراتيجي وعلى إدارة الزمن الطويل، لا على إيقاع الصفقات السياسية السريعة أو الحسابات الانتخابية. هذا التباين في العقل السياسي بين الرجلين سيكون حاضراً بقوة على طاولة المفاوضات في بكين.
ملف تايوان سيبقى العقدة الأخطر في العلاقة الأمريكية الصينية. فبالنسبة إلى بكين، لا يتعلق الأمر فقط بجزيرة أو بنفوذ إقليمي، بل بمسألة سيادة وهوية ووحدة وطنية لا تقبل المساومة. أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع تايوان باعتبارها خط الدفاع المتقدم عن النظام الأمني الآسيوي وعن صدقية التحالفات الأمريكية في مواجهة التوسع الصيني. لذلك، فإن أي خطأ في الحسابات أو أي محاولة لفرض وقائع عسكرية بالقوة قد يفتح الباب أمام أخطر مواجهة دولية منذ عقود.
بحر الصين الجنوبي بدوره تحول إلى مساحة اشتباك مفتوح على احتمالات التصعيد. الصين تعتبر أن لها حقاً تاريخياً واستراتيجياً في تلك المياه والممرات البحرية، فيما تصر الولايات المتحدة على تكريس حرية الملاحة ومنع بكين من تحويل البحر إلى منطقة نفوذ مغلقة. وراء السجالات العسكرية تكمن معركة أعمق تتعلق بمن يسيطر على طرق التجارة العالمية وعلى شرايين الاقتصاد الدولي.
إلا أن المواجهة الأهم ربما لم تعد بحرية أو عسكرية بقدر ما أصبحت تكنولوجية واقتصادية. الولايات المتحدة تدرك أن السباق الحقيقي مع الصين يدور حول الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة الكمية والسيطرة على التكنولوجيا المتقدمة. لذلك، تعمل واشنطن على منع وصول الصين إلى الرقائق الإلكترونية المتطورة وإلى التقنيات التي تعتبرها مرتبطة مباشرة بالأمن القومي الأمريكي. الصين من جهتها ترى أن الولايات المتحدة تستخدم أدوات الاقتصاد والعقوبات والتكنولوجيا لإبطاء صعودها ومنعها من التحول إلى القوة الأولى عالمياً.
كذلك تدور معركة صامتة حول سلاسل الإمداد والمعادن النادرة والطاقة. واشنطن تسعى إلى تقليل الاعتماد الصناعي على الصين وإعادة بناء شبكات إنتاج بديلة مع الحلفاء، فيما تستخدم بكين ثقلها الصناعي والتجاري الهائل للحفاظ على نفوذها في الاقتصاد العالمي. هنا يدخل النفط إلى قلب التنافس الاستراتيجي، لا باعتباره مجرد سلعة، بل أداة نفوذ وتحالفات ووسيلة ضغط متبادل.
الرئيس دونالد ترامب حاول مؤخراً الحد من تمدد الصين في قطاع الطاقة العالمي بعد نسف نفوذها في فنزويلا ثم تطويقها نفطياً لو استطاع تطبيق نموذج فنزويلا في ايران.
فشل ترامب في حرب ايران لأنه تلكأ في الحسم العسكري، فوقع في أحضان الخصم كما في خطأ خسارة الزخم التكتيكي. فشلت طموحات مصادرة اعتماد بكين على النفط الإيراني، لتكون “أمريكا العظمى” المسيطرة على أسواق النفط العالمية.
العلاقة بين بكين وطهران ليست علاقة تحالف عقائدي بقدر ما هي علاقة مصالح باردة. الصين لا تنظر إلى إيران بعين الشريك الأيديولوجي، بل بعين الدولة التي تؤمن لها جزءاً من احتياجاتها النفطية وتساعدها في مواجهة الضغوط الأمريكية. سيتعامل شي جين بينغ بحذر شديد مع أي محاولة من ترامب لدفعه إلى المشاركة في خنق إيران اقتصادياً أو نفطياً لأنه سيتذكر جيداً هدف ترامب الأساسي وهو خنق الصين نفطياً.
في الوضع الراهن، يدرك ترامب أن معركته مع إيران تداخلت مع معركته مع الصين. فالحصار على النفط الإيراني لا يهدف فقط إلى الضغط على طهران، بل أيضاً إلى تقليص إحدى أوراق القوة التي تستفيد منها بكين في أمن الطاقة. في الوقت ذاته، يجد دونالد ترامب نفسه محتاجاً لمساعدة الصين في أزمة سيطرة الحرس الثوري الحاكم في ايران على الملاحة العالمية في مضيق هرمز.
يريد الرئيس الأمريكي أن يذهب إلى بكين من موقع الرجل الذي نقل عامل الوقت إلى يده في الحرب مع ايران بنجاح استراتيجية الحصار على الموانئ الإيرانية، لا من موقع الرئيس المأزوم بحرب مفتوحة في منطقة الخليج.
هنا تحديداً تتقاطع المعادلة الأمريكية الصينية مع المعادلة الإيرانية. فالحرس الثوري الإيراني يقرأ الصراع بعقلية مختلفة تماماً. رجال طهران يعتقدون أن دونالد ترامب، مهما رفع السقف، لا يريد حرباً كبرى قد تهدد الاقتصاد الأمريكي وتربك أولويته الأساسية في مواجهة الصين. ولذلك، تراهن القيادة الإيرانية على أن حاجة ترامب إلى صفقة هي في النهاية أكبر من حاجة الجمهورية الإسلامية إلى التراجع.
فالحرس الثوري لا يرى في التراجع مجرد تنازل سياسي، بل انهياراً لعقيدة الثورة نفسها. لهذا السبب، تتصرف القيادة الإيرانية بعقلية من يفضل الذهاب إلى حافة الانتحار الاستراتيجي على الاعتراف بالهزيمة. الإقرار بالفشل ليس وارداً في قاموسها، حتى لو كانت البلاد تختنق تحت وطأة العقوبات والحصار وتآكل الاقتصاد.
لا مجال للاستسلام الذي يصر عليه ترامب في شلالات تغريداته وتصريحاته دون أن يتوقف عند عقلية العقيدة الإيرانية ليفهم عدوه وفحواها: في الانتحار فخر، وفي الاستسلام مذلّة.
فلم تعد المعادلة اليوم بين الحرب والسلام، بل بين الاستسلام والانتحار. ترامب يعتقد أن الحصار النفطي والخنق الاقتصادي سينتجان في النهاية واقعاً إيرانياً جديداً، سواء عبر الضغط الشعبي الداخلي أو عبر دفع القيادة الإيرانية إلى قبول شروط أمريكية قاسية. أما طهران فتعتقد أن الزمن الطويل يعمل لصالحها، وأن دونالد ترامب سيتراجع قبل الوصول إلى لحظة الحسم.
الصين تراقب هذه المعادلة بقلق وبراغماتية في آن واحد. فهي لا تريد انهيار النظام الإيراني بطريقة تمنح واشنطن انتصاراً استراتيجياً كبيراً، لكنها أيضاً لا تريد حرباً إقليمية واسعة تهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وتضرب النمو الصيني في الصميم. لذلك، ستواصل بكين لعبتها الدقيقة بين حماية مصالحها مع إيران ومنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
ضمن هذا المشهد تبدو إيران أكبر من مجرد ملف نووي وأصغر من أن تكون محور العالم. إنها ورقة استراتيجية في لعبة دولية أوسع، لكنها أيضاً عقدة قد تفتح الباب أمام تفاهمات كبرى أو أمام انفجارات أكبر.
لذلك، فإن ما سيجري في بكين بين ترامب وشي جين بينغ لن يبقى محصوراً بالعلاقة الثنائية بين واشنطن وبكين، بل ستكون له تداعيات مباشرة على الشرق الأوسط وعلى إيران وعلى مستقبل التوازنات الدولية في السنوات المقبلة.

راغدة درغام  – النهار العربي

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com