لبنان لا يموت… لكن مَن يُحاسَب على سرقة عمره

افتتاحية موقع «الثائر» | 10 تشرين الأول 2026
بقلم فادي غانم –

ثمة أوطان تموت حين تُهزم، وأوطان تموت حين تُحتلّ، وأوطان تموت حين يفقد أبناؤها الإيمان بها. أمّا لبنان، فله حكاية أكثر قسوةً وغرابة: وطنٌ يرفض الموت، فيما يُصرّ بعض أبنائه على سرقة ما تبقّى من عمره.

لبنان لم يمت. لكنّ السؤال الذي نخشى مواجهته هو: كم مرّة يمكن لوطن أن ينجو من الموت، قبل أن يموت الإنسان الذي يعيش فيه؟

كم من جيلٍ وُلد على وعد الاستقرار، وشاب على وقع الأزمات، وهاجر وهو يحمل في حقيبته شهادةً جامعية وصورةً عائلية وحلمًا لم يجد له مكانًا في وطنه؟

وكم من أمٍّ انتظرت ابنًا لن يعود إلا زائرًا؟ وكم من أبٍ أفنى عمره ليبني بيتًا، فاكتشف في شيخوخته أنّ البيت بقي، لكنّ العائلة تفرّقت في أصقاع الأرض؟

وكم من طفلٍ كبر قبل أوانه، لأنّ وطنه علّمه الخوف قبل أن يعلّمه الأمل؟

هذه ليست مجرّد خسائر اقتصادية أو اجتماعية. هذه جريمة بحقّ الزمن الإنساني.

فالمال المسروق قد يُستعاد، والمؤسسات المهدّمة قد تُرمَّم، والطرقات قد تُعبَّد من جديد. أمّا السنوات التي سُرقت من أعمار الناس، فلا مصرف يعيدها، ولا حكومة تعوّضها، ولا خطاب سياسي يستطيع أن يمحو وجعها.

من يُعيد إلى شابٍّ عشرين عامًا أمضاها ينتظر فرصةً لم تأتِ؟ ومن يُعيد إلى متقاعدٍ جنى عمره الذي تبخّر؟ ومن يعيد إلى أمٍّ لحظة وداع ابنها في المطار، حين ابتسمت كي لا يراها يبكي، ثم عادت إلى منزلٍ أصبح أكبر من قدرتها على احتمال الغياب؟

هنا تكمن المأساة اللبنانية الحقيقية: لم يسرقوا منّا المال وحده، بل سرقوا الحقّ في أن نعيش أعمارنا كما ينبغي.

وطنٌ يُعاقَب لأنّه يستحقّ الحياة

ليس لبنان بلدًا فقيرًا بالمعنى الذي يريد البعض إقناعنا به. إنّه بلد أُفقرت مؤسساته، واستُنزفت موارده، وأُهدرت فرصه، وتعرّض أهله مرارًا لخيباتٍ أكبر من قدرتهم على الاحتمال.

بلدٌ يمتلك طاقات بشرية استثنائية، وجامعات، وعقولًا، وأرضًا خصبة، وتراثًا حضاريًا، وانتشارًا عالميًا قادرًا على فتح أبواب العالم، لكنّه ما زال عاجزًا عن تأمين أبسط مقوّمات العيش الكريم لكثير من أبنائه.

والمفارقة الأكثر إيلامًا أنّ اللبناني الذي ينجح في بناء المؤسسات وإدارة الشركات وقيادة المبادرات العلمية والاقتصادية في الخارج، يجد نفسه في وطنه يصارع من أجل الكهرباء والمياه والاستشفاء والتعليم والعدالة.

هل المشكلة في اللبناني؟ أم في منظومةٍ جعلت الكفاءة استثناءً، والمحاسبة ترفًا، والفساد أمرًا واقعًا، والانتماء إلى الوطن اختبارًا يوميًا للصبر؟

لا أؤمن بأنّ لبنان محكوم بالفشل، ولا أقبل أن تتحوّل عبارة «هكذا هو لبنان» إلى صكّ براءة لكلّ من ساهم في تدميره.

فالأوطان لا تنهار بالمصادفة، ولا تُنهَب بالصدفة، ولا تُدمَّر مؤسساتها بفعل قدرٍ غامض.

خلف كلّ انهيار مسؤوليات، وخلف كلّ قرار خاطئ نتائج، وخلف كلّ فرصة ضائعة من كان يستطيع أن يتصرّف ولم يفعل، أو تصرّف بما يخالف المصلحة العامة.

وليس المطلوب محاكمات إعلامية أو توزيع الاتهامات جزافًا، بل دولةٌ تكشف الحقائق، وتحدّد المسؤوليات بالأدلّة، وتُخضع الجميع لسلطة القانون.

لأنّ أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا ليس الفساد وحده، بل أن يفقد شعبه الثقة بإمكان محاسبة الفاسدين.

لا قداسة لأحد فوق كرامة الوطن

لقد آن الأوان لنتوقّف عن التعامل مع السياسة باعتبارها صراعًا بين زعماء، ونبدأ بالتعامل معها باعتبارها مسؤوليةً عن مصير البشر.

لا يجوز أن يكون الولاء لشخصٍ أقوى من الولاء للدولة، ولا أن تصبح الطائفة ملاذًا للإفلات من المحاسبة، ولا أن تُستخدم الهواجس المشروعة للناس لتبرير أخطاء من يتحدّثون باسمهم.

لبنان بتنوّعه ليس مشكلةً ينبغي حلّها، بل قيمةٌ حضارية ينبغي حمايتها. لكنّ التنوّع يفقد معناه حين يتحوّل إلى جدرانٍ تفصل المواطنين، أو إلى ذرائع لتقاسم الدولة بدل بنائها.

أنا ابن هذا الوطن بكلّ تناقضاته وجماله وأوجاعه. أؤمن بلبنان الحرّ، السيّد، المستقلّ، وبأنّ كرامة الإنسان لا تتجزّأ، وأنّ العدالة لا هوية طائفية لها، وأنّ الدولة لا يمكن أن تقوم على حقوقٍ متفاوتة وواجباتٍ انتقائية.

وأؤمن بأنّ الدفاع عن لبنان لا يكون بالتصفيق لكلّ من يدّعي حمايته، بل بامتلاك الشجاعة لمساءلة الجميع، من دون استثناء.

فليس كلّ من رفع علم لبنان خدم لبنان، وليس كلّ من تحدّث باسم الشعب احترم الشعب، وليس كلّ من ادّعى البطولة امتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ.

البطولة الحقيقية أن تتحمّل المسؤولية عندما تخطئ، وأن تتنازل عن مصلحةٍ شخصية حين تتعارض مع المصلحة الوطنية، وأن تبني مؤسسةً تبقى بعد رحيلك، لا نفوذًا ينهار بغيابك.

من الأرض تعلّمت أنّ الحياة أقوى من الخراب

في عملي الإعلامي والبيئي والوطني، وفي السنوات التي أمضيتها قريبًا من الأرض والناس، تعلّمت درسًا لا تمنحه الكتب السياسية.

تعلّمت أنّ شجرةً احترقت يمكن أن تنبت من جذورها حياةٌ جديدة، إذا وجدَت من يحميها ويرعاها. وأنّ أرضًا أنهكتها الحروب تستطيع أن تعود منتجة، إذا لم نتخلَّ عنها. وأنّ المزارع الذي يعود إلى حقله بعد الدمار يحمل من الإيمان بلبنان أكثر ممّا تحمله عشرات الخطب الرنّانة.

رأيت في عيون المزارعين معنى الصمود الحقيقي؛ لا ذلك الذي يُستخدم شعارًا في المناسبات، بل الصمود الذي يبدأ عند الفجر، حين ينهض الإنسان ليزرع أرضًا لا يعرف إن كان سيقطف ثمارها بسلام.

ورأيت في المبادرات البيئية والتربوية والاجتماعية وجوهًا لبنانية لا تنتظر الأضواء ولا المكافآت، بل تعمل بصمت، لأنّها تؤمن بأنّ الوطن ليس ما نأخذه منه، بل ما نتركه فيه للأجيال المقبلة.

وهؤلاء، بالنسبة إليّ، هم لبنان الذي يستحقّ أن نكتب عنه، وأن ندافع عنه، وأن نرفض الاستسلام باسمه.

لكن لا يجوز أن نستمرّ في مطالبة الناس بالصمود، وكأنّ الصمود بديلٌ عن حقوقهم.

ليس من العدالة أن نطالب المزارع بحبّ أرضه، ثم نتركه وحيدًا أمام الخسارة. ولا أن نطالب الشاب بالبقاء، ثم نحرمه فرصة العمل. ولا أن نمجّد تضحيات اللبنانيين، ثم نعجز عن بناء دولة تحميهم من الحاجة والخوف.

حبّ الوطن لا ينبغي أن يكون عقوبةً يدفع ثمنها الأكثر إخلاصًا له.

أخشى على لبنان من اعتيادنا المأساة

ثمة ما هو أخطر من الأزمات المتلاحقة: أن نعتادها.

أن يصبح انقطاع الكهرباء تفصيلًا، والهجرة أمرًا طبيعيًا، والفقر رقمًا في تقرير، والفساد مادةً للسخرية، والحرب خبرًا عابرًا، والموت مجرّد إحصاء.

أن نفقد القدرة على الغضب أمام الظلم، وعلى الدهشة أمام الانهيار، وعلى الحلم بمستقبلٍ مختلف.

عندها لا نكون قد خسرنا دولتنا فحسب، بل نكون قد خسرنا جزءًا من إنسانيتنا.

وأخشى ما أخشاه أن نورّث أبناءنا وطنًا نعلّمهم كيف يحبّونه، لكنّنا لا نستطيع أن نشرح لهم لماذا لم ننجح في حمايته.

أيّ إرثٍ سنترك لهم؟

هل سنورّثهم خلافاتنا، وديوننا، وخوفنا، وأحقادنا، وأحلامنا المؤجّلة؟ أم سنملك شجاعة الاعتراف بأنّ جيلًا كاملًا لم يفعل ما يكفي، وأنّ الوقت قد حان لتغيير المعادلة؟

إنّ الاعتراف بالفشل ليس هزيمة. الهزيمة هي الإصرار على تكراره، ثم انتظار نتائج مختلفة.

لا أريد للبنان أن يبقى معجزة نجاة

كم مرّة قلنا إنّ لبنان كطائر الفينيق، ينهض من رماده؟

إنّها صورة جميلة، لكنّها تخفي حقيقةً موجعة: لماذا يُطلب من هذا الوطن أن يحترق كلّ مرّة كي يثبت أنّه قادر على النهوض؟

لماذا لا يكون وطنًا يعيش بسلام، ويتقدّم بالعلم، ويزدهر بالعمل، ويحتكم إلى القانون، من دون أن يحتاج في كلّ عقدٍ إلى معجزة جديدة؟

لا أريد لبنان الذي يبهر العالم بقدرته على احتمال الكوارث. أريد لبنان الذي يبهر العالم بقدرته على منعها.

لا أريد أن يُصفّق العالم للبنانيين لأنّهم يبتسمون وسط الركام. أريد أن يرى أطفالنا يكبرون بعيدًا عن الركام.

لا أريد أن تُقاس وطنية المواطن بقدرته على تحمّل الإذلال. أريد أن تُقاس مسؤولية الدولة بقدرتها على صون كرامته.

ولا أريد أن تصبح الهجرة شهادة نجاحٍ وحيدة لأبنائنا، فيما يتحوّل الوطن إلى محطة حنين يعودون إليها في الأعياد، ويغادرونها حاملين مزيدًا من الحزن.

أريد لبنان الذي يستطيع فيه الشاب أن يحلم، والعامل أن يعيش بكرامة، والمزارع أن ينتج ويربح، والمعلّم أن يُكرَّم، والمريض أن يتعالج، والمسنّ أن يطمئن، والطفل أن ينام من دون خوف.

وهذا ليس حلمًا مستحيلًا. إنّه الحدّ الأدنى من الحقوق التي ينبغي أن تكفلها أيّ دولة تحترم شعبها.

السؤال الذي لا يجوز أن يبقى بلا جواب

لست أكتب هذه الكلمات من موقع اليأس، ولا من رغبةٍ في جلد الذات. أكتبها لأنّني أرفض أن يصبح الصمت شراكةً غير معلنة في استمرار المأساة.

وأرفض أن نختزل لبنان في أزماته، أو أن نختزل شعبه في ضحاياه، أو أن نختزل المستقبل في انتظار تسوياتٍ لا نعرف متى تأتي.

لقد حان الوقت لننتقل من تمجيد الصمود إلى بناء الاستقرار، ومن وصف الفساد إلى محاربته، ومن تعداد الخسائر إلى تحديد المسؤوليات، ومن استجداء الحلول إلى صناعة دولةٍ قادرة على إنتاجها.

فالوطن لا يُبنى بالنيات الحسنة وحدها، بل بالمؤسسات والكفاءة والشفافية والمحاسبة، وبإرادةٍ سياسية تعتبر الإنسان غاية السلطة، لا وسيلةً للوصول إليها.

ولمن يعتقدون أنّ الزمن كفيلٌ بمحو كلّ شيء، أقول: قد تتبدّل الوجوه، وقد تتغيّر التحالفات، وقد تُنسى التصريحات، لكنّ التاريخ لا يمحو بسهولة ما يُرتكب بحقّ الشعوب.

سيأتي يوم يسأل فيه أبناؤنا: أين كنتم حين كانت أحلامنا تُسرق؟ ماذا فعلتم حين كانت الدولة تتآكل؟ ولماذا قبلتم أن يتحوّل وطننا إلى مساحة انتظارٍ مفتوحة؟

وأخشى ألّا تكون لدينا إجابات تليق بتضحياتهم.

وأخيرًا… لبنان ليس خالدًا لأننا نقول ذلك

نعم، لبنان لا يموت.

لكنّه لا يعيش بالشعارات، ولا يتعافى بالحنين، ولا يُنقَذ بالأغاني الوطنية، مهما كانت جميلة، ولا بالخطابات التي تنتهي بانتهاء التصفيق.

لبنان يعيش حين نعيد الاعتبار إلى الإنسان، وحين يصبح القانون أقوى من النفوذ، والمؤسسة أكبر من الشخص، والمصلحة العامة أسمى من الحسابات الضيّقة.

يعيش حين نزرع بدل أن نقتلع، ونبني بدل أن نهدم، ونجمع بدل أن نفرّق، وحين نفهم أنّ الوطن الذي لا يتّسع لجميع أبنائه لن يكون وطنًا آمنًا لأيٍّ منهم.

وأنا، رغم كلّ ما رأيت وعشت وكتبت، ما زلت أؤمن بهذا اللبنان.

لا لأنّني أغمض عيني عن عيوبه، بل لأنّني أراها بوضوح، وأرفض أن أعتبرها قدرًا أبديًا.

أؤمن به لأنّ في أرضه جذورًا أعمق من الحروب، وفي ناسه طاقاتٍ أكبر من الأزمات، وفي تاريخه ما يكفي من النور كي لا نسلّم مستقبله للعتمة.

لكنّ إيماني بلبنان لا يمنح أحدًا حقّ الاستمرار في العبث بمصيره.

فليسمع كلّ من تولّى مسؤوليةً، وكلّ من امتلك قرارًا، وكلّ من قدّم مصلحته على مصلحة الناس: إنّ أخطر ما سُرق من اللبنانيين ليس ودائعهم، ولا فرصهم، ولا ممتلكاتهم… بل أعمارهم.

والعمر، حين يُسرق، لا يُعوَّض.

لهذا، لن أكتفي بالسؤال عمّن أنقذ لبنان من الموت.

سأسأل عمّن حرمه الحياة التي يستحقّها.

وسأسأل عمّن دفع أبناءه إلى المنافي، وعمّن بدّد أحلام شبابه، وعمّن جعل الشيخوخة خوفًا بدل أن تكون راحة، وعمّن حوّل الانتماء إلى هذا الوطن من نعمةٍ إلى امتحانٍ لا ينتهي.

لأنّ العدالة الحقيقية لا تبدأ يوم نستعيد ما خسرناه من مال، بل يوم نعترف بأنّ وراء كلّ رقمٍ ضائع إنسانًا، ووراء كلّ إنسانٍ عمرًا لن يعود.

وإلى الذين لم يفقدوا إيمانهم بهذا الوطن، رغم كلّ شيء، أقول:

لا تسمحوا لأحدٍ أن يقنعكم بأنّ لبنان انتهى. ولا تسمحوا، في المقابل، لأحدٍ أن يستخدم حبّكم للبنان ذريعةً كي تستمرّ المأساة.

فنحن لا نريد وطنًا يموت أبناؤه كي يبقى حيًّا. نريد وطنًا يبقى حيًّا كي يعيش أبناؤه.

وهذا، في النهاية، هو الفرق بين وطنٍ نرثيه… ووطنٍ نستحقّه.

لبنان لا يموت… لكن مَن يُحاسَب على سرقة عمره؟

ولعلّ السؤال الأكثر إيلامًا ليس مَن سرق أعمارنا، بل:

كم بقي من أعمار أبنائنا، قبل أن نمتلك الشجاعة لنمنع سرقتها أيضًا؟

فادي غانم افتتاحية موقع «الثائر»

إرسال التعليق

You May Have Missed