كتب نقولا أبو فيصل.. القمر واحد، لكنّ ضوءه فوق الوطن مختلف!

حكاية من سلسلة كتب “فكر فيها.. صناعة الأمل” قيد الانجاز
تقول كلمات المبدع روميو لحود الذي كتب ولحّن أغنية “اسأل عليّي الليل” التي غنّاها الفنان سمير يزبك: “ضوّ القمر بيدلّك عليّي”. عبارةٌ قد يهمس بها عاشق لحبيبه، لتكون خيطا من نور يقوده إليه، وقد ينطق بها وطن لأبنائه الذين فرّقتهم دروب الحياة، وتوزّعوا في أصقاع الأرض، علّ ضوء القمر نفسه يذكّرهم به ويهديهم إليه.
وهنا، سألت نفسي: أهو قمر لبنان مختلف عن القمر الذي يضيء سماء سائر أرجاء المعمورة؟ بالطبع لا؛ فالقمر واحد، ونوره لا يعرف حدودا ولا يعترف بمسافات. لكنّ للقلب مقاييسه التي لا تخضع لمنطق العين، وللحنين قدرة على أن يمنح الأشياء المألوفة معنى لا يشبه سواه. فربّما كان القمر فوق لبنان هو القمر ذاته في كلّ مكان، لكنّه في عيون من يحبّون هذا الوطن، وفي قلوب الذين أبعدتهم عنه المسافات، يحمل ضوءا آخر، ويختزن حكاية أخرى، ويصبح أقرب الطرق إلى وطنٍ لا يغيب، مهما ابتعدت الدروب.
فالقمر فوق بلادٍ بعيدة قد يضيء شارعًا جميلًا أو بحيرةً هادئة، أمّا القمر فوق لبنان فإنّه يضيء شرفةً نعرفها وبيتًا حفظ أصواتنا وطريقًا مشيناه قبل أن نتعلّم معنى الرحيل. يطلّ قمرنا من وراء جبلٍ، فنرى معه وجوهًا غابت ويسقط ضوؤه على حجرٍ فيوقظ عمرًا ظننّاه قد نام.
نحن لا ننظر إلى الضوء فقط، بل إلى ما يعيده إلينا ، إلى أمّ كانت تنادينا لندخل البيت وإلى أبٍ جلس بعد نهارٍ طويل يستريح وإلى أصدقاء كنّا نحسب أنّ الحياة لن تفرّقنا عنهم. لذلك قد نقف تحت القمر نفسه في بلدٍ يمنحنا الأمان والراحة، ثم نشعر أنّ شيئًا ينقص المشهد. ينقصه صوتٌ مألوف ورائحة أرضٍ بعد المطر ونافذةٌ نعرف مَن كان ينتظرنا خلفها. القمر واحد، لكنّ ما يوقظه فينا يجعل لكلّ سماء حكايتها.وحبّ الوطن لا يمنعنا من رؤية ما يؤلمنا فيه. قد نغضب من لبنان ونتعب من أزماته، ونضيق بما يهدره من أعمار أبنائه وفرصهم، وقد نغادر لأنّ البقاء أصبح فوق قدرتنا. لكنّ الغضب لا يمحو الانتماء والمسافة لا تُسقط حقّ الإنسان في أرضه.
كم من لبنانيّ بنى حياةً ناجحةً بعيدًا، وما زال يسأل كلّ صباح عمّا يجري هنا، كأنّ قلبه لم يغادر مع حقائبه! وكم من إنسان بقي وأنا منهم ، يعمل ويزرع وينتج، ويحاول أن يحفظ لعائلته مكانًا في هذا البلد! أعرف من تجربتي أنّ للأرض قدرةً عجيبة على ربط الإنسان بها تزرع شجرةً فتبدأ بانتظار نموّها، وتبني مصنعًا فتصير مسؤولًا عن بيوت العاملين فيه وتفتح باب رزقٍ فتشعر أنّ لك سببًا إضافيًّا لتتمسّك بالغد. ويمكن للإنسان أن يحبّ أرضًا أخرى أحسنت استقباله، وأن يزرع فيها ويعطيها من عمره، من دون أن يخون جذوره. فالقلب يتّسع لأكثر من محبّة وتبقى للبيت الأوّل مكانته؛ هنا بدأ تعلّم الأشياء وهنا نطق أسماء مَن أحبّ وهنا عرف للمرة الأولى كيف يبدو القمر.لكنّ الوطن الذي نشتاق إليه يحتاج إلى أكثر من الشوق. يحتاج إلى مَن يصون أرضه، ويحترم عمل الناس ويحفظ حقوقهم ويترك للأجيال المقبلة فرصةً لتعيش فيه بكرامة. لا يكفي أن نكتب عن جمال قمره ونترك أبناءه في العتمة، ولا أن نتغنّى بقراه بينما صارت بيوتها مقفلةً ومدارسها خالية. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله من أجل لبنان أن نمنح أهله أسبابًا ليحبّوا حياتهم فيه؛ أن يجد الشاب عملًا والمزارع أسواقاً لانتاجه والصناعيّ شروطًا تسمح له بالاستمرار بالتصدير ، وأن يشعر المواطن أنّ تعبه محفوظٌ بقانونٍ وعدالة. عندها يصبح الحنين طاقةً للبناء، وتصبح العودة احتمالًا حقيقيًّا، ويجد مَن بقي معنىً لصموده. أمّا أنا، فحين أنظر إلى القمر حين اكون خارج لبنان، أتصوّر ضوءه على زحلة وكفرزبد وعلى الوجوه التي أحبّها، وأشعر أنّ بيننا موعدًا لا تلغيه المسافات. كأنّ لبنان يهمس لي دوماً : “ضوّ القمر بيدلّك عليّي”. فأجيبه: أعرف الطريق وأعرف كم فيك من وجع ، لكنّ تحت قمرك حياةً تخصّني، وأناسًا أحبّهم، وترابًا يحتضن أهلي… وما زال في قلبي أملٌ أن يجد أبناؤك تحت هذا الضوء مستقبلهم في لبنان كما يجدون ذكرياتهم.
نقولا أبو فيصل ✍️www.nicolasaboufayssal.comMTV Lebanon NewsZahle Club OttawaClub MontZahle QuebecClub Zahlé- MontréalZahle Club New YorkRadio Pax Bekaa 103.1 FmZahle tvZahle Club Toronto



إرسال التعليق