تحوّل صناعي عملاق: ماستر شيبس تطلق أكبر نظام تخزين للطاقة في لبنان والمنطقة

أعلنت شركة ماستر شيبس عن توقيع اتفاقية تُعدّ الأكبر في لبنان والمنطقة لنظام تخزين الطاقة بالبطاريات (Battery Energy Storage System – BESS)، وذلك بالتعاون مع شركة ASACO، الرائدة في حلول الطاقة، وبسعة إجمالية تبلغ 10 ميغاواط.
‏وقد أبرمت الشركة هذا الاتفاق بشخص نائب رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي، السيد جورج ميشال ضاهر، فيما ستتولى شركة “ASACO” الجانب الفني والتنفيذي للمشروع.
‏يهدف النظام إلى تخزين الطاقة المنتَجة من الألواح الشمسية واستغلالها بكفاءة، ما يتيح تقليل الاعتماد على الشبكة العامة والمولدات، وتوفير طاقة نظيفة ومستدامة.
‏ومن أبرز فوائد هذه الخطوة أنها توفر استهلاك كمية هائلة تصل الى مليون ليتر من مادة المازوت، ما يسهم بشكل مباشر في تقليص حجم استيراد النفط، وهو أمر ذو أهمية كبيرة في ظل التحديات الاقتصادية والبيئية التي تواجه لبنان.
‏وتُعتبر هذه الخطوة نقلة نوعية في مجال الطاقة الخضراء (Green Energy)، حيث يُتوقع أن تُسهم في خفض أكثر من مليون كيلوغرام من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون (kg/CO2) سنويًا.
‏ولا تقتصر أهمية المشروع على جانبه التقني، بل تعكس هذه المبادرة رؤية بيئية متقدّمة لشركة “ماستر شيبس” في تقليص البصمة الكربونية الصناعية، والمساهمة الفعلية في مكافحة التغيّر المناخي.
‏كما يُعد المشروع واحدًا من أوائل المبادرات الكبرى في القطاع الصناعي اللبناني التي تعتمد أنظمة تخزين الطاقة المتجددة بهذا الحجم، مما يضع “ماستر شيبس” في موقع ريادي على مستوى المنطقة في تبنّي الحلول المستدامة والذكية للطاقة.
‏هذه الخطوة لا تعزز فقط الكفاءة التشغيلية، بل تُشكّل نموذجًا يُحتذى به في القطاع الصناعي اللبناني نحو مستقبل بيئي أفضل، يعكس التزامًا طويل الأمد بالاستدامة والابتكار.

تسريب ضخم يفضح برنامج تجسس يخترق آلاف الهواتف حول العالم

كشفت ثغرة أمنية خطيرة النقاب عن برنامج تجسس يُعرف باسم “Catwatchful”، متخفٍّ في هيئة تطبيق لمراقبة الأطفال بينما يعمل سراً على سرقة بيانات حساسة من آلاف الأجهزة.

الباحث الأمني الكندي إريك دايغل نجح في الوصول إلى قاعدة بيانات ضخمة للتطبيق، تضمّنت معلومات شخصية لأكثر من 62 ألف مستخدم وبيانات 26 ألف جهاز ضحية في دول متعددة، أبرزها المكسيك والهند وكولومبيا وبيرو والأرجنتين.

ورغم ترويج التطبيق لنفسه باعتباره “غير مرئي ولا يمكن اكتشافه”، فقد تبيّن أنه يتجسس على الصور والرسائل والموقع وحتى الصوت وكاميرات الهاتف، ويرسل كل هذه البيانات إلى لوحة تحكّم سرية يتحكم بها مطوّره.

المفارقة أن خطأً بسيطًا أدى إلى كشف هوية المطوّر نفسه، وهو عمر سوكا تشاركوف، مطوّر برمجيات مقيم في أوروغواي، بعد أن تضمّنت سجلات التطبيق بياناته الشخصية.

وبحسب تحقيق نشره موقع تك كرانش واطّلعت عليه “العربية Business”، فقد استخدم البرنامج منصة Firebase التابعة لغوغل لتخزين المعلومات، في خرق محتمل لشروط الخدمة، بينما لم تتخذ غوغل بعد أي إجراءات حازمة رغم معرفتها بالتفاصيل منذ يونيو الماضي.

من خلال تحليل حركة البيانات، اكتُشف أن التطبيق اعتمد على واجهة برمجة تطبيقات مكشوفة وغير محمية، ما أتاح لأي شخص الاطّلاع على بيانات الضحايا بلا الحاجة إلى تسجيل دخول. وعلى الرغم من تعليق حساب الاستضافة مؤقتًا، عاد التطبيق لاحقًا عبر منصة HostGator.

وصف دايغل البرنامج بأنه “أداة للملاحقة الرقمية” تتيح تعقّب الشركاء أو الأفراد دون علمهم، بما يمثّل انتهاكًا صارخًا للقوانين والأعراف.

كيف تتأكد من وجود التطبيق على هاتفك؟
يمكن كشف Catwatchful في أجهزة أندرويد عبر طلب الرمز 543210. إذا كان مثبتًا، سيظهر فورًا على الشاشة.

ينصح الخبراء بإزالة التطبيق بحذر شديد، خاصة في حالات المراقبة غير القانونية أو العنف الأسري، واللجوء إلى خبراء أمان أو جهات داعمة مثل التحالف ضد برامج المطاردة لضمان سلامة الإجراءات.

في ما خصّ السلام والحرب بين لبنان وإسرائيل

حازم صاغية – الشرق الاوسط

كعادتهم ينأى اللبنانيّون بالنفس عن مناقشة المسائل الحيويّة في حاضرهم ومستقبلهم. وبدل النقاش، تحلّ مماحكة يُناكد فيها المتكلّمُ خصمَه، مستخدماً القضايا الكبرى في تراشق صغير. وكالعادة أيضاً، لن يكون صعباً اكتشاف مقدّمات أهليّة وطائفيّة ينطلق منها «الرأي» ويعود إليها. لهذا، ورغم تاريخنا في الحروب والدم المسفوك، لم نعرف حركة سلميّة (باسيفيّة) تناهض الحرب وتعبر الطوائف والجماعات. واستطراداً، فحين نتناول الحرب والسلام، وتسليم سلاح «حزب الله» بالتالي، نادراً ما يحضر مبدأ السلام بذاته كقيمة كونيّة.

فليس لدينا ما يعلو، ونعلو به، فوق انقسام الطوائف ومواقفها الجاهزة. هكذا ينتصب موقف يستهين أصحابُه بالعنف، وغالباً ما يمجّدونه، مقابل موقف يردّد أصحابه أسباباً كثيرة تعلّل رفضهم الحرب، لكنّهم يستنكفون عن تطوير ثقافة سلميّة أصلب وأعمق. وهذا ما يوحي بأنّ نزعة التغلّب وباطنها العنفيّ يتحكّمان بالموقفين – موقف القائلين بعدم تسليم السلاح وموقف المهدّدين بأنّ إسرائيل ستجمع السلاح إن لم يُسلَّم.

ولأنّ الأمور هكذا، فإنّ الموقف العاطفيّ، تمسّكاً به أو نبذاً له، يحتلّ موقعاً مركزيّاً في المهاترة. فالذين لا يريدون أيّ سلام مع الدولة العبريّة غالباً ما يستعيدون الصفحات السوداء في تاريخ العداء المشترك، ويشيرون بإصبعهم إلى ما ينزل بغزّة، كي يستنتجوا استحالة السلام مع «غدّة سرطانيّة». أمّا الذين يريدون السلام فيتصرّفون تصرّف بيروقراطيٍّ يجمع الأرقام ويطرحها، بعيداً من كلّ حسبة عاطفيّة مصدرها تجارب الماضي. ذاك أنّ رهانهم المعلن يقوم على المنافع والمصالح، وعلى صفحات بيضاء يخبّئها لنا مستقبل ناهض على التعاون بما يطوي ذكريات الماضي وعواطف العاطفيّين.

والسلام، في الحالات كافّة، ليس مسألة عاطفيّة، من دون أن يعني ذلك انعدام الاكتراث بالعواطف. فدُعاتُه ليسوا محكومين بالضرورة بأن يكونوا مولعين بإسرائيل، وليس من الضارّ أن يكون بينهم من يساوره القلق حيالها كجارٍ بالغ القوّة، فيربط رغبته في السلام برغبة أخرى في تطويق أسباب ذاك القلق وتجفيف مصادره.

وهناك أسباب عقلانيّة كثيرة وراء تفضيل السلم. ذاك أنّ الحرب، فضلاً عن الموت والألم اللذين تتسبّب بهما، تترك أثراً شديد السلبيّة على علاقاتنا الداخليّة، أي على القليل المتبقّي من وحدة وطنيّة. وبتنا نعرف، منذ أواخر الستينات، أنّ كلّ سلاحٍ يُحمل لمقاتلة إسرائيل سلاحٌ يقصف عيش اللبنانيّين الذي يُفترض أن يكون مشتركاً.

إلى هذا، بات الخروج من الحرب ورمي سلاحها يشرطان خلاصنا الاقتصاديّ وقدوم الاستثمارات ومباشرة التعمير وفكّ العزلة في المنطقة والعالم.

وفي المقابل، لم يعد في جعبة دعاة الحرب والسلاح ما يقترحونه سوى الحَرد وانسداد الآفاق. وبالطبع ليس ثمّة من يملك ترف الحَرَد والعيش فيه، فيما تطحن اللبنانيّين كوارثهم السياسيّة والاقتصاديّة، وهذا بعدما احترقت تماماً ورقة المقاومة وأحرقت أصابع المقاومين.

ولا ينفع، تمسّكاً منّا بحرب لا يوجد من يخوضها، اختراع «أطماع» إسرائيليّة في لبنان، أو التلويح بمخاطر وجوديّة مصدرها جارٌ شرّير سوف يبتلعنا أو يمعسنا حتّى لو اعتنقنا جميعاً مذهب المهاتما غاندي في اللاعنف.

بيد أنّ مكافحة التضخّم العاطفيّ، الذي يمضي في مناكفة العقل، لا تعني تحكيم عقل بارد يحتقر العواطف ويعزف عن مخاطبتها. فهذا أقرب إلى تبسيط مؤذٍ يندرج فيه تبشير البعض بانتقالنا، بين يومي أربعاء وخميس، إلى المتاجرة مع إسرائيل والتعاون في تطوير استخدامنا للذكاء الاصطناعيّ. ولا يفيد، كذلك، أن نحلّ المشكلة حلاًّ كلاميّاً ملوّحين بخرافة الانتقال «من الآيديولوجيا إلى التكنولوجيا»، كما لو أنّ التعويل على الأخيرة مُبرّأٌ من الآيديولوجيا. فهذه الصِيَغ المبسّطة، التي تحاكي الوعي الترمبيّ للعالم وللسياسة، يصدمها الواقع المعقّد بطرق شتّى فتشيح بنظرها عن الموت والدمار والتهجير والجروح النفسيّة الكثيرة. وربّما كان آخر تعابير صدمة الواقع ما أعلنه وزير الخارجيّة الإسرائيليّ جدعون ساعر عن السلام مع سوريّا. فهو تحدّث عن تطبيع يبقي السيادة الإسرائيليّة على مرتفعات الجولان. وعقبات كهذه قد لا تكون مستحيلة الحلّ إلاّ أنّ تجاهلها مستحيل.

لكنْ إذا كان الدفاع عن السلام لا يحجب تعقيدات السلام ومصاعبه، فإنّ التعقيدات والمصاعب لا ينبغي لها أن تستبعد الدفاع عن السلام. وفي ما خصّ العواطف التي حفّت دائماً بالنزعة الحربيّة بات من غير المفيد تجاهل الانقلاب الذي بات يطال سائر المعاني. فمن لا يريد أن يكون «انعزاليّاً» عن سوريّا وعن المنطقة، عليه أن يلاحظ أنّ «الانعزاليّ» اليوم هو حصراً من يتمسّك بالسلاح وبالحرب. أمّا «وحدة المعركة إلى جانب الإخوة» فتكشّفت عن تبخّر «الأخ» الذي يدعم «أخاه» حربيّاً، فلا إيران دعمت غزّة ولبنان ولا غزّة ولبنان دعما إيران.

أمّا في ما يتّصل بـ»التخلّي عن فلسطين»، فبات واضحاً جدّاً أنّ تحوّل لبنان، وباقي الدول العربيّة، دولاً مستقرّة ومحترمة هو وحده ما قد يساعد الفلسطينيّين في محنتهم. أمّا غيرُ هذا فيحوّل «التضامن» إلى تضامن عاجز مع عاجز.

مجلس الشيخ محمد بن ركاض في العامرة يحتفي بـ 35 متبرعاً بالدم من المواطنين وأبناء الجاليات المنتظمين بشكل مستدام

احتفى مجلس الشيخ محمد بن ركاض بمنطقة العامرة العين، بتكريم 35 متبرعاً بالدم من المواطنين وأبناء الجاليات المنتظمين بشكل مستدام على التبرع الدائم بهدف إنقاذ المصابين وحياة المرضى، وذلك تزامناً مع اليوم العالمي للتبرع بالدم، بحضور الشيخ محمد حمد بن ركاض العامري عضو المجلس الاستشاري لإمارة أبوظبي، والشيخ الدكتور محمد سالم بن ركاض رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للسرطان والدكتور حمد سيف النعيمي مدير قسم خدمات بنك الدم في العين، وسعادة عوض سالم الساعدي المدير التنفيذي للجمعية، وسعادة محمد سيف بن نعيف العامري، وأحمد شاكر مدير ميديكلينيك قسم اليحر، وماهر قاسم مدير العمليات في ميديكلينيك العين، والدكتور ناجي القزي استشاري أمراض القلب
وحضور الأستاذ آدم البلوشي والأستاذ غريب الساعدي أعضاء مجلس إدارة جمعية الإمارات للسرطان ومحمد عوض سليمان سكرتير الجمعية وحسان النعمة مدير التسويق الإقليمي
في ميديكلينيك وقدم الحفل الإعلامي وليد الحميري.

ورحب الشيخ محمد بن ركاض بالحضور، قائلاً: إن التبرع بالدم من المبادرات الإنسانية وهو واجب يعكس مفهوم التكاتف والتكامل بين أفراد المجتمع.

واكد الشيخ د. سالم بن ركاض في كلمته أن التبرع بالدم هو سلوك نبيل يجمع بين مزايا الخير والصحة العامة، منوهاً بمستوى العمل الصحي على مستوى الدولة، والأداء في حملات التبرع بالدم والأجهزة الحديثة المتقدمة في مجال خدمات نقل الدم. مضيفاً أن مجتمع دولة الإمارات من المجتمعات التي تحرص دائماً على التعاون والتكاتف ونشر ثقافة البذل والعطاء.

واشاد الدكتور حمد سيف النعيمي مدير قسم خدمات بنك الدم في العين بجهود هذه الكوكبة من المتبرعين الدائمين بالدم من المواطنين وأبناء الجاليات على أرض الوطن، وحثهم على مواصلة التبرع وتشجيع أفراد المجتمع من أجل الحفاظ على الاكتفاء الذاتي من المخزون في الوحدات الدموية لصالح العمليات الطبية والجراحية. كما أشاد النعيمي بالدور الإنساني الذي تقوم به جمعية الإمارات للسرطان من تنظيم حملات متواصلة للتبرع بالدم على مساحة كل الوطن.

من جهته أكد سعادة عوض سالم الساعدي، المدير التنفيذي لجمعية الإمارات للسرطان على استمرار التعاون مع خدمات بنك الدم وإقامة حملات التبرع لتوفير احتياجات المجتمع الصحية، وبالتالي نشر الوعي بأهمية التبرع لإنقاذ حياة المرضى.

وأشار الدكتور ناجي القزي استشاري أمراض القلب في مستشفى ميديكلينيك خلال محاضرة قدمها في الحفل إلى أهمية الفوائد الصحية العديدة التي تعود بالنفع على المتبرع بالدم، خاصة لجهة التقليل من نسبة حدوث الجلطات القلبية وتنشيط الدورة الدموية.

جنبلاط يقرن القول بالفعل: خطوة السلاح ورسائل الدولة

يُجيد وليد جنبلاط، كعادته، أن يقول الكثير بالقليل، من دون صخبٍ في الشكل أو مبالغاتٍ في الخطاب. جملةٌ هنا، إشارةٌ هناك، ثم يتركُ للآخرين المهمّة الشاقة في تفكيك المعاني. في مؤتمره الصحافي الأخير أعلن أنّه سلّم إلى الجيش اللبناني ما تبقّى لدى الحزب التقدّمي الاشتراكي من سلاحٍ فردي وعتاد، ودعا كلَّ سلاحٍ خارج شرعيّة الدولة إلى سلوك المسار نفسه. لحظةٌ صافية تُعبّر عمّا يُميّز جنبلاط في تفاعلاته السياسية، وتكريسٌ إضافيّ لقناعته بخيار الدولة، في توقيتٍ بالغ الحساسيّة محلّيًا وإقليميًّا.

المعنى الأعمق لخطوة جنبلاط أنها ليست فعلاً معزولاً، بل امتداداً لمسارٍ طويل من التبنّي الواعي لخيار الدولة. فهو لطالما أقرن كلامه عن نهائيّة مرجعيّة الدولة بالفعل. وللتذكير، فهو في قلب الحرب الأهليّة ولاحقاً بعدها، خرج بقناعةٍ بأن لا بقاء إلّا لدولةٍ واحدةٍ وسلاحٍ واحد. وكرّس ذلك في مصالحة الجبل (2001)، ثم عبر طَيّ صفحة 7 أيار بالحوار الصعب مع “حزب الله”. وعلى امتداد مسيرته بقي ثابتًا على قاعدة العيش المشترك والسِّلم الأهلي، وهو اليوم يضيف لبِنةً جديدة: رسالة طمأنةٍ للبنانيين، ورسالة إحراجٍ لكلّ من يُمسك بالسلاح خارج الشرعيّة، واضعاً الكرة في ملعب الآخرين.

تقديم أوراق اعتماد

وإذا كان بعضهم قد وصف الخطوة بأنّها “تقديم أوراق اعتماد”، فإنّ هذا الوصف لا يعدو كونه محاولةً للهروب من استحقاق القيام بالمثل. والحقيقة أنّ مواقف جنبلاط لا تُقاس بمقياس المسايرة، بل بحجم الانسجام مع قناعاته؛ فقد اتّخذ مرارًا مواقفَ عاكست مصالح علاقاته الخارجيّة وخاطرَ بذلك إلى حدَّ اللاعودة. أما في هذه المرحلة بالذات، لعلّه من المفيد التذكير بما لدى جنبلاط من علاقات: تواصلٌ مفتوح مع دول الخليج، خطّ اتصال مع واشنطن رغم التباينات، صداقة تاريخيّة مع موسكو، نقاشٌ مستمرّ مع أنقرة وباريس، واتصالات مع الإدارة السورية الجديدة. فأيُّ حاجةٍ لديه إلى “تسليف” مواقف؟

إذاً لماذا الآن؟ ليس سرًّا أنّ لبنان يعيش ضغطًا دوليًّا متزايدًا حول ملف سلاح حزب الله، عكسه أخيرًا ما نقله الموفد الأميركي توم باراك، واضعًا هذا الملف في صلب أيّ دعمٍ اقتصاديّ مرتقب. وتأتي خطوة جنبلاط لتقول إنّ مقاربة هذا المسار لا تكون بالمواجهة ولا بالتحريض، بل بالمسؤوليّة الوطنيّة التي تؤسّس لحلٍّ تدريجيٍّ يبدأ بالإرادة لا بالفرض.

داخليًّا، ومنذ وقف إطلاق النار الأخير مع إسرائيل، تحاول الدولة استعادة زخمها المؤسّسي؛ فجاء فعل جنبلاط ليدفع العجلة خطوةً إضافيّة، منسجمًا مع خطاب القسم والبيان الوزاري.

إقليميًّا، المواجهة الإسرائيليّة‑الإيرانيّة، وما سبقها في غزّة ولبنان منذ ٧ أكتوبر، أثبتتا أنّ قواعد اللعبة تبدّلت، وأن لا ضمانة للبنانيين سوى دولةٍ قادرة.

رسائل جنبلاط الواضحة

جنبلاط، الذي حذّر طويلاً من “لعبة الأمم”، قرأ مبكرًا هذا الواقع الجديد، وقرّر أن يُقدّم نموذجًا عمليًّا يُوازِن بين متطلّبات المرحلة وثوابت العيش المشترك، موجِّهًا رسائلَ واضحة:

  • الدولةُ هي الضمانة، ومرجعيّتُها غير قابلةٍ للتأجيل؛ فالخطوة تُسقِط ذريعةَ استحالة تسليم السلاح، وهي مطلوبة أيضًا لنزع مبرّرٍ – الأرجح أن إسرائيل لا تحتاجه- لشن الاعتداءات، لكنه ينزع منها ورقة تستخدمها كشمّاعة.
  • لا نزعَ قسريًّا ولا تحريض؛ بل الحوار الهادئ هو المسار الوحيد لوضع كلّ بندقيّة تحت راية الجيش، بلا استقواءٍ ولا توتّرٍ أهليّ.
  • طيُّ صفحات الاقتتال، وتجديد التمسّك بمصالحة الجبل وبالحوار مع حزب الله: السلاحُ الدفاعيّ الحقيقي هو التفاهم الدائم وقوة الدولة.

وليد جنبلاط لم يكن يومًا من محبّي التنظير؛ فهو دائمًا يحوِّل خياراته إلى سلوكٍ سياسيٍّ واضح. اليوم يرفع التحدّي في وجه القوى المعنيّة، وخطوته ليست تخليًا عن القوّة، بل إعادة تعريفٍ لها تحت سقف الدولة.

هكذا يُضيف جنبلاط محطةً جديدةً إلى سجلّ “لحظات الحقيقة” الوطنيّة التي صاغها على مدى مسيرته. نموذجٌ يبيّن أنّ تلازم الدولة والقرار ممكنٌ متى توفّرت إرادةٌ تستبق التحدّيات وتقرأ تحوّلاتها قبل أن تفرض نفسها.

نقولا أبو فيصل يكتب..”الخسارة الرابحة”

فكّر فيها!

بات بحكم المؤكد لي بعد التجارب ، أن ليس كل ما نخسره في لبنان يُعدّ خسارة . فثمّة خسائر تحمل في طيّاتها بركة، وتأتي متنكرة في عباءة الوجع، لكنها في جوهرها نعمة وتحرر، ونقلة نوعية نحو الصفاء الداخلي.نعم، في هذا البلد المجبول بالمفارقات، قد تكون الخسارة ربحًا خالصًا… متى خسرنا صديقًا حاسدًا أو قريبًا حاقدًا. فالصداقات عندنا تُبنى أحيانًا على المصادفة وتستمر بفعل المجاملة، لكنها تُختبر في لحظات التألق والنجاح… وهناك، تتساقط الأقنعة.

والصديق الذي يفرح لك من القلب صار نادرًا، بل دعوني أقول انقرض . أما ذاك الذي يحصي إنجازاتك بغصّة، ويقيس خطواتك بتوجّس، فهو حاسد بثوب الرفيق، وخسارته ليست خسارة، بل استرداد للطمأنينة.وماذا عن القريب؟ فليس كل من تجمعك به صلة دم هو بالضرورة سند . بعض الاقرباء هم عبءٌ على الروح وجسرٌ إلى الخيبة. والقريب الحاقد يقتات من فشلك ويتألم من نجاحك، ويُتقن التربّص في صمت الأقرباء.وحين يغادر حياتك لا تحزن… بل تنفّس الصعداء، فأنت تودّع خنجرًا كان مغروزًا في ظهرك دون أن تدري.

في لبنان، تعلّمنا أن الخسارة الحقيقية هي أن نُجبر على العيش وسط الزيف، لا أن نطرد الزيف من حياتنا . تعلّمنا أن نُقلّب صفحات الناس كما نُقلّب صفحات الجرائد، فنفرّق بين الخبر الصادق والإعلان المموّل بالحقد.فلتكن خسائرك صديقي القارئ هي بوصلتك. لا تخف من الوحدة بل خف من الصحبة المسمومة. ولا تتحسر على من غادر… بل قل له: شكرًا، لأنك أعفيتني من تمثيل دور لا يُشبهني. وفي النهاية، ليست كل الخسائر مرّة. بعضها كالجراحة… مؤلمة نعم لكنها ضرورية للشفاء.
نقولا ابو فيصل كاتب وباحث وعضو اتحاد الكتاب اللبنانيين
Nicolas Abou Fayssalاتحاد الكتاب اللبنانيين

سكاف : الدستور اللبناني‬⁩ لا يميز بين ⁧‫لبنان المقيم‬⁩ و ⁧‫لبنان المغترب‬⁩ ويعطي الحق للمغتربين بالتصويت للنواب جميعهم.

‏⁧‫كتب النائب الدكتور غسان سكاف على منصة إكس “الدستور اللبناني‬⁩ لا يميز بين ⁧‫لبنان المقيم‬⁩ و ⁧‫لبنان المغترب‬⁩ ويعطي الحق للمغتربين بالتصويت للنواب جميعهم.
إن حصر تصويت ⁧‫المغتربين‬⁩ بستة مقاعد لا يعكس تنوعهم وحجمهم الحقيقي ولا يعكس حنينهم لوطنهم الأم مهما طال اغترابهم. أكثر من مليون لبناني في الاغتراب كانوا ركيزة الصمود المالي والاقتصادي في ⁧‫لبنان‬⁩ قبل وبعد الانهيار. فهل هكذا نكافئهم ونحن بأمسّ الحاجة اليهم؟ لن نساهم بفصل اللبناني عن وطنه .
‏⁧‫

لماذا لم يُرفع حظر سفر السّعوديّين إلى لبنان؟

حين أعلن وليد جنبلاط في كانون الأوّل من عام 2024 ترشيح جوزف عون لرئاسة الجمهورية، كُثرٌ لم يصدّقوا أنّ الرجل عاد من باريس بكلمة السرّ. وحين قرّر السير في ليلة الانقلاب على نجيب ميقاتي، بتسمية نوّاف سلام لرئاسة الحكومة بحجّة أنّ نجله تيمور معارض لفكرة التمديد للأوّل في السراي، كان معظم الطبقة السياسية غافلاً عمّا يحصل في الكواليس الدبلوماسية. وها هو اليوم يرمي حجرة تسليم سلاح “الحزب” في مياه التطوّرات الإقليمية التي فرضتها الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، ليُبلغ على طريقته: إنّها ساعة الحسم.

في الواقع، يسود اعتقاد بأنّ إعلان رئيس “اللقاء الديمقراطي” تسليم أسلحة مقاتلي “الحزب التقدّمي” إلى الجيش اللبناني قبل ثلاثة أو أربعة أسابيع، قد يكون رمزيّاً له دلالاته بالسياسة التي تتجاوز الاعتبارات الأمنيّة التي تُملي على السواد الأعظم من اللبنانيّين الاحتفاظ بأسلحتهم الفرديّة.

فعلها جنبلاط لكي يبرّر لنفسه الطلب من “الحزب” أن يقوم بالمثل، ولو أنّ الحسابات والظروف مختلفة. لكنّه اختار الأسلوب المرن غير الصداميّ، الذي اتّخذه لنفسه ولفريقه السياسي منذ اندلاع حرب الإسناد، في تعاطيه مع “الحزب”. وشدّد على أن يكون السلاح “كلّه في يد الدولة”، ودعا جميع الأحزاب اللبنانية وغير اللبنانية التي تمتلك سلاحاً إلى تسليمه للدولة “بالشكل المناسب وبالطريقة المناسبة”، تحت عنوان أنّ “صفحة جديدة فُتحت في الشرق الأوسط”.

فعليّاً، لا يزال لبنان عالقاً في عنق الزجاجة: السلاح أو العزلة الدولية. كلّ المحاولات اللبنانية لتدوير الزوايا لم تنفع لكسر الإرادة الدولية أو تطويعها. حطّ الموفد الأميركي توم بارّاك في بيروت ليبلغ السلطة بالفم الملآن، الموثّق، أن لا مفرّ من تسليم السلاح ضمن مهل زمنيّة محدّدة. لن تُترك السلطة اللبنانية على سجيّتها تحت عنوان توسيع هوامش الحوارات الداخلية لتأخذ مكانها وزمانها المناسبين. خرجت الأمور عن سيطرة اللبنانيين.

العلاقة مع سوريا

أكثر من ذلك، تفيد المعلومات أنّ بارّاك لم يبحث ملفّ السلاح فقط، لا بل تطرق إلى مسألة العلاقات اللبنانية – السورية، لا سيما أنّه بالأساس مبعوث بلاده إلى سوريا، التي تحتلّ حيّزاً مهمّاً من أولويّات الإدارة الأميركية بدليل مسارعتها إلى رفع العقوبات عن سوريا، في الوقت الذي لا يزال فيه قسمٌ كبيرٌ من اللبنانيين ينظر بريبة وحذر إلى القيادة السورية الجديدة ربطاً بجذورها.

في هذا السياق قال بارّاك في حديث إلى “العربية” إنّ أولويّة واشنطن “في سوريا هي تحقيق الازدهار والأمن ومكافحة الإرهاب والقضاء على داعش”، ودعا إلى “رفع العقوبات عن سوريا للسماح لها بالنهوض وإعطاء فرصة للحكومة السوريّة الجديدة (حكومة أحمد الشرع) لإثبات نفسها”، وأكّد أنّ “هدف الولايات المتّحدة هو حماية الحكومة السورية من الجماعات المدعومة من إيران”.

لا يدلّ هذا الكلام إلّا على أنّ واشنطن تعطي القيادة السوريّة الجديدة فرصة كبيرة. كذلك الأمر بالنسبة للرياض التي رعت في 27 آذار المنصرم الاجتماع الأمنيّ اللبناني السوريّ بين وزيرَي الدفاع في البلدين، ميشال منسّى ومرهف أبو قصرة، الذي انتهى إلى توقيع اتّفاق مشترك. كان الهدف من الاجتماع معالجة ضبط الحدود وتعزيز التنسيق الأمنيّ والعسكريّ.

ماذا بعد اتّفاق جدّة؟

لكن حتّى الآن، يُلاحظ أنّ الاجتماع الثنائي بقي يتيماً، ولم يتمّ إلحاقه باجتماعات تنسيقيّة على مستوى وزاريّ من شأنها تطوير العلاقة الثنائية التي تظلّ حاجة للبنان في نهوضه الاقتصادي، وفي استقراره الأمنيّ، سواء بسبب أزمة النازحين أو بسبب الإشكالات الحدوديّة. إلى ذلك لم يعبر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الذي يُعَدّ “لينكاً أساسيّاً” بين أحمد الشرع والعالم الغربي، الحدود اللبنانية حتّى الآن ليكون ضيفاً على المسؤولين اللبنانيين، كما كان مرتقباً.

وفق المطّلعين، يعكس ما عبّرت عنه ورقة بارّاك المكتوبة، التي سلّمها للمسؤولين اللبنانيّين، موقف واشنطن والرياض ممّا تعتبرانه “تقصيراً” من الجانب اللبناني في مسألتين استراتيجيّتين: السلاح والعلاقة مع سوريا. في كلا الملفّين، الانطباع الأميركي – السعودي عن لبنان أنّه لم يلتزم دفتر الشروط، بدليل أنّ السعودية لم ترفع حتّى اللحظة الحظر عن عودة رعاياها إلى لبنان، مع أنّ التقديرات كانت تشير إلى احتمال حصول هذه الخطوة قبيل عيد الأضحى المنصرم، لكن لم يحصل ذلك. وللأمر دلالاته السياسية التي تظهر في تأكيد مصادر دبلوماسية أنّ الرياض لن تقدم على هذه الخطوة إلّا بعد تسليم السلاح بموجب الورقة الاستراتيجية التي حملها توم بارّاك المبعوث الرئاسي الأميركي إلى الرؤساء اللبنانيين الثلاثة.

لبنان التزم تقنيّاً وأمنيّاً

مع ذلك، تؤكّد مصادر أمنيّة أنّ:

– لبنان قام بكلّ ما هو مطلوب منه تقنيّاً وأمنيّاً لتشجيع عودة الرعايا السعوديين، سواء في ما خصّ طريق المطار عبر اتّخاذ الإجراءات الأمنيّة المطلوبة، التزام ختم كلّ جوازات السفر والتدقيق مع السلطات السعوديّة في ما خصّ الأسماء الثنائيّة المشبوهة.

– التنسيق الثنائي بين الأجهزة الأمنيّة اللبنانية والسوريّة جارٍ بوتيرة دوريّة بشكل يحقّق المعالجات المطلوبة بدليل عدم حصول أيّ إشكالات منذ بدء الاجتماعات المشتركة.

وفق المطّلعين، يعكس ما عبّرت عنه ورقة بارّاك المكتوبة، التي سلّمها للمسؤولين اللبنانيّين، موقف واشنطن والرياض ممّا تعتبرانه “تقصيراً” من الجانب اللبناني في مسألتين استراتيجيّتين: السلاح والعلاقة مع سوريا. في كلا الملفّين، الانطباع الأميركي – السعودي عن لبنان أنّه لم يلتزم دفتر الشروط، بدليل أنّ السعودية لم ترفع حتّى اللحظة الحظر عن عودة رعاياها إلى لبنان، مع أنّ التقديرات كانت تشير إلى احتمال حصول هذه الخطوة قبيل عيد الأضحى المنصرم، لكن لم يحصل ذلك. وللأمر دلالاته السياسية التي تظهر في تأكيد مصادر دبلوماسية أنّ الرياض لن تقدم على هذه الخطوة إلّا بعد تسليم السلاح بموجب الورقة الاستراتيجية التي حملها توم بارّاك المبعوث الرئاسي الأميركي إلى الرؤساء اللبنانيين الثلاثة.

لبنان التزم تقنيّاً وأمنيّاً

مع ذلك، تؤكّد مصادر أمنيّة أنّ:

– لبنان قام بكلّ ما هو مطلوب منه تقنيّاً وأمنيّاً لتشجيع عودة الرعايا السعوديين، سواء في ما خصّ طريق المطار عبر اتّخاذ الإجراءات الأمنيّة المطلوبة، التزام ختم كلّ جوازات السفر والتدقيق مع السلطات السعوديّة في ما خصّ الأسماء الثنائيّة المشبوهة.

– التنسيق الثنائي بين الأجهزة الأمنيّة اللبنانية والسوريّة جارٍ بوتيرة دوريّة بشكل يحقّق المعالجات المطلوبة بدليل عدم حصول أيّ إشكالات منذ بدء الاجتماعات المشتركة.

أساس ميديا

اقتطع الشعر من براريه وينابيعه الخام ووضعه في قلب الحداثةطلال حيدر شاعر النقاء الرعوي والاستعارات المدهشة


شوقي بزيع – الشرق الاوسط
أصعب ما في الكتابة عن طلال حيدر أنك لا تستطيع ضبطه متلبساً في حالة هدوء أو وضعية ثابتة , لكي تستطيع القبض على ملامحه . فهو يظهر حيناً في صورة إعصار, ويظهر حيناً آخر متلفعاً بحكمته ومنكفئاً داخل نفسه كالكهف, ويبدو حيناً ثالثاً مشمساً ورائقاً كصباحات سهل البقاع . وإذا كنت قد أجلت الكتابة عنه مرة إثر أخرى, فليس لأنني لم أعثر في شعره وسيرته على المواد الكافية للكتابة, بل لأن فيه من التعدد بما يشعرك بالتهيب من كثرته , ومن تقلبات المزاج وملابسات الحضور, بما يجعلك عاجزاً عن وضعه في خانة أو توصيف .
إلا أن ما تقدم, لا يعني بأي حال بأن طلال حيدر كان مديناً في ما قدمه من أعمال متميزة لموهبته ومزاياه الشخصية وحدها , بل إن تجربته الشعرية قد أخذت طريقها الى الجدة والابتكار , مستندة الى مجموعة من العوامل, التي لم يكن له من دونها أن يحتل موقع الريادة في القصيدة اللبنانية المحكية . وإذا كان الشعر من بعض وجوهه هو أحد تجليات المكان وتعبيراته الرمزية, فإن مخيلة صاحب ” بياع الزمان “, قد استندت الى ملاعب شاسعة الآفاق, يتشكل ظهيرها المشهدي من سلسلتي جبال شاهقتين, ونهرين متعاكسي المجرى هما العاصي والليطاني , وسهل فسيح ومبقع بعشرات الألوان .
وحيث لا شعر غنياً دون طفولة غنية, كما يقول باشلار, فقد عرف طلال كيف يحول طفولته الى مصيدة ناجحة للصور والمجازات, وكيف يدرب حواسه الخمس على تعقب الظواهر المتقلبة للطبيعة, معايناً حركة الأرض في مخاضاتها, والرياح في تفتحها, والشموس في اندلاعها الأوليّ, والغيوم في أوكارها الممطرة .
وعلينا أن لا نعغل في الوقت ذاته أن تجربة طلال المميزة, قد نشأت في كنف حالة النهوض الاجتماعي والثقافي التي شهدها لبنان بُعيد منتصف القرن الفائت, حيث أتيح للشاب البقاعي الوافد الى بيروت, أن يعاين عصر المدينة الذهبي, وأن يقف عن كثب على السجالات الحادة بين حركات التقليد والتجديد التي شهدتها العاصمة اللبنانية في أواسط القرن الفائت . واللافت أن رغبة الشاعر العارمة في الاطلاع على التراث العربي وتذوق فنونه وآدابه, كان يرافقها رغبة موازية في التفاعل الخلاق مع تيارات الحداثة الوليدة, التي توزعت تعبيراتها بين الشعر والمسرح والموسيقى وفنون التشكيل .
كما تتبع طلال نشوء مجلة ” شعر” ورافق روادها المؤسسين, مشاركاً في ندوتها الأسبوعية, ومتفاعلاً في الوقت ذاته مع انطلاقة مهرجانات بعلبك الدولية, ومع النصوص المحكية التأسيسية لسعيد عقل وميشال طراد والاخوين رحباني . وبفضل اشتغاله المضني على تثقيف نفسه, وحرصه الدؤوب على تنويع قراءاته الأدبية والفنية والفلسفية, تمكن الشاعر المغامر من تجاوز الردح الزجلي السائد في تلك الفترة, والقائم على الهجاء والمديح والاجترار اللفظي السقيم, ليأخذ القصيدة المحكية القصيدة المحكية نحو مناطق تعبيرية ورؤيوية جديدة وغير مأهولة.
والواقع أن ما أضافه طلال الى الشعرية العربية, لا تنحصر أهميته في إثبات قدرة المحكية على مجاراة الفصحى ومنافستها في مجال التخييل والتقاط الصور المجازية المفاجئة في عمقها وطزاجتها, بل في تعقبه المستمر للفولكلور والتراث الشعبي , ولأغاني الرعاة ومواويل الريف , وصولاً الى الروح الاسلامية التي تشربها طفلاً ويانعاً, والأهازيج والحداءات المنتشرة في نواحي بلاد الشام وبواديها .
على أن طلال حيدر الذي رفد تجربته بما ادخرته الصحارى العربية في رمالها اللاهبة من شموس متخثرة, وأقواس قزحية, وأعقاب زفرات وأصوات, لم يُبق المواد الأولية التي تلقفها من هذه الأماكن, في صورتها الخام, بل أعاد إنتاجها بصورة مختلفة, مستخدماً اسلوب الاختزال والترميز والإيماء الى المعنى, والمباعدة المدهشة بين طرفي الصورة, بما جعل منها قيمة مضافة الى جمالية الفصحى, وللمشهد الشعري الحداثي برمته . ولعل ما فعله طلال باللغة المحكية, يشبه الى حد بعيد ما فعله الشاعر الاسباني غارسيا لوركا, الذي جاب سهوب الأندلس وجهات إسبانيا الأربع, بحثاً عن تراث أسلافه الشفوي, وعن اشكال التعبير الشعبي والفولكلوري التي اقتبس منها ديوانه المميز ” أغاني الغجر “.
ولأن حيدر كان يعرف بفطرته السليمة وذكائه الحاد , أن الشعر العظيم لا تنتجه مصانع التأليف البارد, ولا التصاميم المتعسفة للعقل, وأنه لا يتأتى من احتكاك المفردات بنفسها فحسب, بل من احتكاكها بالعالم الحقيقي وتفتح الحواس , فقد اندفع باتجاه الحياة بكامل ” شراسته” وجنونه ونزوعه الشهواني , غير آبه بالأعراف والمحظورات والخطوط الحمراء . ولهذا السبب بدت كتابته مزيجاً شديد الفرادة من الاختزالات اللفظية المنمنمة,والحكم المأثورة, والتعريشات القريبة من فن الأرابيسك العربي , والمشهديات المقطعية القريبة من فنون السينما والتشكيل , كما في أبيات من مثل ” هالعمرْ جفْلة فَرسْ والناسْ خيَّاله”, أو”حلوةْ متلْ طلُّوا العربْ رحْ يوصلوا عالشامْ “, فيما كان توتره العصبي وضراوة شغفه بالحياة, يمنعان شعره من الوقوع في مزالق التأنق المحض والزخرفة الساكنة, ويمنحانه قوة التوهج وثراء الدلالة وجماليات التأويل .
أما افتتان الشاعر بالأنوثة , فلم يكن ناجماً عن اكتظاظه بالرغبات أو تعلقه المفرط بالمرأة فحسب , بل لأنه رأى في الأنوثة رمزاً للجمال الكوني وللحياة في صيغتها الوردية , والقصيدة في تفتحها الملغز . هكذا نتعرف عنده على نساء غابرات احتفظت بهن المخيلات الجمعية, فيما تسمر جمالهن كحروف قديمة على جداريات الزمان الآفل ” عبله على ضهر الفرَسْ, حلوهْ متلْ آيهْ, كلّ الحروف مْنكَّسهْ, إلا الألِفْ رايهْ, أللهْ شو حلوه الألِفْ, بسْ تنحكى حْكايهْ,سبعه لغات العربْ, عندي مْخبَّايهْ, عَكِترْ ما القوس انحنى , صار السهمْ غايهْ”.
ولم يجد طلال حرجاً في الافادة من المصادر الأم لنصوص الحب والعشق , سواء تعلق الأمر بشعر الرقائم والألواح التي تركتها خلفها حضارات السومريين والبابليين والفراعنة ,أو تلك التي أفردت لها الكتب المقدسة أسفاراً وآيات وحكايا خاصة بها . وهو ما تبدو تمثلاته واضحة في قول الشاعر ” وجِّكْ قطعان الِمعزَه بْجبل التفاحْ “, الذي يستلهم عبارة ” شَعركِ كقطيع معِزٍ يبدو من جبل جلعاد “, الواردة في ” نشيد الأناشيد “.
وإذ لا يكف طلال عن المواءمة بين افتتانه بسحر المرأة, وافتتانه الموازي بسحر المكان الصحراوي, يجعل من اللغة نفسها, الأقنوم الثالث لهذه المواءمة, وبخاصة صيغة المثنى, التي لم يكف عن استخدامها في غير واحدة من قصائده, وبينها قوله : ” تتْلفَّتين شْمالْ, يِتْغيّرْ طقسْ سنْتينْ , ويمرقْ عرسْ بالبالْ أحلى من بنات تنينْ, والبنْ شاف الهالْ جايي من اليمنْ دَلُّوا على الخدَّينْ, بسْ يكتملْ بدر الجزيرة فوق نجْد بْخافْ صيبةْ عينْ, لوَّنتْ توبكْ منِ الشمس البِقِتْ فوق الرملْ عامينْ, والرملْ ما بيسأل الصحرا مْنين المدى بِبلِّش ولَويْنْ”.
ولم يكن من قبيل الصدفةأن يتحول الكثير من نصوص طلال حيدرالى أغنيات معروفة ترددها حناجر الكبار من المغنين والمغنيات, من أمثال فيروز وصباح ووديع الصافي ومرسيل خليفة, بل إن الأمر عائد الى تصادي هذه النصوص مع أجمل ما ترسخ في الذاكرة العربية من أطياف الأزمنة والأماكن المفقودة, ومع الترجيعات الدفينة للطفولة الجمعية . ولعل معرفة الشاعر الوثيقة باللغة الفصحى وبحورالخليل , هي التي ساعدته على الإفادة من بعض أوزان الشعر العربي الفصيح ,وبخاصة البسيط والخبب, في الاشتغال على البنية الايقاعية للقصيدة المحكية . كما أنه أفاد الى أبعد الحدود من البنى الايقاعية المختلفة لأشكال الفولكلور المحلي , وبينها االحداء والحوربة والندب وأهازيج النصر وأغاني الحصاد والأعراس وهدهدات الأطفال .
إلا أن احتفاء طلال بمباهج الحياة وجمالاتها ولحظاتها الممتعة , لا يجب أن يصرفنا بالمقابل, عما يشيع في شعره من نبرات الشجن والأسى النوستالجي , الناجمة عن خسارة مباهج الحياة, وتغيُّر الأحوال وتقادم السنين . وإذا كنا نرى ظلالاً لذينك الشجن والأسى في الكثير من نصوص طلال حيدر , فإنها تبدو جلية تماماً في قصيدته المؤثرة ” هالكان عندن بيت “, التي يقول فيها : ” وين أهلي ؟ وين طاحونةْ حزنْ خيّي الزغيرْ ؟ وين طيارةْ ورقْ نومي على هزّةْ سْريرْ ؟ وين الإيديْن الْحطَّت ابريق الشّتي فوق الحصيرْ؟ وين شْبابيك الْفات منها الصوتْ متل الزمهريرْ؟ وِقْع العمرْ ما بين إيد وْبينْ هزَّات السّْريرْ ” .