كتب نقولا أبو فيصل “بين حرية الإعلام واغتيال سمعة الصناعة الوطنية

ليس كل من امتلك حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح صاحب رأي، ولا كل من اعتلى شاشةً أصبح صاحب رسالة. فالكلمة مسؤولية قبل أن تكون حرية، والإعلام رسالة قبل أن يكون وسيلةً للمعرفة. والفرق بين الفهيم والبهيم ليس في القدرة على الكلام، بل في معرفة متى يتكلم، وماذا يقول، وما الأثر الذي تتركه كلماته. فالفهيم يدرك أن سمعة الوطن جزءٌ من كرامته، وأن الإساءة إلى صناعته الوطنية طعنٌ في هويته، وأن تشويه سمعة مؤسسات بلده لا يصنع بطولةً ولا إصلاحًا. أما البهيم، فيحسب أن الشهرة تُنال بهدم كل جميل، فيتحول عن قصدٍ أو عن جهل من إعلامي “متسلق” إلى أداةٍ مجانية في تشويه سمعة وطنه، ثم يتساءل باستغراب لماذا يهرب المستثمر ويتردد السائح ويضعف الاقتصاد.

وهذا ما يؤلمني اليوم في ملف الصناعة اللبنانية. فبدل أن تكون بعض وسائل الإعلام شريكًا في حماية الإنتاج الوطني، نرى بعض معدّي البرامج التافهة يبحثون عن الإثارة ولو على حساب آلاف العائلات التي تعيش من هذا القطاع. نعم، إذا أخطأ مصنع فليحاسَب بالقانون، وليُكشف اسمه بالأدلة، فهذا حق الناس. أما أن تتحول الشاشات إلى منصاتٍ لتعميم الاتهامات وتشويه سمعة صناعةٍ أثبتت أنها من الأفضل في العالم العربي، وأن كثيرًا من مصانعها يطبق مواصفاتٍ تضاهي المعايير الأوروبية، فذلك ليس إعلامًا، بل تضليلٌ وإساءةٌ للاقتصاد الوطني. والمؤلم أن بعض اللبنانيين يصفقون لهذا المشهد، وكأنهم لا يعلمون أنهم يقطعون الغصن الذي يجلسون عليه. فالصناعي اللبناني لم تعد منافسته في الخارج وحدها، بل أصبح عدوه أحيانًا من بيته.

وخلال اللقاء الذي استضافته كاتدرائية سيدة النجاة في زحلة حول مكافحة خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي، سألت وزير الإعلام الدكتور بول مرقس سؤالًا مباشرًا:كيف ستحمي الوزارة الصناعة الوطنية من الاعتداء الإعلامي الذي يمارسه بعض معدّي البرامج في بعض المحطات التلفزيونية بحق المصانع اللبنانية؟ جاءني الجواب هادئًا ومهذبًا، على قدر ما يُعرف به الوزير من إنسانية، لكنه لم يجب عن جوهر السؤال. فالهيبة لا تُقاس بلطف المسؤول، بل بقدرته على تطبيق القانون. فإذا كان الإعلام حرًا، فليس حرًا في الافتراء . وإذا كانت حرية التعبير مصونة، فهي لا تمنح أحدًا حق اغتيال سمعة قطاعٍ كامل بلا دليل. وأنا لا أطالب بحماية المصانع المخالفة،بل بحماية الحقيقة؛ فمن يملك وثيقة فليعرضها، ومن يملك دليلًا فليقدمه. أما الاتجار بالإثارة على حساب لقمة عيش آلاف اللبنانيين فليس إعلامًا، بل مساهمة في هدم ما تبقى من اقتصاد الوطن. وأخطر أنواع خطاب الكراهية هو ذلك الذي يزرع الشك بين المواطن ووطنه، وبين المستهلك ومنتجه الوطني.
نقولا أبو فيصل ✍️
www.nicolasaboufayssal.com

إرسال التعليق

You May Have Missed