اللحظة اللبنانية بين الدولة واللا دولة
بقلم : أنور علامة*
تمرّ على الشعوب لحظات لا يكون التحدي فيها كيف تنتصر في معركة، بل كيف تحسن قراءة التاريخ وهو يكتب فصوله الجديدة. ويبدو أن لبنان يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات. فالمنطقة تشهد تحولات عميقة، وتوازنات تتبدل، وتسويات تُرسم ملامحها على أكثر من مستوى. وفي خضم هذه المتغيرات، لا يستطيع لبنان أن يبقى متفرجاً أو أن يسمح بأن يُبحث مستقبله في غياب دولته.
لقد دفع اللبنانيون جميعاً، على اختلاف انتماءاتهم، أثماناً باهظة جراء الحروب والأزمات والانهيار الاقتصادي والتهجير والهجرة. ولم يعد من حق أحد أن يطلب منهم المزيد من الانتظار أو المزيد من الانقسام. فبعد كل ما مرّ به الوطن، آن الأوان للخروج من منطق الساحات والمحاور، والانتقال إلى منطق الدولة التي تحتضن جميع أبنائها وتحمي مصالحهم.
غير أن هذا الانتقال لا يمكن أن يتحقق بقرارات أحادية، ولا بمنطق الغالب والمغلوب، ولا عبر تبادل الاتهامات والتخوين. فاللحظة تفرض حواراً وطنياً صريحاً ومسؤولاً يشارك فيه الجميع، بهدف التوافق على رؤية مشتركة لمستقبل لبنان، بعيداً عن الحسابات الفئوية والرهانات الخارجية. فالحوار ليس تنازلاً من أحد، بل هو الطريق الطبيعي لبناء الثقة وإعادة إنتاج مشروع وطني جامع.
وعندما يتوافر هذا التوافق، تصبح الدولة المرجعية الوحيدة في القضايا السيادية، وصاحبة الحق الحصري في اتخاذ قرار الحرب والسلم، وفي التفاوض باسم لبنان والدفاع عن مصالحه، مستندة إلى مؤسساتها الدستورية وإلى الجيش اللبناني الذي يبقى الضامن لوحدة الوطن وسيادته.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق إطار يجب ألا يُنظر إليه كغاية بحد ذاته، بل كبداية لمسار متكامل يفضي إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتثبيت الاستقرار بضمانات واضحة تحول دون تكرار المآسي التي عاشها اللبنانيون.
كما أن أي مقاربة وطنية مسؤولة ينبغي أن تستند إلى المرجعيات الدستورية والقانونية التي قام عليها لبنان، وفي مقدمها اتفاقية الهدنة ووثيقة الوفاق الوطني، باعتبارهما إطارين يمكن تطويرهما بما ينسجم مع مصلحة لبنان العليا، ومن خلال مؤسساته الشرعية وحدها.
وفي الوقت نفسه، فإن التمسك بالدولة لا يعني التقليل من حجم الخطر الإسرائيلي أو التغاضي عن استمرار الاحتلال والاعتداءات والانتهاكات. فإسرائيل ما زالت العدو الذي يهدد سيادة لبنان وأمنه، ومواجهة هذا الخطر تقتضي موقفاً وطنياً موحداً ودولة قوية قادرة على توظيف جميع عناصر القوة في خدمة المصلحة الوطنية.
كما أن استعادة القرار الوطني لا تعني إقصاء أي مكوّن لبناني أو التنكر للتضحيات التي قُدمت في مواجهة الاحتلال، بل تعني احتضان هذه التضحيات ضمن مشروع الدولة، بحيث تصبح حماية لبنان مسؤولية وطنية جامعة، تمارسها المؤسسات الشرعية بإرادة اللبنانيين وتوافقهم، لا سبباً لاستمرار الانقسام بينهم.
إن ما يواجهه لبنان اليوم ليس مجرد استحقاق سياسي أو تفاوضي، بل فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبين اللبنانيين أنفسهم. وإذا أحسن اللبنانيون استثمار هذه اللحظة بالحكمة والحوار، فإنهم لن يستعيدوا قرارهم الوطني فحسب، بل سيستعيدون أيضاً ثقتهم بوطنهم وقدرته على النهوض.
لقد آن الأوان ليستعيد لبنان قراره؛ بدولته، وبوحدة أبنائه، وبحوارهم، وبإرادتهم الحرة. فلا أحد أحرص على لبنان من اللبنانيين، ولا أحد يملك الحق في التحدث باسمه إلا دولته.
ومن هنا، فإن الحملات التي تستهدف المواقف الداعية إلى تغليب الدولة والحوار والاعتدال الوطني لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن طبيعة المرحلة التي يمر بها لبنان. وفي هذا السياق، يندرج الموقف الذي عبّر عنه الزعيم الوطني وليد جنبلاط، باعتباره دعوة إلى حماية الدولة اللبنانية، والتمسك بالثوابت الوطنية، ورفض أن يتحول لبنان مجدداً إلى ساحة تُدار من الخارج أو يُعاد من خلالها فتح النقاش حول الصيغة التي أرساها اتفاق الطائف.
إن الدفاع عن خط الاعتدال الوطني ليس دفاعاً عن شخص أو فريق سياسي، بل هو دفاع عن فكرة الدولة نفسها، وعن لبنان الكبير بحدوده المعترف بها دولياً، وعن منجزات وثيقة الوفاق الوطني التي لا تزال تشكل الإطار الأقدر على صون الوحدة الوطنية وإدارة التنوع اللبناني. ومن هنا، فإن مسؤولية جميع المؤمنين بهذا النهج أن يلتفوا حول خيار الدولة والحوار، لأن البديل ليس انتصار فريق على آخر، بل عودة الانقسام وإضاعة فرصة قد لا تتكرر لاستعادة القرار الوطني.
*ناشط اجتماعي وعضو المجلس المذهبي الدرزي



إرسال التعليق