الانتخابات الإسرائيليّة: المشاركة القياسيّة انقلاب أم انقسام؟

ارتفاع التصويت العربيّ في الانتخابات الإسرائيليّة وصعود التعبئة الحريديّة يفتحان معركة هويّة الحكومة المقبلة: هل يتكرّر زلزال 1977 أم تنتج الصناديق أزمة سياسيّة جديدة؟لا تبدو الانتخابات الإسرائيليّة مجرّد استحقاق دوريّ لتجديد الكنيست، بل اختبار سياسيّ واجتماعيّ لمستقبل الدولة واتّجاهاتها. فارتفاع نسبة المشاركة إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، قوامها ارتفاع الإقبال العربيّ على التصويت، واستمرار التعبئة داخل الأوساط الحريديّة، ما يضع المشهد أمام مفارقة أساسيّة: هل تؤدّي المشاركة الواسعة إلى انقلاب في موازين القوى أم تتحوّل إلى وسيلة لتثبيت الانقسامات التي تعيشها إسرائيل؟في الظاهر، تبدو كثافة الاقتراع مؤشّراً إلى استعادة المجتمع الإسرائيليّ اهتمامه بالسياسة، بعد سنوات من التجاذبات الحكوميّة، ثمّ الحرب التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023. لكنّ المشاركة، مهما ارتفعت، لا تعني بالضرورة أنّ المجتمع يتّجه نحو التغيير، فقد تكون أيضاً تعبيراً عن تعبئة متقابلة بين معسكرين يخشى كلّ منهما انتصار الآخر.1977: حين تحوّلت صناديق الاقتراع إلى زلزاليستعيد هذا المشهد، إلى حدّ بعيد، ذاكرة انتخابات 17 أيّار 1977، التي شكّلت إحدى أهمّ المحطّات المفصليّة في تاريخ إسرائيل. يومها، حقّق حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن فوزاً تاريخيّاً أنهى عقوداً من هيمنة حزب العمل وأسلافه على السلطة منذ قيام الدولة عام 1948.بلغت نسبة المشاركة في انتخابات 1977 نحو 79.2 في المئة، وفاز الليكود بـ43 مقعداً، مقابل 32 مقعداً لحزب العمل، الذي كان قد حصل على 51 مقعداً في انتخابات 1973.لم يكن التحوّل مجرّد انتقال للأصوات بين حزبين، بل تعبير عن تغيير اجتماعيّ وسياسيّ أعمق، ارتبط بتراجع الثقة بالنخبة التقليديّة، وتصاعد الاحتجاج لدى شرائح واسعة، ولا سيما اليهود الشرقيّين، وتنامي حضور القوى اليمينيّة والدينيّة.ارتفاع التصويت العربيّ في الانتخابات الإسرائيليّة وصعود التعبئة الحريديّة يفتحان معركة هويّة الحكومة المقبلةكان ذلك عُرف بـ”الانقلاب السياسيّ” الإسرائيليّ، لأنّ الانتخابات نقلت مركز الثقل في الحكم من معسكر إلى آخر، وأعادت رسم الخريطة السياسيّة لعقود لاحقة. وتكمن أهميّة هذه التجربة اليوم في أنّها تثبت أنّ الانتخابات لا تصبح تاريخيّة بسبب ارتفاع المشاركة وحده، بل عندما تترافق هذه المشاركة مع تحوّل فعليّ في توزيع القوّة السياسيّة والاجتماعيّة.الانتخابات الإسرائيليّة لكنّ ثمّة فارقاً أساسيّاً بين المحطتين: في عام 1977 كان التراجع الحادّ لحزب العمل واضحاً في النتائج، بينما لا يزال المشهد الحاليّ محكوماً بتنافس بين بنيامين نتنياهو وغادي أيزنكوت مع صعوبة ضمان أغلبيّة لأيّ من الاثنين.التّصويت العربيّ: قوّة انتخابيّة تبحث عن ترجمة سياسيّةيمثّل ارتفاع نسبة المشاركة العربيّة أحد أبرز المتغيّرات التي يمكن أن تؤثّر في نتائج الانتخابات الحاليّة. فالمواطنون العرب، الذين يشكّلون نحو خُمس السكّان في إسرائيل، يمتلكون قدرة انتخابيّة قد تصبح حاسمة عندما تكون المنافسة متقاربة، خصوصاً مع ارتفاع نسبة التصويت وتجاوز مستويات الانتخابات السابقة.غير أنّ أهمّيّة هذه المشاركة لا تتوقّف عند عدد المقاعد التي قد تحصل عليها الأحزاب العربيّة، بل تمتدّ إلى طبيعة الحكومة المقبلة وإمكان تشكيلها. فزيادة التصويت العربيّ قد تقلّص الوزن النسبيّ لمعسكر بنيامين نتنياهو، وتمنح خصومه فرصة أكبر لتشكيل حكومة، أو تجعل دعم الأحزاب العربيّة من الخارج عاملاً حاسماً في تأمين الثقة البرلمانيّة.لكنّ هذه المعادلة تصطدم بعقبة سياسيّة واضحة: ارتفاع الأصوات العربيّة لا يعني تلقائيّاً قبول الأحزاب اليهوديّة الرئيسيّة بالشراكة مع الأحزاب العربيّة. وقد أظهرت النقاشات السابقة للانتخابات أنّ قوى في المعارضة نفسها لا تزال متحفّظة على إقامة تحالف حكوميّ رسميّ معها.هنا تتجلّى المفارقة: قد يكون الصوت العربيّ ضروريّاً حسابيّاً لإحداث التغيير، لكنّه يظلّ موضع خلاف سياسيّ وأيديولوجيّ. وإذا عجزت القوى المعارضة عن تحويل هذه الأصوات إلى تفاهمات عمليّة، فقد ينتهي ارتفاع المشاركة إلى زيادة الحضور البرلمانيّ العربيّ من دون تغيير الحكومة، أو إلى تعميق الأزمة المتعلّقة بموقع المواطنين العرب في النظام السياسيّ.لا تبدو الانتخابات الإسرائيليّة مجرّد استحقاق دوريّ لتجديد الكنيست، بل اختبار سياسيّ واجتماعيّ لمستقبل الدولة واتّجاهاتهاالحريديم: تعبئة انتخابيّة أم تثبيت للائتلاف القائم؟على الجانب الآخر، تبرز الكتلة الحريديّة، بوصفها ركناً مهمّاً في معادلة اليمين الإسرائيليّ. فالأحزاب الحريديّة لا تمثّل مجرّد قوّة دينيّة متشدّدة، بل كتلة انتخابيّة منظّمة تمتلك مطالب محدّدة تتعلّق بالإعفاء من الخدمة العسكريّة، والتمويل الحكوميّ للمؤسّسات الدينيّة، والحفاظ على نمط الحياة الخاصّ بمجتمعاتها.الانتخابات الإسرائيليّة تكتسب مشاركتها أهميّة مضاعفة في ظلّ تصاعد الخلاف بشأن تجنيد طلّاب المعاهد الدينيّة، وتزايد الضغوط على الحكومة بعد سنوات الحرب، وما رافقها من خسائر بشريّة وأعباء عسكريّة واقتصاديّة.ثلاثة مسارات للنّتيجةثمّة ثلاثة مسارات محتملة لنتائج الانتخابات:1- أن تنجح المعارضة في استثمار التعبئة الانتخابيّة، وأن تترجم المشاركة العربيّة المرتفعة وأيّ تراجع في التصويت الحريديّ إلى أغلبيّة تطيح بحكومة نتنياهو. عندها يمكن الحديث عن تغيير سياسيّ مهمّ، وإن كان لا يرقى بالضرورة إلى حجم زلزال 1977.2- أن تنجح أحزاب اليمين والحريديم في الحفاظ على تماسك قاعدتها، فتستعيد الحكومة الحاليّة القدرة على الحكم، رغم الاعتراضات المتراكمة على أدائها خلال الحرب.3- تقارب المعسكرين وعدم تمكّن أيّ منهما من الوصول إلى الأغلبيّة المطلوبة. وفي هذه الحالة، قد تتحوّل المشاركة القياسيّة إلى مفارقة سياسيّة: ملايين الناخبين يشاركون بكثافة، لكنّ النظام يعجز عن إنتاج حكومة مستقرّة، فتبدأ مفاوضات شاقّة قد تطيل حالة الجمود، أو تفتح الباب أمام انتخابات جديدة.إقرأ أيضاً: إسرائيل: من يشكّل الحكومة نتنياهو أم آيزنكوت؟هكذا قد تكون الصناديق بداية انقلاب سياسيّ جديد، وقد تكون مجرّد مرآة لانقسام أكثر عمقاً. والفارق بين الاحتمالين لن تحدّده نسبة المشاركة وحدها، بل ما ستسفر عنه من مقاعد، وما إذا كانت القوى المتنافسة ستتمكّن من تحويل الأرقام إلى سلطة قابلة للحكم

أساس ميديا

إرسال التعليق

You May Have Missed