يخصص الإعلام الإسرائيلي مساحة واسعة للحديث عن إقامة منطقة أمنية في لبنان. صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” نشرت مقالاً تحليلياً تحت عنوان “مهما كان موقع الحدود، سيظل الاحتكاك قائماً”، اعتبرت فيه أنّه “في مواجهة حزب الله المتجدد، تنزلق إسرائيل مجدداً نحو إقامة منطقة أمنية في لبنان. إذ أمضت قوات الجيش الإسرائيلي 18 عاماً في جنوب لبنان، وتعهد الإسرائيليون ألّا يعلقوا مجدداً في “الوحل اللبناني”. إلا أنّ قادة اليوم يتباهون بالبقاء لفترة غير محددة داخل منطقة عازلة جديدة. وبعد التجارب الأميركية الطويلة والمكلفة في العراق وأفغانستان، تبلور إجماع سياسي عابر للحزبين في الولايات المتحدة يرفض بشكل قاطع نشر قوات برية أميركية في حرب جديدة في الشرق الأوسط. غير أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبدو منفتحاً على كسر هذا المحظور — رغم انتقاده له خلال حملاته الانتخابية — عبر نشر آلاف من قوات المشاة الأميركية في الشرق الأوسط تمهيداً لاحتمال غزو أراضٍ إيرانية. لكن الأميركيين ليسوا وحدهم من قد يعيد فتح جراح قديمة في المواجهة مع إيران ووكلائها؛ إذ يعلن كبار القادة الإسرائيليين صراحة نيتهم إقامة منطقة أمنية جديدة في جنوب لبنان”.
وبحسب التقرير: “صرّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الأحد، بأن إسرائيل أنشأت “ثلاث مناطق أمنية عميقة داخل أراضي العدو”، في غزة وسوريا ولبنان، مضيفاً أنه أصدر أوامر بتوسيع المنطقة الأمنية القائمة في لبنان بشكل إضافي لإحباط تهديد اجتياح حزب الله بصورة حاسمة، وإبعاد نيران الصواريخ المضادة للدروع عن حدودنا”. ويضيف: “اليوم، تبدو إسرائيل وكأنها تنزلق مجدداً إلى ذلك المستنقع. ورغم مرور أكثر من ربع قرن على انسحابها من المنطقة الأمنية، فإنها تقاتل العدو ذاته، وبالمنطق العملياتي نفسه تقريباً، مع خطر الوصول إلى النتائج نفسها.
نشأة “المنطقة الأمنية”
ويتابع التقرير: “لم يكن القادة الإسرائيليون في ثمانينيات القرن الماضي يخططون لإقامة منطقة أمنية خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي. بل نشأت هذه النتيجة بفعل حلول ناقصة وتفكير قصير المدى، تحوّل مع الوقت إلى واقع بدا وكأنه لا يمكن تغييره. ومنذ ما قبل قيام دولة إسرائيل، أقامت القيادات اليهودية علاقات مع القرى المسيحية المارونية في جنوب لبنان. وفي سبعينيات القرن الماضي، ومع انزلاق لبنان إلى حرب أهلية متعددة الأطراف، دعمت إسرائيل الميليشيات المسيحية في مواجهتها مع منظمة التحرير الفلسطينية، وقدّمت لها السلاح، والتدريب والمساعدات اللوجستية والطبية. لكن إسرائيل استبعدت رسمياً الدخول المباشر في القتال. وقال قائد المنطقة الشمالية آنذاك، رافائيل إيتان: “لن نقاتل نيابة عنهم، بل سنساعدهم ليتمكنوا من القتال بأنفسهم”. ويضيف التقرير: “وفي عام 1978، وبعد عملية خطف حافلة إسرائيلية أسفرت عن مقتل 35 شخصاً، ردّ الجيش الإسرائيلي بعملية الليطاني التي شملت غارات جوية واسعة وتوغلاً برياً. وخلال الولاية الثانية لرئيس الوزراء مناحيم بيغن في أوائل الثمانينيات، سعت إسرائيل إلى طرد سوريا ومنظمة التحرير من لبنان، وتمكين الموارنة من السيطرة على الحكم. وبعد مئات الهجمات الصاروخية من طراز كاتيوشا على شمال إسرائيل بين عامي 1981 و1982، ومحاولة اغتيال سفيرها في لندن، أطلقت إسرائيل عملية سلامة الجليل في يونيو/حزيران 1982. حاول وزير الدفاع آنذاك أرييل شارون فرض حكومة حليفة في بيروت، لكن هذا المسعى أُحبط باغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل في تفجير عام 1982. وبعد ثلاث سنوات، ومع خروج منظمة التحرير وسوريا — وظهور حزب الله— انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية، وأبقت على “منطقة أمنية” هدفها إبعاد التهديدات عن حدودها.
وبحسب التقرير: “كان من المفترض أن يتولى “جيش لبنان الجنوبي”، وهو ميليشيا مسيحية مدعومة من إسرائيل، إدارة تلك المنطقة، مع وجود محدود للجيش الإسرائيلي. لكن مع انهيار هذا الجيش أمام هجمات حزب الله، وجدت إسرائيل نفسها منخرطة بشكل متزايد في القتال. وخلال 15 عاماً من المواجهة مع حزب الله، تكبّدت إسرائيل مئات القتلى، وترسخت صدمة جماعية استمرت حتى حلّت محلها صدمة أخرى مع هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023”.
العودة إلى لبنان
ويضيف التقرير: “في اليوم التالي لهجوم 7 أكتوبر، فتح حزب الله جبهة النار على إسرائيل. ومع تركيز الجيش الإسرائيلي على غزة، استمرت المواجهات المحدودة حتى يوليو/تموز 2024. وفي 17 سبتمبر/أيلول، انفجرت آلاف أجهزة النداء (البيجر) بشكل متزامن في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا. شكّل هذا الهجوم ضربة قاسية لحزب الله، وتلاه تصعيد شمل اغتيال معظم قياداته، بمن فيهم الأمين العام حسن نصر الله، إضافة إلى توغل بري إسرائيلي محدود في جنوب لبنان. وبعد اتفاق تشرين الثاني، أبقت إسرائيل قواتها في خمس نقاط استراتيجية داخل لبنان. ومحاولات لبنان لنزع سلاح حزب الله بقيت دون مستوى التوقعات الإسرائيلية، فيما حذّرت إسرائيل من دعم إيراني لإعادة بناء قدراته. وفي 2 مارس/آذار، دخل حزب الله مجدداً على خط المواجهة بإطلاق صواريخ نحو شمال إسرائيل، فردّت الأخيرة بإرسال آلاف الجنود إلى لبنان ضمن عملية آخذة في التوسع”.
وفي هذا الإطار، تؤكد إسرائيل أن “المنطقة منزوعة السلاح” التي تعمل على إنشائها تختلف عن “المنطقة الأمنية” السابقة، مشيرة إلى أنها ستعتمد أساساً على المراقبة والقوة النارية، مع انتشار محدود للقوات البرية. غير أنّ هذا الطرح لا يبدو مقنعاً لكثيرين، بحسب التقرير.
حدود القوة وخطر الاستنزاف
وبحسب التقرير: “يرى محللون أنّ إعادة إنتاج النموذج نفسه في الظروف ذاتها ستقود إلى النتائج نفسها. فرغم قدرة الجيش الإسرائيلي على إبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود، فإن التهديد الرئيسي — الصواريخ — سيظل قائماً، لأنها لا تعترف بالحدود ويمكنها تجاوز أي منطقة عازلة. كما أن الوجود العسكري المحدود يميل بطبيعته إلى التوسع، بسبب متطلبات الدعم اللوجستي والحماية، ما يؤدي تدريجياً إلى إنشاء مواقع ثابتة تتحول إلى أهداف مباشرة للهجمات. ومن المرجح أن يعيد حزب الله استهداف هذه القوافل في أي سيناريو مشابه. ويختصر أحد المحللين الإشكالية بقوله: “مهما كان موقع الحدود، سيظل هناك احتكاك”.
الخيارات المتاحة
وبحسب التقرير: “إقامة منطقة أمنية جديدة ليست سوى أحد الخيارات أمام إسرائيل، وليس بالضرورة الأفضل. فإلى جانب محدودية فعاليتها العسكرية، قد تخدم هذه الخطوة حزب الله سياسياً، إذ يمكن أن تعيد توحيد شرائح لبنانية حوله في مواجهة الاحتلال. خيار آخر يتمثل في استهداف البنية التحتية للدولة اللبنانية للضغط عليها لنزع سلاح الحزب، وهو ما تلمّح إليه الضربات على جسور نهر الليطاني.
لكن المشكلة الجوهرية في لبنان تبقى ضعف الدولة، ما أتاح تاريخياً لقوى خارجية استخدام أراضيه منصة لتهديد إسرائيل. في المقابل، يطالب سكان شمال إسرائيل حكومتهم بالتعامل المباشر مع التهديد، دون الاعتماد على أطراف أخرى.
ويتابع التقرير: “ثمة خيار ثالث يتمثل في شن حملة برية حاسمة تهدف إلى تدمير القدرات العسكرية لحزب الله دون السعي لاحتلال الأراضي. ورغم جهود إيران لإعادة تأهيل الحزب، تشير التقديرات إلى تراجع قدراته، حيث يقتصر نشاطه على إطلاق صواريخ متفرقة أو صواريخ مضادة للدروع، دون تطوير تكتيكات متقدمة مثل استخدام الطائرات المسيّرة على نطاق واسع. إذا لم تعتمد إسرائيل هذا الخيار، فمن المرجح أن ينتهي الأمر بوجود عسكري طويل الأمد داخل لبنان.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس قد صرّح بأن بلاده ستواصل السيطرة على منطقة أمنية حتى نهر الليطاني إلى حين إزالة تهديد حزب الله — وهو تهديد يُرجّح أن يستمر لفترة طويلة في ظل ترسانته الصاروخية”.


