ثلاثُ رواياتٍ لبلدٍ واحد

محمود وهبة – المدن

مختلفةٌ هي الرحلات في لبنان. القادم مقدَّرٌ له أن يرى ثلاثة أبواب، ثلاث جلسات، وثلاث روايات للبلد الواحد. يصلُ الموفدون إلى أيّ دولة فيجدون أمامهم باباً واحداً. يلتقون، يسمعون، ويغادرون حاملين معهم ما يمكن تسميته موقف الدولة. الأمر في هذا البلد الملعون (بتعبير محمد أبي سمرا) مختلف. لا إمكان فيه لإنتاج موقف من مكان واحد. المواقف تتكوّن من توازنات دقيقة بين مقاربات تسعى لتكون متجاورة، وأحياناً متناقضة، تعيش تحت اسم دولة واحدة.

ثلاث رئاسات تعني ثلاث شرعيات سياسية. كلُّ واحدة منها تحملُ معها شبكة علاقاتها، وأيضاً قراءتها الخاصة للعالم، ومصالحها التي لا تتطابق بالضرورة مع غيرها. هنا يُصبحُ كلُّ استحقاقٍ خارجيّ، سواء تجلى على شكل زيارة دبلوماسية أو أزمة أمنية، مناسبة لظهور هذا التعدّد وبروزه.

جهات متناحرة

لعلَّ المشكلة لا تكمن في غياب التنسيق. المسألة أعمق من ذلك بكثير. حين يستدرجُ عدوان على لبنان، أو تُفتح قنوات التفاوض على ملف، يظهر لبنان بصورته المشتتة وصوته المنقسم. جهة تتكلّم بلغة الدولة، أخرى تلوّح بلغة القوة والسلاح، ولا يُعيبُها انتظارُ إشارة من الخارج قبل أن تحدّد موقعها. هنا يرى الناظر أنّ ما هو ماثل أمامه يتخطّى فكرة التناقض البسيط أو العابر، ليصير في مصاف التباين الحاد والبنيوي الذي يصعبُ ردمه وتصعبُ معه قراءة الأحداث وتعريفها.

كثيراً ما تأتي المواقف متأخرة في لبنان، وأحياناً مبهمة، أو مزدوجة. مواقف مرتبكة فاقدة للمعاني الصحيحة التي تقوم عليها معايير الدول. القرارات السياديّة الواضحة غالباً ما تكون نتيجة تفاوض داخلي موازٍ للتفاوض الخارجي، وما يرشحُ عنها في نهاية الأمر ليس بالضرورة أن يكون هو الخلاصة التي وصلت إليها الدولة. هو بطبيعة الحال ما أمكن الاتفاق عليه بين مكوّنات الاجتماع اللبناني.

هل يمكنُ للناظر أن يتخيّل أن الدولة تحتاج إلى موافقات ثلاث لإنتاج موقف؟ ترتبطُ دائماً بالحدث وتلحقُ به، إلا أنّه يستحيل عليها أن تسبقهُ. تقعُ دوماً في خانة الشّرح والتفسير، في الوقت الذي يتعيّن عليها فرضُ سرديّتها ووجهتها. مع هذه الحيثيات يتحوّل لبنان تدريجياً إلى هامش. 

انقسام عمودي

لو أردنا أن نسأل عن الانقسام اللبناني لوجدناه مع مرور الأيام والظروف قد استحالَ شرطاً للاستمرار. أصبحَ جزءاً من التركيبة اللبنانيّة، بحيثُ يجد من يتعامل مع لبنان أنّ هذه التركيبة سهلة ويتكيّف معها. ولربما تسمحُ المعطيات بالاستثمار فيها، نظراً لما توفره من وسيلة لحماية التوازنات.

يغدو هكذا كلّ رئيس من الرؤساء الثلاثة، أكثر من ممثل للدولة. هو يمثّل أيضاً امتداداً لعلاقاتها. والكلام هنا ليس بالمعنى الاتهامي المباشر، إنما بمعناه الواقعي. هل يمكن فصل موقع الرئيس الداخلي عن شبكة الدعم التي أوصلته أو تحميه؟ قطعاً لا.  حين يتكلم رئيس من هؤلاء الرؤساء، هل نقرأ كلامه كجزء من خطاب لبناني وطني واحد؟ لا. نقرأه بوصفه إشارة للتوازنات المتحققة والتي تتم ترجمتها على الساحة عندنا.

ضاع “الشنكاش”

هنا، يبدو السؤال عن الموقف اللبناني الموحّد سؤالاً في غير مكانه، لأن هذا السؤال أساساً يفترض وجود مركز قرار واحد يمكنه أن يَحسِم، في الوقت الذي يقول الواقع إنّ القرار، لو وجد، موزَّع. وأن ما يُسمّى موقفاً هو حصيلة تقاطع صدفوي، أبعد ما يكون عن الإرادة الواحدة. 

في لبنان، دائماً ما يضيعُ اللاعبون “الشنكاش”. ولا يدرون من هو الذي يمتلك حق إعلان المواقف! بين هذا وذاك، يبقى البلد عالقاً في مساحته الرمادية السجنيّة. مفاوضات بلا قرار. ردود قائمة على ثلاثيّة ضائعة، يظهر من خلالها البلد وكأنه دائماً يشرح نفسه بأصوات ثلاثة.

الحرب الأخيرة

لو ألقينا نظرة على الحرب الإيرانية على الأراضي اللبنانية اليوم التي دخلها حزب الله في 2 آذار، لوجدنا أنّها تسيرُ أيضاً في مسار الأحداث السابقة. البلد اليوم متناحر ولا يظهر كجبهة واحدة. هو أشبه بمساحة تتنازع فيها مقاربات مختلفة لحدث واحد. يرى البعض أنّ هذه هي المواجهة المفتوحة والحاسمة. الآخر يفضِّل أن يتعامل معها كأزمة يجب احتواؤها بما أمكن. آخر بعيد يجلس على طرف الطاولة ويتريّث مفضلاً الانتظار. هكذا تنتجُ الحرب الدائرة مشهداً لبنانياً في الوقت الذي يفترض باللبنانيين أن ينتجوا موقفاً أمام العالم من شأنه احتواء الأزمة والتخفيف من حدتها.  

رغم كلّ ما تقدّم في هذا المشهد، الدولة لا تبدو غائبة بالكامل. قراراتها واضحة ولكنها ليست مركزاً وليس لها اليد الطولى. تسعى حكومة نواف سلام لأن تواكب، وتشرح وتخفف، لكنها للأسف لا تقود. كأنّ الجميع تكيّف مع فكرة أن لبنان لا يخوض حروبه كدولة واحدة.

تختبر الدول وحدتها في الحروب، عكسنا نحن في لبنان، حيث تكشف حروبنا أنّ الوحدة نفسها غير متاحة بالكامل. مع هذه الوضعية يسأل الناظر بهدوء كيف يمكن لموقف موحّد أن يولد أصلاً في بلد كهذا؟ بلدٌ تحكمه ثلاثُ روايات. نعم ثلاثُ روايات لبلدٍ واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *