كتب الدكتور مروان أبو لطيف* “الهجرة … هذا الثقب الاسود !
منذ زمن المقاعد الدراسية أحاول مقاربة موضوع الهجرة من لبنان الى اربع رياح الارض . إنها ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل العميقين . هي أشبه بنزيف دائم لمريض مصاب بفقر الدم ، يلعق دمه النازف ثم يحتفل بارتفاع عدد الكريات الحمر في شرايينه المعطوبة .
اذكر صفحة في الكتاب المدرسي للمرحلة المتوسطة على ايامنا، يشرح بسذاجة وخبث ظاهرة الهجرة واسبابها ونتائجها . بين السطور آنذاك تقرأ مديحاً لها ومباركة تكاد تلامس حدود النعمة الالهية … ولزيادة الحفر في ذاكرة التلميذ ووعيه ولاوعيه ،كان الموضوع يُطرح كثيراً كسؤال في الامتحانات الرسمية .
كانت المقاربة منذ ذلك الزمن وحتى ايامنا هذه مقاربة اقتصادية مغلفة على الطريقة الفينيقية بلبوس حضاري . لكن مع نشوب الحرب المسماة “أهلية ” عام ١٩٧٥ ، اتخذت الهجرة منحى جديداً اشد خطورة بكثير وتحولت الى حالة هروب جماعي متعدد الاسباب ( أمني ، ديني ، مذهبي ، اقتصادي ، سياسي وحتى فكري … )، ثم توالت الايام والسنون لتتكشف بعد نهاية الحرب المأساة الكبرى حيث لم يعد الى ربوع وطن الأرز معظم الذين تركوه قسراً ، بل هم استقروا حيث هم ، واسسوا اعمالهم وبنوا عائلاتهم وغلفوا ذاكرتهم المكلومة بالرومانسية والحنين .
بالمقابل وجدت المنظومة القابضة على تلابيب الوطن بشقيها الداخلي (الطائفي – عشائري )،
والخارجي (الإقليمي والدولي ) ضالتها في الهجرة . معادلة مربحة جداً : يهاجر اللبناني ، يرسل أموالاً ، ينتعش الاقتصاد ، تمتلئ البنوك ، فنسرق ونهدر ونغتني ، ثم تدور الحلقة المفرغة من جديد !
طبعاً للمعادلة هذه “ايجابيات” اخرى لصالح “الدولة العميقة” ، اذا صح استعمال هذا المصطلح (في ظل غياب الدولة والعمق معاً )، وتتمثل بالتخلص “النظيف ” من النخب التي هي ملح الارض ، ومن المتنورين الذين هم خميرة التغيير ، ومن كل الذين لا يتماهون مع السائد او يحاولون تغييره …
ولتحسين الصورة وتلميعها في الشكل عمدت وسائل الاعلام ومَن خلفها ، الى استعمال كلمة الانتشار بدل الهجرة ، والمنتشرين بدل المغتربين … والهدف واضح في الاستثمار السياسي والانتخابي والاجتماعي والنفسي للظاهرة ، ولا يخفى على اي نبيه .
… ويطول الحديث عن الهجرة . أجيال ترحل ولا تعود ، شباب متعلم وعقول نيرة وأدمغة واعدة وأياد ٍ عاملة مطلوبة ، تهاجر بحثاً عن لقمة العيش ورفاهية العيش وكرامة العيش ، عن مستقبل واعد وواضح ، تبنيه خلف الجبال والبحار … هناك تتكاثر العائلات ، ينشأ الجيل الاول ، الذي قد يعود بصفة سائح ، ثم الجيل الثاني الذي لا يعود ، ثم الجيل الثالث الذي لن يعود … هنا تنتهي اللعبة لتبدأ فصولها من جديد.
لكأننا اصبحنا ماكينة تشبه فقاسة البيض ، تصنع الافراد وتؤهلهم وتنفق على اعدادهم الكثير من العناء والمال والجهد والتعب ، ثم تصدرهم بضاعة جاهزة برسم استرجاع ارباح هذا الاستثمار اللعين … ولو بعد حين .
… ثم تسمع بعد كل هذا صوتاً واقعياً ومحقاً وجديراً بالاصغاء : دعه يرحل من هذا البلد ، دعه ينطلق ! وربما قد تسمع ما هو اقسى : دعه يهرب من هذا المستنقع ، دعه ينجو من هذا الجحيم المتكرر ، دعه يتحرر من هذا البؤس !
الهجرة يا صديقي ! وما ادراك ما الهجرة؟ . هذا الثقب الاسود الذي يبتلع شبابنا واحلامنا ومستقبل اجيالنا …
أما عن الغربة ، فلا كلام سواء هاجرت ام لم تهاجر ، فأنت فيها في الحالتين !
*مروان ابو لطيف طبيب وكاتب












