على عتبة العصر الحجري

ساطع نورالدين

بدلاً من ان يُعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب موعداً لوقف النار، كما كان متوقعا، طلب مهلة أسبوعين او ثلاثة لإكمال المهمة التي لم تُنجز طوال الشهر الماضي من الحرب التي وصفها بأنها أقصر الحروب التي تخوضها أميركا منذ الحرب العالمية الثانية..والتي باتت تشمل الآن “إعادة إيران الى العصر الحجري، حيث تنتمي”.
الاستنتاج الأول، الذي قد يكون سابقاً لأوانه بعض الشيء، هو ان ترامب فقَد إحتكاره المفترض لقرار الحرب والسلم معا، أمام إيران التي لا تزال قيادتها المكرسة لحرسها الثوري، تقاتل، وترفض الاستسلام، وتنكر الخسائر والاضرار التي لحقت بها، وبينها ان الشعب الإيراني يقف على عتبة الجوع والفقر الشديد، ويشاهد بأم العين السلوك اليائس للنظام الذي يصادر شوارع الاحتجاج في طهران وبقية المدن الكبرى ويحرسها بمسيرات ليلية مؤيدة يشارك فيها رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان شخصياً وكبار المسؤولين غير المدعوين او غير المهتمين بالذهاب الى جبهات القتال.
ولعل هذا السلوك الليلي، المرفق بقطع التواصل بين المدن الإيرانية وحجب الانترنت في مختلف انحاء البلاد منذ شهر تقريبا، هو أهم مناورات الحرب، التي تخفي أي صوت إيراني معارض، عدا ما يتسلل في الخفاء الى الخارج، ولا ينتشر في الداخل، حيث لم تتح الفرصة حتى الان لغالبية الإيرانيين بالتعرف على مرشدهم الجديد، والعليل، وقيادة الحرس المحاربة العائدة للتو، كما يبدو، من جبهات الحرب العرافية الإيرانية الأولى، لا سيما منهم قائد الحرس الجنرال أحمد وحيدي، الذي يدير البلاد، وفق النمط الكوري الشمالي الذي يعرفه جيدا جدا، وعلى طريقة الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي يرهن منطقة شرق آسيا منذ عقدين من الزمن لنزعاته واهوائه وتجاربه النووية.
والحال أنه لا يبقى من قراءات الحرب، سوى ما يرد من وراء خطوط الجبهة الاميركية الإسرائيلية، التي يحكمها الآن ثنائي مصاب بجنون العظمة أيضاً، يقاتلان كرجل واحد، بخلفيات وتطلعات متباعدة: ترامب الذي تخونه اليوم استطلاعات الرأي أكثر من أي رئيس أميركي في زمن الحرب، وتمنحه تأييد 35 بالمئة من الاميركيين، وتجرده أسواق المال والنفط وأسعار الاستهلاك الداخلي، من أسباب قوته وشرعيته، ونتنياهو الذي لا تزال استطلاعات الرأي تدعمه بأكثرية تفوق الثلثين وتناشده المضي قدما في القتال حتى النهاية.
لا حاجة الى التوقف عند الأكاذيب التي ساقها ترامب في خطابه الى الامة مساء أمس. فالاعلام الأميركي لم يقصر في مهمة فضح زيف ذاك الخطاب، بوقائعه وأرقامه وتحليلاته، ووعوده المستحيلة.. التي لا يمانع كثيرون من الاميركيين ان تشمل وضع إيران على عتبة العصر الحجري، التي تقف عندها الان فعلاً، لكنهم لا يصدقون ان إيران كانت ستنتج قنبلة ذرية او صواريخ باليستية تهدد الأراضي الأميركية نفسها.. مع أنهم يلاحظون فقط ان الشهر الأول من الحرب أسفر عن تزايد أسعار السلع في الأسواق الأميركية بنسبة تزيد على ثلاثين بالمئة.
خلاصة الشهر الأول، لم تكن واعدة أيضاً بالنسبة الى الاميركيين والإسرائيليين، في ضوء الهيمنة الإيرانية المباشرة على مضيق هرمز، وعلى حركة الملاحة في مياه الخليج العربي، والتي لا يعرف أحد في العالم كله، كيف ولماذا سمح الجيشان الأميركي والإسرائيلي، بهذا التحول في موازين القوى الإقليمية والعالمية..أو لماذا ينادى ترامب الصين الآن لكي تساهم في فتح المضيق والحصول على نفوذ وحضور عسكري بحري دائم في مياه الخليج العربي، لم يحلم به السوفيات ولا الروس يوما !
كان ترامب متواضعاً في خطاب النصر الليلة الماضية، بالمقارنة مع جورج بوش الابن الرئيس الأميركي الاسبق الذي خاض آخر حرب خليجية في العام 2003، دامت حسب تعبيره، “ثماني سنوات وثمانية أشهر وثمانية وعشرين يوماً”. تعهد بأن هذه الحرب ستكون أقصر بكثير.. لكن المرجح الآن أن العودة الى العصر الحجري-النووي، سيتطلب أكثر من أسبوعين او ثلاثة.
بيروت في 2 / 4 / 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *