ترامب القوي الخاسر: إيران ترتدّ بهجومها وإسرائيل تواصل حربها

كيف يمكن للقوي أن يخسر؟ باختصار يمكنه أن يقرأ ما فعله دونالد ترامب على مدى 6 أسابيع في إيران، ويؤلف كتاباً عن الفشل والخسارة لتدريسه للأجيال. وباختصار أكثر هو الدخول إلى حرب بلا هدف واضح. هذا بالضبط ما فعله ترامب، لحظة إعلانه الحرب على إيران ولحظة إعلانه وقفها. كل الادعاءات التي قدمها حول تحقيق الأهداف غير صحيحة أو دقيقة. فلا الدفاعات الإيرانية دمّرت، ولا القدرات العسكرية انتهت، والدليل مواصلة إيران إطلاق الصواريخ وتنفيذ العمليات حتى ما بعد وقف النار. أما إن كان الهدف إسقاط النظام الإيراني فلم يسقط، وبحال كان الهدف هو النووي واليورانيوم المخصب بدرجة عالية، فالمسألة أعيدت إلى طاولة المفاوضات التي كانت قائمة في الأساس قبل الحرب. لم يحقق ترامب قوة أميركا، لم يتمكن من فرض الأمن العالمي، وجد نفسه وحيداً، بعيداً عن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، وقد خاض حرباً لأسابيع انتهت إلى فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب. ربما يكتشف ترامب خسارته لاحقاً، وربما تبرزها أمامه حملات انتقاد كثيرة داخل أميركا، ومحاولات إسرائيلية كثيرة لدفعه إلى التراجع عن الاتفاق وتخريبه وربما استخدام قوة عسكرية أكبر. 

إيران أقوى!

قبل الحرب كان هناك رأي عام إيراني واسع معارض للنظام، وكان هناك تنازع على السلطة بين المعتدلين الإصلاحيين والمحافظين والحرس الثوري، وكانت إيران منهكة اقتصادياً وتعيش شبه عزلة دولية. جاء ترامب ومنح طهران مفتاح العالم الاقتصادي والرئة الطاقوية، ووحّد الشعب الإيراني كله خلف نظامه، لتخرج إيران من الحرب أقوى، بينما منطقة الشرق الأوسط كلها أضعف، خصوصاً في ظل الاعتداءات التي نفذتها إيران ضد دول المنطقة. كما أسهمت الحرب في فتح جروح عميقة كانت هناك مساع لبلسمتها، لكنها فتحت مجدداً على قروح كثيرة، وعادت الجغرافيا لتحكم العالم. وبالتأكيد أن ثمن كل هذه الخسائر ستدفعها دول المنطقة، بدءاً من إيران التي تهشم اقتصادها، وتدمرت بناها التحتية، وتعرضت لضربات هائلة جداً أعادتها سنوات إلى الوراء، وصولاً إلى دول الخليج، وبالتحديد تلك التي كانت تطمح لمشاريع ورؤىً اقتصادية بعيدة المدى، وقد وجدت نفسها منشغلة بالبحث عن ضمان الأمن والاستقرار، وكيفية حماية منشآت النفط وإمدادات الطاقة، وسيكون هناك حاجة لسنوات لإعادة ترميم الاقتصادات والمشاريع. 

من ربح في هذه الحرب هو الحرس الثوري الإيراني بفرض رؤيته وتوازناته على إيران والمنطقة، التي ستبقى قائمة لفترة طويلة. لا يمكن للحرس الثوري الإيراني التخلي عن مسألة وقف إطلاق النار في لبنان وكل المنطقة. فالربح الاستراتيجي لإيران ومشروعها هو من خلال العلاقة مع الحلفاء والحفاظ عليهم. لذا فإن المصلحة الاستراتيجية لدى الحرس الثوري هي الحفاظ على الحلفاء في الإقليم. فالأسلحة الإيرانية من صواريخ ومسيرات، لديها مفعول على مستوى إلحاق الضرر بالمنطقة يوازي مفعول حاملات الطائرات. فطهران لم تغلق مضيق هرمز بحاملات طائرات، بل بزوارق حربية صغيرة، واستهدفت كل دول المنطقة بصواريخ ومسيرات ذات كلفة منخفضة جداً، وهي التي تشكل عنصراً فعالاً لإبقاء صفارات الإنذار في حالة دوي دائمة في إسرائيل وتمنع استقرارها

تمسّك بالحلفاء

وما تتمسك به إيران هو الحفاظ على القدرات العسكرية للحلفاء، خصوصاً لحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن على البحر الأحمر الذين يمسكون بقبضتهم باب المندب. وفي حال أصر الحرس الثوري الإيراني على المحافظة على مشروعه، فلا بد له أن يفكر في العمل على اختراق ساحات جديدة، أو هز استقرار دول. وهنا لا بد من التركيز على العراق ولبنان، ولا يمكن إغفال سوريا التي بالتأكيد سيسعى الإيرانيون إلى إعادة خلق قواعد اشتباك جديدة فيها. كل ذلك أربك المنطقة وسيربكها أكثر، خصوصاً في ظل تمسك إيران بدعم حلفائها، ولا سيما في لبنان والعراق. وفي حال تمكنت من ذلك فهي ستعمل على تغيير توازنات لن تكون متماشية مع الترتيبات التي عملت واشنطن على إرسائها مع توازناتها الخاصة، وهو سينعكس على سوريا.

ربح الحرس الثوري المعركة، سواء داخل إيران أو حتى خارجها، من خلال الضوابط والقواعد التي فرضها على المجتمع الإيراني والمؤسسة السياسية وعلى مضيق هرمز وما له من تداعيات على العالم. اختيار إيران لقاليباف كمفاوض للأميركيين في باكستان، يعني أن الحرس الثوري هو الذي جلس إلى الطاولة، بعد أن كانت أميركا في السابق تفاوض الإصلاحيين، وتعمل على إعادتهم إلى السلطة، وفي دفتر شروطها سبق وطالبت بتعزيز صلاحياتهم على حساب تقويض صلاحيات الحرس. 

الحرس الثوري  يفرض شروطه

وأكثر من ذلك، عمل الحرس الثوري على فرض شروطه لما بعد وقف النار، من خلال ربطه بوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، والتلويح بعدم المشاركة في مفاوضات باكستان في حال واصلت إسرائيل الحرب، كما هدد الحرس بضرب أهداف عسكرية ضد إسرائيل. بينما تحاول أميركا الضغط على إيران للقبول بفصل الملفات، وترك لبنان في عين العاصفة، أو جعله متروكاً بين يدي بنيامين نتنياهو الذي بالتأكيد تلقى خبر وقف الحرب بحالة غضوبة وهستيرية، لم تتأخر حتى تفجرت في بيروت. تصر إيران على وقف النار في لبنان، وفي حال نجحت في ذلك ستكون قد كرّست نفوذها وسطوتها، بينما تصرّ إسرائيل على مواصلة الحرب بلا قدرة واضحة على تحقيق الأهداف المتصلة بسحب سلاح الحزب. بناء عليه سيبقى لبنان في عين عاصفتين، الأولى اسرائيلية والثانية داخلية بنتيجة الانقسام الحاد الذي يمكنه أن يتفجر في أيَّة لحظة.

هل يفشل الاتفاق؟

والأخطر على لبنان ليس الحرب بل ما بعدها، وما كرسته، إذ خرجت الدولة اللبنانية كلها من المعادلة، إما من خلال تفاوض إيران عنها وعليها، ومع الأميركيين حصراً، أو من خلال ما ستفرزه نتائج الحرب ومفاوضاتها، وكيف ستنعكس على التوازنات الداخلية وبنية النظام السياسي. فإيران تريد أن تحمل لبنان ملفاً ضمن ملفاتها، حرباً أو سلماً، وإن جلبت السلم، سيكون له ثمن في السياسة، وحتى إن كان المقابل هو تسوية سياسية كبرى غايتها لاحقاً حصر السلاح بيد الدولة، لأن ثمنه سيكون على مستوى التركيبة الداخلية وتوازناتها، خصوصاً أنه في اللحظة التي سيُعلن فيها وقف الحرب على لبنان، سيتحرك حزب الله على الجبهة الداخلية لتغيير موازين القوى السياسية، إما سياسياً أو شعبياً أو حتى أمنياً. وهذا سيدخل لبنان في حالة فوضى وانفجار، أو بالحدّ الأدنى سيعيده ساحة اشتباك مفتوحة أميركية إيرانية أو إسرائيلية إيرانية، مع غياب كامل للدولة ومؤسساتها، وغياب أيضاً للتأثير العربي. وبذلك ستكون أميركا قد خسرت كل ما حاولت بناءه في السنوات الماضية. لكل أسباب الفشل هذه، وما سيستنتجه ترامب ويكتشفه، يمكن للاتفاق أن يسقط، ويمكن لنتنياهو أن يتسلل مجدداً إلى شرر ترامب لتجديد الحرب.  

منير الربيع – المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *