كتب ابراهيم ريحان في موقع أساس ميديا
اتّفاقٌ مترنّح عنوانه “هدنة” بين الولايات المتّحدة وإسرائيل مع إيران، لم تتّضح معالمه بشكلٍ كامل. يلفّ الغموض تفاصيل الاتّفاق التي تهدّد بانهياره في أيّ لحظة. يكمن الغموض الأبرز في الجبهات التي يتضمّنها وقف النّار، فهل لبنان منها أم لا؟
الأصل في الإجابة على هذا السّؤال، هو ما قاله الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب إنّ لبنان لم يكن ضمن اتفاق الهدنة، لكنّه مستعدّ لبحث هذه المسألة. كلام ترامب يناقض ما نقله المسؤولون الإيرانيّون وفي مقدّمهم الرّئيس مسعود بزشكيان الذي أكّد أنّ النّقاط الـ10 التي وافق عليها ترامب تتضمّن ذلك. وفي الوقت عينه كان المسؤولون الباكستانيّون يؤكّدون ذلك ومصادر تركيّة دبلوماسيّة لـ”أساس”.
هذا يعني أنّ ترامب يستعمل ورقة لبنان للمناورة مع إيران تفاوضيّاً. بكلامٍ آخر هو لا يريد أن يُرسِّخَ لإيران مبدأ “وحدة السّاحات” التي حاولت إعادة تثبيتها بعد تفكيكها منذ ما بعد السّابع من أكتوبر 2023، وحاولت في هذه الحرب إعادتها للحياة عبر ربط الجبهات بإطلاق النّار ووقفه.
لكنّ الأكيد أيضاً أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو حاول صياغة “فصل الجبهتيْن” بأعنف هجومٍ تشهده العاصمة بيروت منذ اجتياح 1982، والذي أسفر عن مئات الشهداء والجرحى. ما شهدته العاصمة عصر أمس الخميس يمكن قراءته باحتمالٍ من الآتي:
- أن يُحاول نتنياهو الالتفاف على “الهدنة الباكستانيّة” لجرّ الحزب في لبنان وفصله عن إيران. وبالتالي التهرّب من الضّغط الدّاخلي الذي تمارسه المعارضة الإسرائيليّة ضدّ الحكومة، حيث حمّلتها مسؤوليّة ما سمّته “الفشل في تحقيق الأهداف في إيران”.
- أن يُحاول تخريب الاتفاق بشكلٍ كامل ومحاولة إعادة الولايات المتحدة إلى المواجهة عبر جرّ إيران إلى إغلاق مضيق هرمز أو معاودة قصف إسرائيل. وهذا يعني أنّ نتنياهو يريد من الرّئيس دونالد ترامب تنفيذ ما كان يلوّح به في السّاعات التي سبقت إعلان الهدنة بضربِ البنى التحتيّة ومنشآت الطاقة الإيرانيّة.
قبلت إيران في المفاوضات أن يبدأ لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وأن يُبحثَ فيها مصير سلاح “الحزب”، على أن يكونَ البديل عن السلاح هو الاقتصاد
الاقتصاد بديل السلاح؟
يُدركُ رئيس الوزراء الإسرائيليّ أنّ ذهابه إلى الانتخابات التشريعيّة في تشرين الثاني المُقبل من دون إنجازٍ فعليّ في إيران يتعلق بمخزون اليورانيوم أو إنهاء برنامج الصّواريخ الباليسيتيّة أو إسقاط النّظام، الذي لم يسقط بقتل علي خامنئي، سيجرّ عليه نتائج لا يُريدها بعد 3 سنوات من الحروب المتواصلة.
كما أنّه لا يخدمه سيّاسيّاً ما حصلَ على الجبهة اللبنانيّة من ظهور الحزب بصورةٍ مغايرة للتي سوّقتها القيادة الإسرائيلية من نتنياهو إلى وزير دفاعه يسرائيل كاتس عن ضعفه عسكريّاً وأنّه غير قادر على القتال وتهديد سُكّان الشّمال. وبالتالي فهو يحاول أن يفتحَ هوّةً في الجدار لـ”استكمال المهمّة” قبل أن ترتدّ عليه داخليّاً، وبالتالي على مصير مستقبله السّياسيّ.
يؤكّد أكثر من مصدر لـ”أساس” أنّ الاتّفاق يشمل الهدنة على الجبهة اللبنانيّة، على أن تنطلق في الأسبوعين المقبلين مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تبحث الترتيبات الأمنيّة مقابل خروج الجيش الإسرائيليّ من المناطق التي يحتلّها على عمق 10 كلم في الأراضي اللبنانيّة.
لذلك أعلن رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو أنّ لبنان ليسَ ضمن الاتّفاق، لأنّه بحاجة إلى أيّام قليلة لتثبيت المواقع التي دخلها في جنوب لبنان، وبالتالي إذا تدخّل ترامب مجدّداً لإنقاذ الاتّفاق مع إيران، فسيعود لبنان إلى فترة ما قبل 29 شباط، موعد دخول “الحزب” الحرب.
من هذا المنطلق، سيعود لبنان إلى قواعد الاشتباك التي كانت مرسّخة في فترة الـ15 شهراً التي تلت اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة، مع عدم عودة سكّان القرى المحتلّة، وترك حرّيّة الحركة لإسرائيل في لبنان باستثناء الضاحية الجنوبيّة، مع بقاء الاغتيالات على حالها.
لكنّ لبنان أيضاً قد يكون مدخل تفجير الاتّفاق بين ترامب وإيران. إذ إنّ استمرار الضربات الإسرائيليّة قد يدفع إيران إلى استئناف ضرباتها على إسرائيل، وهو ما يفتح المجال أمام ترامب إمّا للعودة إلى القتال، أو التدخّل كما فعل مع نهاية جولة الـ12 يوماً في حزيران الماضي، أي أن يتحوّل من طرفٍ إلى وسيطٍ.
في هذا الإطار، علم “أساس” أنّ دوائر القرار في واشنطن بدأت بدراسة رصد مبالغ ماليّة لدعم الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة ومؤسّسات الدولة، بما في ذلك تلك الموجودة في القرى الحدوديّة مع إسرائيل، لتكون نوعاً من الضمانات لأيّ مفاوضات مباشرة بين بيروت وتل أبيب.
من المُرتقب أن تبدأ المفاوضات يومَ غدٍ الجمعة، على أن يرأس الوفد الأميركيّ نائب الرّئيس جي. دي. فانس، ويشاركه المبعوث الأميركيّ ستيفن ويتكوف وصهر الرّئيس الأميركيّ جاريد كوشنر
إلى ذلك قبلت إيران في المفاوضات أن يبدأ لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وأن يُبحثَ فيها مصير سلاح “الحزب”، على أن يكونَ البديل عن السلاح هو الاقتصاد، أي أن تكون لـ”الحزب”، ومن خلفه إيران، حصّة في النفوذ الاقتصاديّ عوضاً عن النفوذ السيّاسيّ – العسكريّ.
لكنّ هذا المسار طويلٌ ولا يُحسم في يومٍ وليلة، بخاصّة أنّ طهران تريد مخرجاً للسّلاح يحفظ ماء الوجه، مثل “الاستراتيجية الدّفاعيّة” التي لم تخُض في تفاصيلها، تاركةً هذه التفاصيل للدّاخل اللبنانيّ.
قاليباف والمطالب
من المُرتقب أن تبدأ المفاوضات يومَ غدٍ الجمعة، على أن يرأس الوفد الأميركيّ نائب الرّئيس جي. دي. فانس، ويشاركه المبعوث الأميركيّ ستيفن ويتكوف وصهر الرّئيس الأميركيّ جاريد كوشنر. سيرأس الوفد الإيرانيّ رئيس البرلمان محمّد باقر قاليباف ويشاركه وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي.
تُعتبر مشاركة قاليباف بحدّ ذاتها أوّل انخراطٍ مباشرٍ للحرس الثّوريّ الإيرانيّ في التفاوض. وهو موكل ومفوّض من المرشد مجتبى خامنئي ومؤسّسة الحرس والدّولة العميقة، ما يعني أنّ أيّ اتّفاقٍ قد يُتوصّل إليه مع الولايات المتّحدة سيكون مختلفاً تماماً عن اتّفاقِ 2015، وسيكون أمتن، وذلك إذا حصلَ الاتّفاق، بخاصّة أنّ الجانبين لا يزالان متمسّكين ببعض المطالب العالية السّقف.
يقول مصدر إقليميّ لـ”أساس” إنّ أكثر ما يهمّ إيران في الهدنة هو الآتي:
- ترسيخ نفوذها على مضيق هرمز والتحكّم بمسار حركة الدّخول والخروج منه.
- أن يشمل الاتّفاق وقفَ إطلاق النّار على جميع الجبهات وأولاها لبنان.
- ضمان أن لا تُستأنف الهجمات على إيران بعد مهلة الأسبوعين المحدّدة للتفاوض.
- الاعتراف بحقّها بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، على أن يجري التفاوض على نسبة التخصيب في المفاوضات التي ستستضيفها باكستان.
- أن يشمل أيّ اتّفاقٍ رفعاً كاملاً للعقوبات عن إيران.
- دفع تعويضات لإيران عن كلفة الحرب.
يكشف المصدر أنّ إيران طلبت أن تكونَ التعويضات غير مباشرة، أي أن تكونَ:
- إمّا على شكلِ رفع كامل العقوبات عنها بقرارٍ واحدٍ وإعطائها حرّية الوصول إلى أرصدتها الماليّة وإعادة مصرفها المركزيّ ومصارفها المحلّيّة إلى نظام SWIFT العالميّ ورفع حظر بيع النّفط والغاز. وهذا ما سيدرّ على إيران مئات مليارات الدولارات في وقتٍ قصيرٍ جدّاً.
- الخيار الثاني فرض رسومٍ على حركة دخول وخروج ناقلات النفط من هرمز، بمبلغ مليونَيْ دولار للناقلة الواحدة، تتقاسمها مع سلطنة عُمان، أو فرض رسم 2% من نسبة الحمولة.
- الخيار الثالث هو إنشاء صندوق استثماريّ تشارك فيه الحكومة والشّركات الأميركيّة لإعادة الإعمار والاستثمار في إيران.
في المقابل يصرّ ترامب على إخراج كميّة اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% وما فوق من الأراضي الإيرانيّة، ووقف التخصيب، ووقف البرنامج الصاروخيّ البالستيّ ودعم الوكلاء. هذا يعني أنّ جميع الأطراف لا تزال في المُربّع الأوّل لما قبل 28 شباط 2025، موعد بدء الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران.


