رسائل إسرائيلية من جبل الشيخ إلى المصنع.. البقاع بعين الخطر؟

نادر حجاز – الترا صوت

شهدت منطقة البقاع الغربي تصعيدًا إسرائيليًا كبيرًا في اليومين الماضيين، تمثّل باستكمال قطع أوصال القرى التي تشكّل امتدادًا جغرافيًا طبيعيًا إلى جنوب الليطاني من جهة قضاء حاصبيا، واستهداف جسرين أساسيين بين بلدتي مشغرة وسحمر، وارتكاب مجزرة في الأخيرة جرّاء غارة على مسجد خلال خروج المصلّين منه.

الشريان اللبناني السوري

بالتزامن، اتجهت الأنظار في الساعات الماضية إلى معبر المصنع الحدودي، الذي يُعتبر شريان الحياة الأساسي بين لبنان وسوريا، حيث وجّه الجيش الإسرائيلي، ليل السبت-الأحد، تحذيرًا عاجلًا للمتواجدين في منطقة معبر المصنع وإلى جميع المسافرين على طريق (M30)، وذلك في أول حالة من نوعها منذ بدء الحرب، وفي رسالة مزدوجة لكل من البلدين.

وبرّر الجيش الإسرائيلي إطلاق هذا التحذير، زاعمًا “استخدام حزب الله لمعبر المصنع لأغراض عسكرية ولتهريب وسائل قتالية”.

إلا أن الضربة التي هدّدت بتداعيات كارثية، لا سيما اقتصاديًا واجتماعيًا، على دمشق وبيروت، لم تحصل خلافًا للإنذارات السابقة التي يوجّهها الجيش الإسرائيلي قبل تنفيذ هجماته، لتكشف هيئة “البث الرسمية” الإسرائيلية، ليل الأحد، أن “واشنطن طلبت من تل أبيب تعليق الهجوم على معبر المصنع”.
ويأتي التدخل الأميركي بعد سلسلة اتصالات من الجانبين اللبناني والسوري، وربما تكون الضغوط السورية أكثر فعالية، وهي التي أدّت إلى تجميد العملية. إلا أن أي ضمانات رسمية لم ترد، أقلّه إلى الطرف اللبناني، وقد ينفذها الإسرائيلي في أي وقت.

توسيع بنك الأهداف

لا يمكن فصل هذا التهديد المؤجّل عن القرار الإسرائيلي بتعميق العمليات في لبنان، وتوسيع بنك الأهداف، لا سيما في البقاع، من أجل إرساء واقع ميداني جديد يقوم على عزل منطقة جنوب الليطاني أكثر فأكثر وقطع خطوط الإمداد.

وتشكّل الحدود الشرقية بين لبنان وسوريا هدفًا أساسيًا، في ظل الادعاءات الإسرائيلية بأنها لا تزال تُستخدم لنقل السلاح إلى حزب الله، ما يفسّر الإنزالات التي نفذتها إسرائيل في أكثر من نقطة، وتمسكها بجبل الشيخ الذي يشكّل نقطة استراتيجية من الصعب التخلّي عنها، وقد أعلن ذلك صراحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة: “أننا لن نترك حرمون”.

أي سيناريو للبقاع؟

يبدو، إذًا، أن البقاع لن يكون بمنأى عن العملية العسكرية الإسرائيلية، فأي سيناريو قد تكون تل أبيب تخطط له هناك؟

يشير الملحق العسكري السابق والكاتب في الشؤون العسكرية والاقتصادية العميد وليد شيا، في حديث لموقع “الترا صوت”، إلى أن “المعطيات الميدانية تكشف عن انتقال إسرائيل إلى مرحلة أكثر تنظيمًا في إدارة المعركة، تقوم على تفكيك مسرح العمليات مع حزب الله بدل السيطرة ميدانيًا مؤقتًا، في مقابل مواجهة قتالية مرنة يعتمدها حزب الله من خلال مجموعات صغيرة مستقلة”.

ويضيف: “في البقاع، لا تبدو إسرائيل في وارد التوجّه نحو احتلال برّي واسع في المرحلة الحالية، رغم توافر قدرات ميدانية إضافية بعد تخفيف الضغط في القطاع الشرقي واقتراب حسم معركة الخيام، إلى جانب جهوزيتها في محور جبل الشيخ ووجود فرق احتياط كافية. فبدل ذلك، يُرجّح أن تعتمد سيناريو “العزل الناري” في الوقت الحاضر، من خلال استهداف خطوط الإمداد بين الجنوب والبقاع، وضرب العقد اللوجستية من طرق وجسور ومخازن ومراكز اتصال، والضغط على البيئة الحاضنة للنزوح عن مناطقها. الهدف هو فصل الجبهات ميدانيًا ومنع انتقال الدعم البشري والعسكري، ما يضعف القدرة على الإسناد المتبادل، ويحوّل كل منطقة إلى ساحة اشتباك مستقلة، تمهيدًا لاستكمال العمليات في القطاعين الأوسط والغربي وتشكيل المنطقة العازلة المرجوة”.

مرحلة “العزل والتهيئة”

في هذا السياق، يمكن فهم الاستهدافات الأخيرة في قرى البقاع الغربي، ويعتبر شيا أن “تكثيف القصف واستهداف شبكات الطرق يندرج ضمن مقاربة عسكرية تقوم بها إسرائيل على “تفكيك البيئة العملياتية” للحزب، عبر عزل القرى عن بعضها البعض وشلّ الحركة الداخلية من خلال تدمير الجسور تحديدًا، بما يحدّ من القدرة اللوجستية ويحوّل المنطقة إلى مسرح عمليات مجزّأ يمكن التحكم به ناريًا واستخباراتيًا. ويُقرأ هذا النمط من الاستهداف على أنه يهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الميدانية المحتملة، أبرزها:

  • عزل الجغرافيا المحلية: فصل القرى والبلدات عن محيطها لتقييد الحركة والإمداد، خصوصًا في مناطق موالية أو حاضنة لحزب الله ويُعتقد بوجود نشاط فيها.
  • إضعاف البنية اللوجستية: تعطيل الطرق الرئيسية والفرعية بما يحدّ من قدرة النقل والمناورة الميدانية وحرية الحركة.
  • تمهيد استخباراتي وعملياتي: تهيئة بنك أهداف أوسع عبر تحسين جمع المعلومات الميدانية تمهيدًا لاستهدافات أدق لاحقًا أو توغل محتمل مستقبلًا.
  • ضغط ميداني متدرّج: فرض وقائع أمنية وديموغرافية جديدة من دون الحاجة إلى توغل بري واسع في المرحلة الحالية.

وبصورة عامة، يعكس هذا الأسلوب انتقالًا إلى مرحلة “العزل والتهيئة” أكثر من كونه حسمًا ميدانيًا فوريًا، مع إبقاء هامش التصعيد مفتوحًا وفق تطورات الميدان”.

إنزال جبل الشيخ

أصبحت منطقة البقاع مسرحًا مفتوحًا على سيناريوهات عدة لا تنفصل عن التطورات الميدانية في الجنوب، واحتمال اتجاه إسرائيل إلى تنفيذ التفاف من جهة البقاع الغربي باتجاه نهر الليطاني، لفرض كماشة عسكرية تزيد من الحصار والضغط من أجل حسم سريع في العمليات البرية.
تستثمر إسرائيل وجودها في جنوب سوريا كعمق أمني لها، لجعله منطلقًا لمخططاتها التوسّعية وتنفيذ عمليات من الجنوب السوري إلى البقاع والجنوب اللبناني.

وكان الجيش الإسرائيلي قد نفذ عملية عبر جبل الشيخ من الجانب السوري إلى جنوب لبنان، وصفها بـ”نشاط عابر للحدود”، حيث “أنجزت قوات وحدة رجال-الألب تحت قيادة لواء الجبال (810) العملية، وتخلّلها عبور عناصر من قوات رجال الألب، وحدة الألبينيست، الحدود من خلال التسلق في الثلوج”، بحسب بيان صادر عنه.

فماذا يمكن أن نفهم من هذه العملية؟ وأي رسائل أراد الإسرائيلي إيصالها منها؟

يقول العميد شيا: “يحمل إنزال جبل الشيخ دلالات عسكرية تتجاوز الحدث التكتيكي، إذ يؤكد القدرة على تنفيذ عمليات خلف الخطوط، واستثمار تفوق استخباراتي يسمح بضرب أهداف نوعية، إلى جانب توسيع هامش العمل انطلاقًا من الجبهة السورية. ومن المرجح أن يتكرر هذا النمط، لكن ضمن عمليات محدودة ودقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وباختصار، الرسائل العسكرية واضحة:

إظهار القدرة على العمل خلف الخطوط: تأكيد التفوّق الاستخباراتي والقدرة على الوصول إلى نقاط حساسة ومرتفعة.

التحكّم بالنقاط الاستراتيجية: فجبل الشيخ يُعد عقدة مراقبة نارية وإلكترونية تطل على مساحات واسعة من لبنان وسوريا.

الردع والضغط النفسي: توجيه رسالة بأن العمق لم يعد محصّنًا بالكامل.”
“عيون الأمة”

يُشار إلى أن إسرائيل تسيطر، منذ سقوط نظام بشار الأسد، على الجبل الأعلى في الشرق الأوسط، على ارتفاع 2814 مترًا، واختارت أن تطلق عليه اسم “عيون الأمة”، لأن ارتفاعه يجعله مكانًا استراتيجيًا لوضع نظام الإنذار المبكر الاستراتيجي الأساسي لها.

وتعني سيطرة إسرائيل على حرمون، الذي تلتقي فيه ثلاث دول هي فلسطين وسوريا ولبنان، التحكّم بأهم مصدر للمياه وبأهم نقطة مراقبة استراتيجية في المنطقة، إضافة إلى البعد الديني، حيث ذُكر جبل الشيخ في النصوص الدينية اليهودية أكثر من 70 مرة، مما يمنحه أهمية عقائدية لدى اليهود، حيث يتم استغلال هذا المنحى الديني لتبرير المشروع التوسّعي لتحقيق “إسرائيل الكبرى”.

دقائق عن طريق الشام

مع السيطرة الكاملة على جبل الشيخ، تتسيّد إسرائيل عقدة مهمة جدًا تجعلها على بعد دقائق معدودة من طريق الشام الدولية، ما يمنحها حرية حركة عسكرية برًا وجوًا.

إلا أن التفوّق التكنولوجي الذي تستخدمه في حروبها الأخيرة لا يكفي لأي مغامرة برية قد تفكّر فيها بقاعًا، وتحديدًا في معقل حزب الله الأساسي في البقاع الشمالي.

ويوضح العميد شيا أن “البقاع الشمالي يُصنّف كأولوية استراتيجية، نظرًا لارتباطه بالقدرات الصاروخية الثقيلة وارتباطها المباشر بالعامل الإيراني الاستراتيجي الأوسع. وعليه، يُرجّح أن تقوم إسرائيل بتصعيد الضربات الجوية الدقيقة والاستباقية (pre-emption) ضد منصات الإطلاق ومخازن الذخيرة، بالاستناد إلى بنك أهداف استخباراتي متزايد، مع تجنّب التوغّل البري الواسع بسبب الكلفة العملياتية العالية وتعقيدات الجغرافيا، بالإضافة إلى أي تغيّرات استراتيجية مستقبلية وفقًا للظروف والحسابات من جهة سوريا، وغموض قاتل يلف الوضع الاستراتيجي للمنطقة هناك”.

ويضيف: “أتصوّر أن الاستراتيجية الإسرائيلية المعتمدة الآن لمنطقة البقاع تتبلور حول ثلاثية واضحة: العزل الجغرافي، الضربات الدقيقة، والعمل الاستخباراتي العميق، بهدف تقليص فعالية الخصم واستنزاف قدراته، من دون التورّط في احتلال بري واسع في الوقت الحاضر، مع إبقاء مسار التصعيد مفتوحًا وفق تطورات الميدان والإقليم”.

فصل البقاعين؟

رغم السيناريوهات الكثيرة المطروحة، إلا أن أي عملية برية في البقاع لن تكون نزهة سهلة، وإن كانت تبقى مطروحة في أي وقت. إلا أن التكلفة ستكون باهظة جدًا، وتداعياتها قد تورّط جهات أخرى فيها وتؤدي إلى نتائج غير محسوبة.

فماذا يريد الإسرائيلي من البقاع فعلًا؟ وهل سيكتفي بفصل البقاعين الشمالي والجنوبي، وبالتالي عزل الجنوب عن مصدر الإمداد الأخير؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *