اللقاء الأول مع الشرع بعد أحداث السويداء.. جنبلاط والأدوار الصعبة من سوريا إلى لبنان
كتب نادر حجاز في موقع الترا صوت
يعود الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى دمشق، للمرة الثالثة منذ سقوط نظام بشار الأسد، ليلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب، في مرحلة دقيقة يتقاطع فيها مصير لبنان وسوريا عند مفترقات مصيرية، لا سيما المسار التفاوضي المعقّد للبلدين مع تل أبيب، والذي تفرضه إسرائيل على دمشق وبيروت تحت النار وتبدّل الخرائط.
يكتسب اللقاء الأخير، أهمية خاصة كونه الأول بينهما منذ أحداث السويداء الدموية في منتصف تموز/يوليو 2025، التي راح ضحيتها مئات الضحايا. وقد حضر ملف الجنوب السوري كطبق أساسي في المباحثات، وسط حفاوة واضحة بالاستقبال، والاجتماع الذي دام أكثر من ساعة، واستبقاء الشرع جنبلاط والوفد المرافق الذي ضم عضوي كتلة اللقاء الديمقراطي النائبين وائل أبو فاعور وهادي أبو الحسن والقيادي خضر الغضبان إلى مائدة الغداء.
جرح السويداء
بعد مرور 9 أشهر، لا يزال جرح السويداء يحتاج إلى معالجات جذرية لطي الصفحة وإمكان البحث عن إعادة وصل ما انقطع مع العاصمة السورية، وبناء الثقة من جديد بين القيادة السورية وأبناء جبل العرب.
وفي هذا السياق، تكشف مصادر الحزب التقدمي الاشتراكي عبر “الترا صوت” أن قضية السويداء شغلت حيّزًا أساسيًا من المداولات بين الشرع وجنبلاط، حيث تم النقاش حول إطلاق سراح مَن تبقّى من مخطوفين من أبناء السويداء، مع التشديد على ضرورة اتخاذ إجراءات المحاسبة بحق المرتكبين بعد صدور تقرير الأمم المتحدة، كمدخل إلى المصالحة مع محافظة السويداء.
بعد مرور 9 أشهر، لا يزال جرح السويداء يحتاج إلى معالجات جذرية لطي الصفحة وإمكان البحث عن إعادة وصل ما انقطع مع العاصمة السورية، وبناء الثقة من جديد بين القيادة السورية وأبناء جبل العرب
وفي هذا السياق، شدد بيان صادر عن الاشتراكي على ما أكدته خارطة الطريق الثلاثية التي أُعلنت في العاصمة الأردنية عمان، كمسار أساسي لحل قضية السويداء، بما يقطع الطريق على أي مخطط لتقسيم سوريا. وأشار البيان إلى أنه تم التأكيد على وحدة سوريا بكل أطيافها ومناطقها، وبذل كل المبادرات اللازمة لأجل طمأنة هواجس كل مكونات الشعب السوري، وهذا يستوجب معالجة جراح الماضي الأليمة.
هذا المسار المحكوم أولًا بالتوازنات الإقليمية في منطقة الجنوب السوري، التي تعتبرها إسرائيل قضية أمن قومي لها، وتسعى لتكريسها منطقة عازلة منزوعة السلاح، يستدعي خطوات جوهرية من دمشق لسحب كل الذرائع الإسرائيلية، وتنطلق أولًا من طمأنة الدروز وختم جرح أحداث تموز، الذي يشكّل ذريعة دائمة لإسرائيل تحت شعار “حماية الدروز”.
الخدمات وحماية المقدسات
يدرك جنبلاط حراجة الموقف وحساسيته وأهمية إزالة الندوب، حيث يلعب الواقع الاقتصادي والاجتماعي دورًا أساسيًا.
ولفتت المصادر إلى أن لقاء الشرع – جنبلاط تطرق إلى تعزيز الخدمات العامة لمناطق السويداء وجرمانا في ريف دمشق وإقليم البلان في جبل الشيخ وجبل السماق في إدلب.
وكشفت المصادر أنه تمت أيضًا إثارة موضوع المزارات الدينية لطائفة الموحدين الدروز، لا سيما مقام النبي هابيل الذي تعرض لاعتداءات متكررة، والذي يعد أحد أهم المقامات الدينية للطائفة الدرزية في ريف دمشق.
الكهرباء والاقتصاد
لبنانيًا، أشارت مصادر “الترا صوت” إلى أن الزيارة بحثت ملف تطوير العلاقات اللبنانية السورية وإمكانية الاستفادة من الفرص لا سيما في قطاع الكهرباء، حيث أصبحت تغذية الكهرباء في دمشق 24 ساعة، إضافة إلى معالجة القضايا الاقتصادية العالقة مثل أزمة الشاحنات والتصدير وغيرها.
وأضافت المصادر أن القيادة السورية تريد تطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية مع لبنان، فيما يلاحظ أن هناك ترددًا من قبل بعض الجهات في لبنان، وفي هذا السياق كانت إشارة بيان الاشتراكي إلى “تحالف الأقليات كجزء من موروث حقبة الوصاية السابقة التي سقطت وانتهت مفاعيلها”.
وكان أشار بيان الاشتراكي إلى “أننا بتنا نحتاج إلى مقاربة موضوعية تأخذ بعين الاعتبار كون سوريا بلدًا تربطنا به أواصر التاريخ والجغرافيا والانتماء، ويوفر للبنان الكثير من الفرص والإمكانات”.
هاجس الحدود
وعليه، تكتسب زيارة جنبلاط إلى دمشق أهمية خاصة في هذا التوقيت بالذات، في ظل هواجس لبنانية سورية عدة، لا سيما تلك الحدودية في ظل ما أشيع في الأسابيع الماضية عن تحشيد سوري عند الحدود الشرقية ونيّة سوريا الدخول إلى لبنان، الأمر الذي نفته سوريا أكثر من مرة، لكنه يعود ويُطرح باستمرار، ومؤخرًا من باب المحاولة الإسرائيلية لتوريطها في البقاع.
وأما القلق الأكبر فهو جنوبًا، لا سيما بعد توجيهات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل وقف إطلاق النار بتوسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان شرقًا باتجاه جبل الشيخ، ما أعاد تسليط الضوء على نوايا إسرائيل بربط الجنوبين السوري واللبناني ليكون منطقة عازلة متواصلة.
وفي هذا السياق، يعود إلى الواجهة المشروع القديم الجديد بإقامة دولة درزية تربط المناطق الدرزية في سوريا بتلك في لبنان، الأمر الذي يشكل هاجسًا كبيرًا لدى جنبلاط، مشددًا أكثر من مرة على رفضه أن يكون الدروز حراس حدود لدى إسرائيل.
سلام مشترك
في هذه الأثناء، تضغط واشنطن لدفع التفاوض بين كل من سوريا ولبنان مع إسرائيل نحو توقيع سريع لاتفاقات سلام، الأمر الذي يفتقد حتى الآن للغطاء العربي، وسط رسائل واضحة لا سيما من السعودية بضرورة التروي وعدم الاستعجال، وأن تأتي سوريا ولبنان في مرحلة لاحقة بعد الرياض.
ومن الواضح أن الشرع لن يخرج من العباءة العربية، وجولته الأخيرة على الدول الخليجية لا تنفصل عن هذا الملف، ما ينسحب على لبنان حيث تلعب السعودية دورًا أساسيًا في إعادة ترتيب أوراق المرحلة على خطي واشنطن وطهران.
يشكل جنبلاط موقع تقاطع في هذه الصورة الكبيرة، محافظًا على موقعه الوسطي القادر على التواصل مع كل القوى السياسية الأكثر تناقضًا، كما الرئاسات الثلاث، إضافة إلى تأثيره في مسار الحل لأزمة السويداء التي تشكل عقدة أساسية في أي اتفاق أمني سوري إسرائيلي، الأمر الذي يجعل من زيارته إلى قصر الشعب حمّالة رسائل كثيرة وأدوار متعددة.












