حدد الصفحة

صمتٌ على ثلاثين عاماً من الوصاية: حين يُدفن الاحتلال في ذاكرةٍ مُصادَرة”

صمتٌ على ثلاثين عاماً من الوصاية: حين يُدفن الاحتلال في ذاكرةٍ مُصادَرة”

بقلم الناشط السياسي هشام الفرزلي

مرّت ذكرى انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان بصمتٍ مُخزٍ ومقصود. احتلالٌ كامل تحاول المنظومة السياسية والإعلامية دفنه في النسيان، وكأنه لم يكن. كانت تلك حقبة انهيار سياسي وانحطاط أخلاقي، حيث باع كثير من اللبنانيين ضمائرهم، وتورّط آلاف منهم، من مختلف طبقات المجتمع، في خدمة الاحتلال والتواطؤ معه، إلى درجة جعلت أي محاسبة اليوم شبه مستحيلة. إنها صفحة عار لا تزال تطبع جبين الطبقة الحاكمة في لبنان.
لم يكن الاحتلال السوري للبنان تفصيلاً عابراً في تاريخ مضطرب، بل كان منظومة سيطرة متكاملة، لها أدواتها ورجالها وسجونها ومقابرها. على مدى ثلاثين عاماً، عاش لبنان تحت وصاية قسرية خنقت قراره السيادي، وحوّلت مؤسساته إلى واجهات شكلية.
في عام 1976، دخل جيش حافظ الأسد إلى لبنان تحت ذريعة إنهاء الحرب الأهلية. لكن ما قُدِّم كـ«مهمة مؤقتة» تحوّل إلى احتلال طويل الأمد، ترسّخ بالقوة وبشبكات النفوذ، ولم ينتهِ فعلياً إلا في عام 2005 تحت ضغط الشارع اللبناني.
بحلول التسعينيات، أصبحت بيروت تُدار من دمشق. لم يكن يُنتخب رئيس، ولا تُشكَّل حكومة، ولا يُتخذ قرار، إلا بموافقة الأجهزة السورية. جرى تفصيل الحياة السياسية اللبنانية بما يخدم مصالح النظام السوري، وبمشاركة قوى لبنانية قبلت أن تكون أدوات تنفيذ.
تمديد ولاية الرئيس إميل لحود عام 2004 شكّل نموذجاً صارخاً لهذه الهيمنة: قرار فُرض بالقوة، في تحدٍّ فاضح للدستور ولإرادة اللبنانيين، ومؤشر واضح على أن السيادة كانت مُصادَرة بالكامل.
في الميدان، لم تكن السيطرة نظرية. كانت المخابرات السورية حاضرة في كل زاوية: في بيروت وطرابلس وزحلة. شبكة أمنية تُدير الخوف كسياسة يومية، تُراقب وتُرهب وتُقرّر المصائر.
آلاف اللبنانيين اختفوا في هذا النظام. اعتُقلوا ونُقلوا إلى السجون السورية، من دون محاكمات أو ملفات. حتى اليوم، لا تزال عائلاتهم تبحث عن إجابات في فراغٍ قاتل.
أما من خرجوا أحياء، فحملوا شهادات عن جحيم سجون تدمر والمزة: تعذيب ممنهج، تجويع، وإذلال يومي. كثيرون لم يعودوا، وكثيرون عادوا بذاكرة لا تُمحى.
وعندما اهتزّت القبضة، لجأ النظام إلى سلاحه الأكثر فاعلية: الاغتيال. سلسلة طويلة استهدفت قادة وصحافيين ونواباً، من بشير الجميّل وكمال جنبلاط إلى رفيق الحريري، في نمط واضح لتصفية كل صوت معارض.
لم يكن ذلك ليحدث من دون شركاء في الداخل. شخصيات مثل سليمان فرنجية وآلاف غيره شكّلوا شبكة ولاء قدّمت مصالح النظام السوري على مصلحة الدولة اللبنانية، وأسهمت في ترسيخ هذا الواقع لعقود.
في 2005، فرضت انتفاضة الاستقلال انسحاب الجيش السوري. لكن الانسحاب العسكري لم يكن نهاية القصة. فقد بقيت آثار الاحتلال محفورة في كل زاوية: مؤسسات منهكة، نظام سياسي مشوّه، وملف مفتوح من المفقودين والمقابر الجماعية.
لا عدالة تحققت. لا محاسبة حصلت. فقط صمتٌ رسمي، ونسيانٌ مُصطنع.
وذلك الصمت ليس بريئاً… إنه الامتداد الأخير للاحتلال.

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com