فتح هرمز وتأجيل المواجهة الكبرى
م. إيهاب مهنا*

اتفاق اضطراري لاحتواء أزمة طاقة بدأت فعلياً من دون أن يُغيّر مسار الصراع
م. إيهاب مهنا
في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، جاء إعلان الإدارة الأميركية عن وثيقة تفاهم مع إيران كخطوة بدت للبعض مفاجئة، وللبعض الآخر تراجعاً استراتيجياً غير مبرر. إلا أن قراءة متأنية لسياق القرار، ولطريقة تقديمه فور صدوره، تكشف أن ما جرى لم يكن تسوية شاملة بقدر ما كان استجابة سريعة لأزمة عالمية بدأت ملامحها بالتحوّل إلى صدمة فعلية، تتجاوز حدود الصراع مع إيران إلى استقرار النظام الدولي بأكمله.
منذ اللحظة الأولى للإعلان، لم يكن التركيز على بنود الاتفاق أو تفاصيله التقنية، بل على رسالة واحدة تكررت بشكل لافت:
مضيق هرمز قد أُعيد فتحه، والسفن عادت إلى العبور.
هذا الأسلوب في تقديم الحدث يعكس إدراكاً عميقاً لحساسية نقاط الاختناق البحرية، بما يذكّر ـ بشكل محسوب ـ بأزمة إغلاق قناة السويس عام 1956، حين أدى تأميم القناة إلى تدخل عسكري بريطاني–فرنسي–إسرائيلي وتعطيل الملاحة لفترة، قبل أن يجري احتواء التصعيد سريعاً تحت ضغط القوى الكبرى، في ظل إدراك متزايد أن تعطّل ممر مائي حيوي قد يدفع النظام الدولي إلى أزمة أوسع تتجاوز السيطرة. اليوم، بدا المشهد مشابهاً في جوهره: شريان حيوي مهدد، ونظام عالمي لا يستطيع تحمّل تعطّله، خصوصاً عندما يبدأ التعطّل فعلياً لا كاحتمال نظري.
هذا التركيز لم يكن تفصيلاً إعلامياً عابراً، بل مؤشراً واضحاً على جوهر القرار. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي، وأي اضطراب فيه كفيل بإحداث صدمة فورية في أسعار النفط والأسواق. وقد انعكس ذلك مباشرة بعد الإعلان، حيث سجلت الأسواق تحسناً سريعاً، في إشارة إلى أن الهدف الأول لم يكن إعادة صياغة التوازنات السياسية، بل إعادة تشغيل النظام الاقتصادي العالمي ومنع انزلاقه نحو مرحلة اضطراب مفتوح.
في هذا السياق، لم تكن الولايات المتحدة تتحرك انطلاقاً من موقع الضعف، بقدر ما كانت تستجيب لمعادلة أكثر تعقيداً:
فهي، وإن كانت الأقل تضرراً مباشرة من أي تعطيل طويل الأمد لإمدادات الخليج، بحكم تنوع مصادرها وقدرتها الإنتاجية، إلا أنها تبقى الضامن الفعلي لاستقرار حلفائها والنظام الاقتصادي العالمي.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. ففي الوقت الذي تستطيع فيه واشنطن امتصاص جزء كبير من الصدمة، كانت حلفاؤها لا سيما أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية تدخل تدريجياً في منطقة الخطر. هذه الدول، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، وجدت نفسها أمام احتمال ارتفاع حاد في الأسعار أو حتى نقص فعلي في الإمدادات، ما يهدد استقرارها الاقتصادي الداخلي. وفي ظل هذا الواقع، تحوّلت الأزمة من ملف أمني إلى اختبار مباشر لقدرة الولايات المتحدة على حماية منظومتها التحالفية.
ولم يقتصر الضغط على الحلفاء التقليديين، إذ امتد أيضاً إلى الاقتصادات الصاعدة الكبرى، وعلى رأسها الهند والصين، حيث بدأ الطلب المتزايد على الطاقة يتجاوز الهوامش الآمنة، مع اقتراب مستويات المخزون من نقاط حرجة. وفي مثل هذا المشهد، يصبح أي تصعيد إضافي — ولو محدوداً — كفيلاً بإحداث اضطراب واسع في الاقتصاد العالمي، يتجاوز بكثير حدود الشرق الأوسط.
من هنا، يمكن فهم القرار الأميركي باعتباره خياراً بين مسارين:
إما مواصلة التصعيد في ظل تعطّل فعلي ومتسارع لمضيق هرمز، بما يُفاقم الأزمة ويحوّلها إلى صدمة طاقة عالمية مفتوحة، أو القبول بتفاهم جزئي يعيد تشغيل هذا الشريان الحيوي فوراً، ولو على حساب ملفات استراتيجية مؤجلة.
غير أن هذا التفاهم، رغم ضرورته الظرفية، يحمل في داخله مؤشرات واضحة على هشاشته. فطبيعته المرحلية، وتركيزه على إجراءات فورية مثل إعادة فتح المضيق وتهدئة الجبهات، مقابل تأجيل القضايا الأكثر تعقيداً، كالمسار النووي أو السلوك الإقليمي يجعله أقرب إلى وقف مؤقت لتصعيد خطير، وليس تسوية قابلة للاستدامة.
بل إن المؤشرات الحالية توحي بأن احتمال عدم استمرارية هذا التفاهم خلال الأشهر المقبلة يبقى مرتفعاً. فالقضايا الجوهرية التي تم تأجيلها لم تُحل، بل جرى ترحيلها إلى جولات تفاوض لاحقة، ما يعيد إنتاج نفس عوامل التوتر التي قادت إلى الأزمة أساساً. وفي هذا الإطار، يبدو التفاهم أشبه بـ”شراء وقت” أكثر منه اتفاقاً نهائياً.
أما على المستوى الإقليمي، وتحديداً في لبنان، فإن أي حديث عن انعكاسات مباشرة وسريعة لهذا التفاهم يبدو غير واقعي. فالمعادلات الميدانية القائمة لا تزال تحكمها اعتبارات أمنية واستراتيجية تتجاوز التفاهم الأميركي – الإيراني. وبالنسبة لإسرائيل، التي حققت خلال المرحلة الأخيرة مكاسب ميدانية واستراتيجية، فإن التخلي عنها لا يبدو وارداً في المدى المنظور، خصوصاً في غياب ضمانات واضحة تكرّس ما تعتبره “أمناً مستداماً”.
بالتالي، فإن الربط بين التفاهم الأخير وإمكانية حدوث تغير سريع في المشهد اللبناني يبقى أقرب إلى التمنيات السياسية منه إلى التقدير الواقعي. فالتوازنات على الأرض، كما الأهداف الاستراتيجية للأطراف الفاعلة، لم تتغير جوهرياً، وما تحقق ميدانياً لن يُسلّم بسهولة قبل استكمال مسار أوسع يعيد رسم قواعد الاشتباك بشكل أكثر ثباتاً.
في المحصلة، لا يمكن قراءة وثيقة التفاهم إلا ضمن سياقها الحقيقي:
خطوة اضطرارية لاحتواء أزمة طاقة بدأت بالفعل، وتهدئة الأسواق، وليست تسوية تعكس نهاية الصراع أو تغييراً جذرياً في موازين القوى.
وإذا كان الإعلان عن فتح مضيق هرمز قد شكّل العنوان الأبرز للاتفاق، فإنه في الوقت ذاته يكشف حدوده:
اتفاق نجح في إعادة تدفق النفط بعد أن بدأ تعثّره فعلياً… لكنه لم يحسم بعد مسار المواجهة الكبرى.
*كاتب


إرسال التعليق