كتب نقولا أبو فيصل “الحقُّ الذي لا يموت والإرادةُ التي تغيّر التاريخ”

من السهل على الإنسان أن يهزم خصمه بذكائه ، لكن من الصعب عليه أن يهزم خوفه. فالخوف هو أولُ سجنٍ يبنيه الطغيان داخل النفس، أما الحق فهو أولُ بابٍ يفتحه الإنسان نحو الحرية. لذلك قد يُسجن أصحاب الحق وقد يُنفون، وقد يُشوَّه تاريخهم , لكن الحق نفسه لا يُسجن ولا يُنفى ولا يموت . إنه يشبه البذور التي تُدفن في التراب لتولد من جديد. ويبقى السؤال: هل ينتصر الحق بالقوة أم تنتصر القوة بالحق؟ يقول غاندي: “القوة لا تنبع من القدرة الجسدية بل من الإرادة التي لا تُقهَر”ويوافقه نيلسون مانديلا بعد سبعةٍ وعشرين عامًا في السجن القول : “الشجاعة ليست غياب الخوف بل القدرة على الانتصار عليه”وهكذا أثبت التاريخ أن السجون استطاعت أن تقيّد الأجساد لكنها عجزت عن تقييد الأفكار.بدوره المعلم كمال جنبلاط كان من أكثر المفكرين إيمانًا بأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يحمل من رسالة. وكان يرى أن الحرية تبدأ من تحرير العقل، وأن العدالة ليست قانونًا يُكتب بل ضميرًا يُمارس، وأن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج لأنها تمتلك قوة البقاء. لقد آمن ايضاً بأن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة، لأن الدولة التي تخلو من الحاكم العادل تتحول إلى مؤسسات بلا روح. ولم يكن الإمام علي بن أبي طالب بعيدًا عن هذه الحقيقة حين قال: “لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه” وهذا يختصر تاريخ البشرية كله؛ فالحق لم يكن يومًا طريق الأكثرية، بل طريق أصحاب الضمائر الحية. لذلك كتب جبران خليل جبران يقول:أن الإنسان لا يبلغ قمته إلا عندما يصبح ضميره أعلى من مصالحه، وكأن جميع هؤلاء المفكرين قد كتبوا فصلًا واحدًا في كتاب الإنسانية عنوانه: لا دوام إلا للحق.وللرب الإله والقديسين رأيهم ايضاً ،حيث لخص يسوع هذه المسيرة بقوله : “تعرفون الحق والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32). فالحرية ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء، بل أن يتحرر من الجهل والخوف والكراهية والأنانية. وهي الفكرة نفسها التي عبّر عنها بولس الرسول بقوله: “لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير” (رومية 12: 21). فالخير ليس ضعفًا، بل أعلى درجات القوة؛ ففي حين يحتاج الشر إلى لحظة غضب، يحتاج الخير إلى إرادة عظيمة. لذلك، صديقي القارئ لا تسأل نفسك يومًا : هل سينتصر الحق؟ بل كن على يقين بأنه سوف ينتصر، لأن التاريخ لا يخلّد الأقوياء بقدر ما يخلّد أصحاب المواقف. وقد ينتصر الباطل في معركة وقد يربح لسنوات لكنه لا يستطيع أن يربح التاريخ. أما الحق فقد يتأخر ميلاده، لكنه حين يولد… لا يموت.نقولا أبو فيصل ✍️www.nicolasaboufayssal.com

إرسال التعليق

You May Have Missed