كتب نقولا أبو فيصل “الإمام موسى الصدر… الغائب الذي هزم الحاضرين”

هناك رجال يمرّون في التاريخ ، وهناك رجال يمرّ التاريخ من خلالهم ، وسماحة الإمام موسى الصدر كان من الصنف الثاني. لم يكن مجرد رجل دين جاء إلى لبنان حاملًا عمامته، بل كان مشروعًا أكبر من الطائفة وأوسع من الجغرافيا، وربما جاء في زمانٍ غير زمانه، إذ لم يكن أحدٌ مستعدًا لأفكاره. أتى إلى مجتمعٍ كان المحرومون فيه على هامش الدولة فرفع صوته من أجلهم، لكنه لم يحوّل الحرمان إلى حقد ولا المظلومية إلى ثأر. كان يعرف أن أخطر ما يمكن أن يصيب المشرق العربي، ومنه لبنان ليس الفقر وحده، بل أن يتحوّل الفقراء إلى وقودٍ في حروب الآخرين.كان سماحته يستطيع أن يكون زعيم طائفة، فاختار أن يكون رجل وطن.دخل الكنيسة كما دخل المسجد وخاطب المسيحي كما خاطب المسلم، وكأنه كان يجسّد في مسيرته وصية الإمام علي: “الناسُ صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخَلْق”. لقد فهم مبكرًا أن لبنان لا يعيش بانتصار جماعة على أخرى، بل باستحالة إلغاء أي جماعة للأخرى. لذلك لم تكن كلماته عن العيش المشترك مجاملات مناسبات، بل رؤيةً لمشرقٍ أدرك أن الطوائف فيه قدر، وأن تحويلها إلى خنادق هو انتحار. وربما لهذا السبب بقي موسى الصدر حاضرًا رغم غيابه الطويل؛ فالرجال الذين يحملون قضيةً أكبر من حياتهم لا تنتهي قصتهم عندما تختفي أجسادهم.أمّا أنا، أصدقائي، فكلما قرأت عن الإمام موسى الصدر أسأل نفسي: ماذا لو عاد اليوم؟ ماذا كان سيقول لنا بعدما أصبح لكل طائفة جيشٌ من الخائفين عليها، ولكل زعيم جمهورٌ يصفّق له حتى وهو يقوده إلى الهاوية؟ أعتقد أنه لو عاد لكان ردّد خلاصة نهجه: “الإنسان أولًا”. فالمشرق لم تنقصه يومًا الأديان ولا المذاهب ولا الخطب ولا الزعماء . ما ينقصه هو رجال يستطيعون أن يكونوا أكبر من جماعتهم من دون أن يخونوها، وأن يحبّوا وطنهم من دون أن يكرهوا الآخرين.لهذا لا أرى في الإمام المغيَّب موسى الصدر رجلًا غُيِّب في ليبيا في الـ عام 1978 فحسب، بل أراه قضيةً حيّةً لم يستطع الغياب أن يطويها، وسؤالًا يلاحق ضمير هذا المشرق… وقدَرًا مؤجّلًا لم يقل كلمته الأخيرة بعد!نقولا أبو فيصل ✍️www.nicolasaboufayssal.com

إرسال التعليق

You May Have Missed