كتب نقولا أبو فيصل “مرض إلغاء الآخر داخل الطوائف اللبنانية”

من أخطر أمراض الحياة الاجتماعية في لبنان أن بعض مَن فُتحت أمامهم أبواب الزعامة داخل طائفتهم لا يكتفون بمواجهة المنافس لهم من الطوائف الأخرى، بل يبدأون أولًا بإلغاء أبناء طائفتهم. فالزعيم الذي يخشى بروز شخصية ناجحة إلى جانبه لا يحمي جماعته، بل يحمي موقعه منها. لذلك تُحجَب الكفاءات عن الشاشات، وتُقفَل أمامها المنابر وتُستبعَد من الحضور لا لأنها فشلت، بل لأنها نجحت أكثر مما يُسمح لها، وأصبحت تمتلك رأيًا وحضورًا لا يحتاجان إلى إذن. نعم في كل طائفة لبنانية أشخاص يوزّعون الأدوار والفرص والظهور، وكأن الناس ملكية خاصة لهم. يختارون مَن يحضّر ومن يغيب .مَن يتكلم ومَن يُصمت ، مَن يُرفع ومَن يُدفن اسمه حيًّا. يقرّبون الضعيف لأنه لا ينافسهم ويُبعدون القوي لأنه قد يكشف ضعفهم. والأسوأ أن بعض وسائل الإعلام اللبنانية والمنصات الإعلامية تحولت إلى أدوات لهذا الإلغاء، فتُسلَّط الأضواء على المصفّقين، فيما يُترك أصحاب الفكر والإنجاز في العتمة. وهكذا تصبح الطائفة سجنًا لأبنائها بدل أن تكون مساحةً لحمايتهم واحتضان تنوّعهم. وهذا السلوك لا يناقض الأخلاق وحدها، بل يناقض جوهر الإيمان أيضًا.يقول الكتاب المقدّس “مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ” (رومية 12: 10)، ويقول القرآن الكريم”وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” (الأعراف: 85). فالإيمان الحقيقي لا يبرّر حجب الناس ولا سرقة أدوارهم بل يدعو إلى إنصافهم وتكريمهم والاعتراف بقدراتهم حتى عندما يختلفون معنا أو يتفوّقون علينا.لنكن جريئين أصدقائي : مَن يُلغي أبناء طائفته ليس زعيمًا لها، بل خائفٌ منها. والقيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الذين أسكتتهم، بل بعدد الكفاءات التي أطلقتها وفتحت أمامها الطريق. لا أحد يختصر طائفة ولا عائلة تحتكرها ولا حزب طائفي في لبنان يملك عقول أبنائه وكراماتهم. ولبنان لن يتعافى ما دام كل زعيم يريد طائفةً على صورته، وما دام الناجح يُحارَب لأنه لا ينحني. فالطوائف لا تضعف بتعدّد أصواتها، بل تضعف عندما لا يبقى فيها سوى صوت واحد… يمدح نفسه ويخاف من الجميع. أخيرًا، لا تطلبوا منّي أسماءً، فأنا لا أحبّ التسمية. ولا تطلبوا منّي أن أقول كلّ ما أعرف، فأنتم تعرفون أنّني أعرف. ولا تطلبوا منّي أن أكتب المزيد عن هذا الموضوع… ففي فمي ماء، ولكنّ الصمت أحيانًا يقول أكثر من الكلام.نقولا أبو فيصل ✍️www.nicolasaboufayssal.comMTV Lebanon LBCI LebanonZahle tv



إرسال التعليق