شواطئ لبنان وسوريا بديلًا عن هرمز.. ممرّات النفط ترسم المستقبل من البصرة إلى طرابلس

كتب نادر حجاز في ألترا صوت

فيما يتصاعد التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، يحتدم في الخلفية الصراع الاقتصادي الكبير والسباق بحثًا عن خطوط جديدة للنفط، ومعها تدفّق مشاريع التنمية والبيانات والطاقة البديلة.لا تقلّ الحرب على الممرّات ضراوة عن الميدان المشتعل من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان، مرورًا باليمن والتلويح بورقة باب المندب. وهنا تبرز أهمية توقيع الاتفاق بين بغداد ودمشق لإعادة إحياء خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس، كجزء من وجهة اقتصادية أكبر، يُسوَّق لها باستمرار المبعوث الأميركي توماس باراك، وتقوم على شراكة استراتيجية بين العراق وسوريا وتركيا.الجغرافيا الاقتصاديةلا تنفصل هذه الرؤية عن الجغرافيا السياسية والاقتصادية التي تُرسَم للمنطقة، وتأتي هذه الشراكة لتشكّل امتدادًا لإنشاء الممر الاقتصادي الباكستاني السعودي (PSEC)، الذي تسعى إليه إسلام آباد لموازنة الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، والذي تشكّل إسرائيل محطة أساسية فيه وربما تكون الأشدّ حماسة له.وصحيح أن المملكة العربية السعودية وقّعت على مذكرة تفاهم الممرّ الهندي، إلا أنها تسعى في الوقت نفسه إلى تنويع الشراكات، ما يظهر في “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك” الموقعة بين الرياض وإسلام آباد، واستثماراتها الكبيرة في البنية التحتية الباكستانية. كما يتجلّى في الاندفاعة السعودية والخليجية باتجاه سوريا والاستثمار فيها. وفي هذا الإطار يمكن فهم إحياء خط كركوك – بانياس بشكل أوضح.بدائل عن هرمزتشدّد خبيرة النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتايان، في حديث لـ”الترا صوت”، على أن المنطلق لنجاح هذا المشروع هو العراق، والذي يأتي ضمن خطة لتنويع منافذ النفط من أجل تخطّي مضيق هرمز وإيجاد بدائل عنه، لافتة إلى أن “العراق بحاجة، إضافة إلى طرق تصدير عبر تركيا وكردستان، إلى أنابيب تمر عبر سوريا، حيث من الممكن أيضًا بيع جزء من النفط للمصافي السورية تلبية لحاجة الداخل السوري. فإذا استمر الوضع المتوتر على حاله في هرمز، أو في حال حصول أي ترتيبات جديدة، قد يشكّل الأمر خطرًا على العراق ككل، لأن عائدات النفط هي الأساس بالنسبة له”، كاشفة أن المشروع أكبر مع الحديث عن ربط خط البصرة جنوبًا بالحديثة فكركوك ولاحقًا بانياس، ما من شأنه أن يكون خطًا لتصدير نفط الخليج كله وليس فقط العراق.وفي هذا السياق يبرز الدور السوري، مشيرة إلى أن “دمشق تبحث في سبل الاستفادة من الوضع الحالي المستجد كي تكون معبرًا للنفط، مستثمرة في الدفع السياسي الحاصل كما الحاجة الاقتصادية”، موضحة أن ما حصل لا يزال في إطار التفاهم، وهناك دراسات يجب أن تُجرى حول الجدوى الاقتصادية والبنى التحتية المطلوبة، ومدى قدرة محطتي كركوك وبانياس على الاستيعاب أم أنها بحاجة إلى توسيع، لافتة إلى اهتمام شركات نفطية مثل شيفرون وقطر للطاقة بالاستثمار في هذا المشروع.لا تقلّ حرب الممرّات ضراوة عن الميدان من هرمز إلى جنوب لبنان مرورًا باليمن، ما يبرز أهمية اتفاق بغداد ودمشق لإحياء خط كركوك–بانياس ضمن رؤية اقتصادية أوسعبيروت وقطار التنميةتقف بيروت أمام مفترق طرق أساسي، فيما ينطلق قطار التنمية بإيقاع سريع جدًا في المنطقة. وجاءت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى العراق في توقيت لافت جدًا، بعد اتفاق الربط النفطي كما بعد زيارة نظيره العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض ولقاء ترامب، والتلميح إلى شراكات واستثمارات أميركية كبرى في العراق.حضرت الملفات الاقتصادية، لا سيما الطاقة والاتصالات والكهرباء، بشكل أساسي على جدول أعمال سلام، الذي أطلق البحث بأن يشمل إحياء خط كركوك – بانياس مدينة طرابلس، التي تحتضن منشآت نفطية ضخمة من الممكن صيانتها وإعادتها إلى الخدمة.وأعلن سلام من بغداد: “أنني شددتُ خلال المحادثات على أن لبنان ماضٍ بعزم في تعزيز مشاريع الربط والتكامل الاستراتيجي مع دول المنطقة، في مختلف القطاعات، ولا سيما الطاقة والاتصالات والنقل، بما يتيح الاستفادة من الفرص التي تفرضها التحوّلات الراهنة. فالتعاون الاقتصادي بين دول المنطقة يشكّل ركيزة أساسية للقوة والاستقرار والازدهار المشترك، خصوصًا إذا قام على رؤية تحقّق المنافع المتبادلة. وأكّدتُ أن لبنان يتطلّع إلى أن يكون شريكًا فاعلًا مع العراق في صياغة هذه المشاريع الإقليمية، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمار، ويدعم مسارات التنمية والنمو المستدام في بلدينا الشقيقين”.مصفاة طرابلس من الأربعينياتتعود منشآت النفط في طرابلس، التي توقفت عن العمل في العام 1992 بعد الحرب الأهلية، وفي ظل دور سياسي ساهم بتعطيلها، لتبرز اليوم كفرصة اقتصادية محتملة لإعادة التأهيل وتوفير فرص عمل جديدة وسط سعي لبناني لتكون محطة للنفط العراقي أسوة ببانياس السورية.تتألف المنشآت، بحسب موقع وزارة الطاقة والمياه اللبنانية – المديرية العامة للنفط، من موقعين: المصب والمصفاة، وفقًا للامتياز المصادق عليه في القانون الذي صدر بتاريخ 23 أيار/مايو 1931، حيث قامت شركة نفط العراق(IPC) بنقل النفط الخام المنتج في كركوك – العراق من خلال خطوط أنابيب النفط الممتدة من العراق عبر سوريا إلى المصب في طرابلس لبنان لتصديره وتصفيته.ويضيف الموقع الرسمي: “في عام 1940، تم إنشاء المصفاة لتصفية النفط الخام المستورد عبر خطوط أنابيب من حقول كركوك في العراق، بسعة 21000 برميل في اليوم. وفي عام 1973، تولّت الحكومة اللبنانية إدارة هذه المنشآت. غير أن الحرب اللبنانية وعدم تشغيل المصفاة أدّيا إلى إيقافها في عام 1992”.تمتد المنشآت على مساحة واسعة تبلغ مئات ملايين الأمتار، يصل إليها 3 خطوط أنابيب من سوريا، وهي بحاجة إلى الصيانة، لا سيما بعد الحرب السورية منذ العام 2011. وتتميّز بأربع فتحات مائية تُسمى المرابض لتفريغ وتحميل النفط في البواخر، وتضم 24 خزانًا، بعضها بحاجة إلى تأهيل.وكانت كشفت محطة “MTV” اللبنانية أن فريقًا مصريًا متخصصًا في صيانة أنابيب الغاز بدأ عملية صيانة خط الغاز العربي في طرابلس تمهيدًا لعودة العمل فيه، بعدما أعلن عنه وزير الطاقة جو صدي قبل 4 أشهر.لبنان جاهز؟ولكن هل لبنان جاهز ليكون جزءًا من مشروع الربط في المنطقة؟تأمل هايتايان أولًا أن يتضح الوضع السياسي في لبنان قريبًا، معتبرة أن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى البيت الأبيض أعطت دفعًا سياسيًا إيجابيًا، وموافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إعادة خطوط الطيران المباشرة مع بيروت بعد عقود تؤشر إلى وجود إقبال لمجيء شركات أميركية والاستثمار في لبنان في قطاع النفط وسواه، ما يساعد على البحث أكثر في مشاريع الربط في مجال الطاقة وسواه، ومن بينها طرابلس.بالتوازي، تشير إلى أنه “لا بد من دراسة واقع المنشآت النفطية في طرابلس وقدرتها على الاستيعاب، ومدى تضرّر الأنابيب، التي استُعملت في السنوات الماضية في عمليات التهريب. وكل هذا يحتاج إلى وجود مستثمرين مهتمين بالمشروع، كما إجراء دراسة جدوى اقتصادية تشمل كميات النفط التي ستصل، وما إذا كانت ستدخل إلى المصافي للتكرير لبيع وتصدير مشتقات النفط”.خزان استراتيجي على المتوسطوتسأل هايتايان حول إمكانية تخزين النفط العراقي في لبنان، لا سيما في ظل رغبة الدول في تخزين احتياطي خارج مضيق هرمز لمدّ الأسواق العالمية. كما يمكن للبنان أن يكون مكانًا لتخزين النفط الكويتي، وليس فقط العراقي، فالكويت وقّعت اتفاقيات دولية بحوالي 16 مليار دولار لإنشاء أنابيب جديدة وزيادة قدرتها الإنتاجية وصولًا إلى 4 ملايين برميل، ويمكن أن يتعاون لبنان مع الكويت كي يكون الشاطئ اللبناني على البحر الأبيض المتوسط خزانًا احتياطيًا خارج منطقة الخليج لتفادي استخدام مضيق هرمز في أوقات الأزمات. وبالتالي بإمكان لبنان أن يلعب دورًا أساسيًا وألا يكون مجرد ناسخ للخطوات السورية.وتطرح هايتايان السؤال الأهم حول دور لبنان على خارطة التنمية المستقبلية، قائلة: “لا بد من الإجابة على هذا السؤال وتحديد الرؤية حول موقع لبنان في مشروع الربط الاقتصادي، ومن ثم الانطلاق للبحث مع الدول المعنية في سبل التعاون والاستثمار وإجراء دراسات الجدوى المطلوبة. وبإمكان الحكومة اللبنانية المباشرة بإجراء دراسات أولية لعرضها على الدول الخليجية والمجاورة”.وتذكّر بأن قطر و”توتال” يستحوذان على ترخيص البلوك رقم 8 في المياه الاقتصادية اللبنانية، داعية إلى ضرورة تفعيل هذا المسار من الدولة اللبنانية والدفع نحو الاستكشاف السريع وإجراء المسوحات اللازمة تمهيدًا لإطلاق عمليات الحفر والتنقيب، لا سيما وأن قطر مهتمة بالاستثمارات النفطية، الأمر الذي يعود بالنفع على الأمن الطاقوي القطري كما العالمي.تفاهم مع سوريايحتاج لبنان إلى مقاربة مختلفة لهذا الاستحقاق، خلافًا للطريقة الارتجالية التي اعتاد أن يدير بها الملفات طوال العقود الماضية، والتي كانت سببًا دائمًا للفشل والهدر والفساد.وبالتالي، على لبنان أن يحسن إدارة هذا الملف بالشكل القانوني والإداري اللازم، مع تحديد صلاحيات واضحة بين الوزارات والإدارات المعنية.وإلى جانب الاستقرار السياسي والأمني الضروريين لتوفير بيئة حاضنة للاستثمار، سيكون على لبنان عقد تفاهم مع سوريا على قاعدة التكامل، لا التنافس، بين طرابلس للتكرير والتخزين، وبانياس لتصدير الخام.

إرسال التعليق

You May Have Missed