كتب نقولا أبو فيصل “لبنان موطن المستحيلات”

ذات مساءٍ غريب الملامح، سأل “الممكنُ” “المستحيلَ” : أين تقيم؟ فأجابه الاخير بابتسامةٍ تعرف أكثر ممّا تقول: أُقيم في لبنان . لم يكن الجواب صدمة بل كان اعترافًا مكشوفًا بحقيقةٍ يعرفها كل من تنفّس هواء هذا البلد؛ فهنا يتربى الانسان على مواجهة ما لا يُواجه، وعلى اجتياز امتحانات لا أسئلة لها ولا وقت، كأن القدر يُجادلهم كل صباح ليختبر قدرتهم على الوقوف. في لبنان، يمشي الإنسان على خيط رفيع بين الانهيار والنهار. بين تحديات الحياة والروتين القاتل ، يترنّح أحيانًا، لكن ابتسامة عابرة، ذكرى جميلة، صلاة خفية، أو أمل متجدد تكون كافية ليواصل السير رغم ضيق الدنيا وضغطها، ورغم أنّ الهواء يختنق من حوله فأن قلبه يبقى صامدًا لا يعرف الانكسار.
“المستحيل” في لبنان، ليس كلمة تُقال، بل حالة تُعاش. الناس هنا يصنعون قوت يومهم من شظايا الأمل، ويبتسمون وكأن الضيق مجرد طارئ، ويقفزون فوق العقبات كمن تعلّم الطيران من كثرة السقوط. هنا، أمٌّ تربّي أبناءها على الصمود لا على الرفاهية، وشابٌ يحوّل ورشة صغيرة إلى حلم كبير، ورجلٌ لا يملك شيئًا سوى عقله وعلمه يجعلهما رأسماله ويبدأ بمغامرته تماماً كما فعلت انا في تسعينيات القرن الماضي. في هذا البلد، تُهزم المعادلات كل يوم، وينهض الضعيف بقوة لا يفهمها إلا من جرّب العيش على حافة اليأس ولم يقع.
لذلك لم يكن غريبًا أن يعيش المستحيل في لبنان؛ ففي هذا المكان، يختلط اليأس بالرجاء، والهزيمة بالمحاولة، والوجع بالابتسامة. هنا، تتعلم أن تُكمِل بالرغم من كل شيء لأن التوقف أصعب من المواصلة . لبنان ليس وطنًا سهلًا، لكنه وطنٌ لا يشبه إلا نفسه؛ وطنٌ يُربّي أبناءه على اختراع الحياة من بين الصعاب. وحين يفكّر المستحيل في الانتقال إلى مكان آخر… يتردد. فهنا، في هذا الركن الصغير من العالم، يكتشف أن الناس سبقوه إلى كسر حدوده وأن الممكن لم يعد يعرف المستحيل.
نقولا أبو فيصل كاتب وباحث وعضو إتحاد الكتاب اللبنانيين
www.nicolasaboufayssal.com
اتّحاد الكتّاب اللبنانيّين













