الجيش اللبناني ينسحب تجنّبًا للحصار والإحراج.. وجنوبيون لمصيرهم تحت الاحتلال

كتب نادر حجاز في موقع الترا صوت

جاءت مشاهد انسحاب وحدات الجيش اللبناني من بلدات رميش ودبل وعين إبل والطيري وبيت ياحون الحدودية لتنذر بتسارع التطورات الميدانية في جنوب لبنان، بالتزامن مع اتجاه الأنظار إلى معركة قاسية في بنت جبيل وما تحمله من مؤشرات عسكرية في مسار الغزو البرّي الذي تنفذه إسرائيل باتجاه نهر الليطاني.

لم يكن هذا الانسحاب هو الأول للجيش اللبناني منذ مطلع آذار/مارس، فعمليات إعادة التموضع والانتشار مستمرة على طول الحدود في القطاعات الشرقي والأوسط والغربي وفق مقتضيات الأرض والتقدّم الإسرائيلي، إلا أن إخلاء المراكز الأخير حمل دلالات أوضح، لا سيما بعد الاستهداف الإسرائيلي المباشر لحاجز للجيش في منطقة العامرية، والذي شكّل إنذارًا مباشرًا بالنار.

توضيح الجيش

خرجت قيادة الجيش عن صمتها بعد الضجة الكبيرة التي أحدثها قرار ترك قرى الحافة الأمامية، لا سيما وأن بعضها ما زال مأهولًا ويرفض أهلها المغادرة.

وأوضحت مديرية التوجيه في بيان أنه “نتيجة تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولا سيما في المناطق التي تشهد توغّلًا معاديًا في محيط البلدات الحدودية الجنوبية، ما يؤدي إلى محاصرة وحدات الجيش المنتشرة وعزلها وقطع خطوط إمدادها، نفذ الجيش عملية إعادة تموضع وانتشار شملت عددًا من هذه الوحدات”.

حاول الجيش اللبناني في الأسبوعين الماضيين تأخير خطوة الانسحاب في ظل إصرار أهالي عدد من القرى، لا سيما رميش ودبل ذات الغالبية المسيحية، على البقاء، مستندين إلى وجوده في بلداتهم وإلى وعود كنسية وفاتيكانية بالحماية
البيان صريح لجهة عدم إمكانية بقاء عناصر الجيشين اللبناني والإسرائيلي في نطاق واحد، حيث يفرض واقع الميدان شروطه رغم محاولات الدولة اللبنانية الحفاظ على وجودها، وكان ترأس رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعًا في السراي الحكومي، وعرض مع المجتمعين الوجود العسكري والأمني في الجنوب وكيفية الإبقاء على التواصل مع المناطق المحتلة أو المحاصرة لمدّها بالحاجات والخدمات الضرورية وإمكانات حشد الدعم الدولي لضمان وصول هذه الحاجات والخدمات. وكشف وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار عن “بقاء عناصر من قوى الأمن الداخلي في القرى الأمامية الصامدة”.

إعاقة طرق الإمداد

يعتبر الكاتب السياسي نايف عازار، في حديث لموقع “الترا صوت”، أن “من المنظور العسكري، أتت خطوة انسحاب الجيش اللبناني من هناك بعد دخول الجيش الإسرائيلي بعمق تراوح بين سبعة وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وبالتالي هذا الأمر يعيق طرق إمداد الجيش اللبناني. ومن غير المنطقي أن تمر إمدادات الجيش اللبناني عبر نطاق أو حواجز إسرائيلية، لأن ذلك يمسّ بسيادة الجيش وخصوصيته وكرامة عناصره، كذلك لا يمكن للجيش اللبناني أن “يتعايش” أو أن ينسّق بشكل مباشر مع جيش عدو، بعدما بات يشاركه الميدان نفسه”.

ويضيف عازار: “خطوة الجيش هذه ليست مفاجئة، فبعد بدء الحرب الإسرائيلية الأخيرة، كانت وحدات الجيش اللبناني تعيد تموضعها وتتراجع إلى الوراء كلما اقترب الجيش الإسرائيلي منها، علماً أن إسرائيل وجهت أكثر من رسالة دامية للجيش اللبناني من خلال استهداف مواقعه بشكل مباشر كما استهداف وحدات اليونيفيل، وهي بذلك أرادت توجيه رسائل نارية دامية للجيش واليونيفيل، لأن وجودهما هناك يزعجها ويعيق مخططها الرامي إلى إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان، شبيهة بالمناطق العازلة التي أقامتها في كل من قطاع غزة وجنوب سوريا”.

خريطة الاحتلال

في هذه الأثناء، أعلنت الحكومة الإسرائيلية تعميق العملية البرية في جنوب لبنان، وسط تسريبات في وسائل الإعلام العبرية أن العملية مفتوحة ومن غير المؤكد إذا كانت ستتوقف عند حدود نهر الليطاني، وأن سيناريوهات عدة مطروحة على الطاولة.

وفي جديد الميدان، وفق تقرير قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل”، في الساعات الـ48 الماضية، فإن الجيش الإسرائيلي يتقدّم على خطّ البيّاضة–شمع–طيرحرفا، ويسيطر على عيترون ومارون الراس ويخوض معارك في عيناتا.

وفيما يعمل على حصار بنت جبيل من خلال محاولة السيطرة على الطيري وبيت ياحون، فقد سيطر على حوالى 80 % من الخيام وعلى الطيبة ومركبا وعدشيت، ويتقدّم باتجاه وادي السلوقي.

الأهالي لمصيرهم!

حاول الجيش اللبناني في الأسبوعين الماضيين تأخير خطوة الانسحاب في ظل إصرار أهالي عدد من القرى، لا سيما رميش ودبل ذات الغالبية المسيحية، على البقاء، مستندين إلى وجوده في بلداتهم وإلى وعود كنسية وفاتيكانية بالحماية.

إلا أن تقدّم الجيش الإسرائيلي باتجاه بلدات رشاف والطيري وبيت ياحون وضع وحدات الجيش اللبناني أمام حصار ميداني مؤكد، ما حتّم خيار التراجع إلى الخطوط الخلفية.

ويشير عازار إلى أن “خطوة انسحاب الجيش اللبناني من بعض القرى الجنوبية اللبنانية التي دخلها الجيش الإسرائيلي تشكل انعطافة عسكرية وأمنية وسياسية ومجتمعية كبيرة. فوجود الجيش اللبناني كان يشكل صمام أمان وطمأنينة لسكان تلك القرى المتبقية، ويجنبها نسبيًا شرّ الضربات الإسرائيلية، فوجود القوى المسلحة الشرعية اللبنانية كان يسحب الذريعة من تحت أقدام إسرائيل لاستهداف تلك القرى، علماً أن التاريخ أثبت أن إسرائيل لا تنتظر ذرائع لمهاجمة لبنان”.

وبالفعل قام الجيش الإسرائيلي، يوم الأربعاء، بتفخيخ 10 منازل بشكل كامل في بلدة دبل، التي لا زال فيها حوالى 1600 شخص.

ويحذّر عازار من أن “الطامة الكبرى كَمُنت في أن خطوة انسحاب الجيش اللبناني تركت أبناء تلك القرى المتجذرين بأرضهم لمصيرهم، وباتوا بذلك في عراء أمني ومن دون سند معنوي، وباتت أرضهم مستباحة، بعدما كان وجود الجيش يشكل عنصر اطمئنان للسكان المصرّين على البقاء في منازلهم وأرزاقهم حفاظًا على جنى لعمارهم وخوفًا من تركها للمجهول”.

الذاكرة تعود بقسوة على الجنوبيين، حيث يذكّر عازار بأن خطوة انسحاب الجيش أعادت إلى ذاكرة اللبنانيين عمومًا والجنوبيين خصوصًا مشاهد انسحابه من الجنوب في سبعينيات القرن الفائت، حين تُرك الجنوب لمصيره، ووجد أهل الجنوب أنفسهم أمام أمر واقع دفعوا ثمنه معنوياً كثيرًا، مشدّدًا على أن هذا الأمر لا يريده أحد منهم اليوم، لذلك كان لقرار مغادرة الجيش اللبناني مناطقهم التي تعيش شبه حصار وقع الصدمة عليهم.

قلق على المستقبل

مصادر محلية في بلدة رميش، التي لا زال فيها حوالى 6000 نسمة، أكدت عبر “الترا صوت” أن الجيش اللبناني غادر القرية بشكل كامل كما باقي قرى الحافة الأمامية المجاورة، لكنه أبقى على موظفين بصفة مدنية في مستوصف الشهيد فرنسوا الحاج لتأمين الخدمات الطبية للأهالي، مشيرة إلى أن عناصر قوى الأمن الداخلي لا زالوا متواجدين في مخفر البلدة.

وكانت أشارت قيادة الجيش اللبناني في بيانها إلى أنّها تُواصل الوقوف إلى جانب الأهالي وفق الإمكانات المتاحة، من خلال الإبقاء على مجموعة من العسكريين في تلك البلدات.

إلا أن المشكلة الكبيرة تكمن في أن القوات الإسرائيلية تخطت رميش والقرى المحيطة، ما أدى إلى قطع خطوط الإمداد، حيث تشير المصادر المحلية إلى أن موكب الإغاثة الأخير من محروقات ومواد غذائية وصل منذ ٤ أيام ولم يصل من بعده أي إعانات.

وتنقل المصادر صورة ضبابية لدى الأهالي حول مصيرهم وإلى ماذا ستؤول إليه الأوضاع هناك، لا سيما وأن التطورات الميدانية تتسارع والطرقات التي كانت لا تزال مفتوحة لجهة صور والناقورة باتت مقطوعة مع احتدام المعارك في محاور بنت جبيل.

إلا أن المصادر تؤكد إصرار الأهالي على البقاء، كما أعلن كاهن الرعية الأب نجيب العميل: “يا من نموت كلنا وبتروح ضيعتنا، يا من نعيش كلنا وبتحيا ضيعتنا. ولن نغادر”.

سباق مع التسوية

صحيح أن إسرائيل تسوّق لفصل جبهة لبنان عن إيران، إلا أن تطورات الميدان توحي بأنها تسابق أي تسوية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، من خلال فرض أمر واقع ميداني جديد في الجنوب يسمح لها بالمناورة وفرض الشروط على لبنان.

وفيما يتحدث الرئيس الأميركي ترامب عن أسبوعين أو ثلاثة لإنهاء الحرب، تشير المعلومات الصحافية إلى أن عملية جنوب الليطاني قد تستغرق الفترة نفسها، إلا إذا كان الضوء الأخضر الأميركي يسمح لإسرائيل بالذهاب أبعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *