يبدو التعليم في لبنان اليوم أمام واقع استثنائي يهدّد استمراريته أكثر من أي وقت مضى. فبين صفوف أُقفلت وتحولت إلى غرف لإيواء مئات الآلاف من النازحين، وأخرى تحاول الصمود رغم المخاطر الأمنية والضبابية التي تفرضها الحرب، يواصل القطاع التربوي معركته للحفاظ على الحدّ الأدنى من العملية التعليمية. معركة يومية، يخوضها الطلاب والأساتذة والإدارات الجامعية معاً، وسط إصرار شريحة من الأهالي على متابعة تعليم أبنائهم، مقابل عجز آخرين عن ذلك بفعل النزوح والظروف المعيشية القاسية.
هذه ليست المرّة الأولى التي يُدفع فيها الطلاب إلى التعليم من خلف الشاشات. فمنذ سنوات، اعتادوا الانتقال القسري إلى التعليم عن بُعد، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالأزمات الاقتصادية والأمنية المتلاحقة، وصولاً إلى الحرب الحالية التي أعادت فرض هذا الخيار مجدداً، ولكن هذه المرّة في ظروف أكثر هشاشة وتعقيداً.
الجامعة اللبنانية الأكثر تضرراً
في الجامعة اللبنانية، حيث تقع بعض الكليات والفروع في مناطق تشهد استهدافات اسرائيلية مباشرة، أو تحوّلت مبانيها إلى مراكز إيواء للنازحين، قررت الإدارة اعتماد التعليم عن بُعد في مختلف الوحدات والفروع والمراكز. كما تم تأجيل الانتخابات الطلابية إلى موعد لاحق، في ظلّ تعذّر تنظيمها في الظروف الحالية.
هذا القرار، وإن كان ضرورياً، يعكس حجم الضغط الذي يعيشه التعليم الرسمي تحديداً، باعتباره الأكثر التصاقاً بالجغرافيا المتأثرة بالحرب، والأكثر استقبالاً للطلاب النازحين من مختلف المناطق.
تقول لمى منصور، طالبة في فرع الحدث: “في هذه الظروف لم يعد لدينا سوى التعليم لنتمسّك به. قد يكون كلّ شيء من حولنا يتغيّر، لكن دراستنا لا تزال الشيء الوحيد الذي يجب أن نستمرّ فيه”.
التعليم الحضوري كحاجة اجتماعية أيضاً
ينقسم الطلاب اليوم بين من يرى في التعليم الحضوري ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لما يوفّره من تفاعل مباشر مع الأساتذة وزملاء الدراسة، وبين من بات يتعامل مع التعليم عن بُعد كخيار عملي فرضته النكبات المتلاحقة، مستفيداً من مرونته في ظلّ صعوبة التنقّل والظروف الأمنية والضغوط المعيشية.
بالنسبة إلى كثير من الطلاب، لا يقتصر التعليم الحضوري على البعد الأكاديمي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى كونه مساحة حياة يومية تُستعاد فيها العلاقات الاجتماعية والإيقاع الطبيعي للجامعة، بما تمثّله من لقاءات ونقاشات وتجارب مشتركة تشكّل جزءاً أساسياً من التجربة الجامعية نفسها، لا مجرد تفصيل مكمّل لها.
يقول آدم ضناوي، وهو طالب في الجامعة اللبنانية الدولية، إن “التعليم الحضوري يبقى الأفضل، لكن حتى في التعليم الأونلاين تحاول الجامعة ضبط العملية التعليمية، والجميع يحاول المشاركة قدر الإمكان مع وجود تفهّم واضح من الإدارة والأساتذة”.
ترك حرية الخيار للطلاب
لجأت الجامعات الخاصة إلى نظام تعليم مدمج مراعاة لوضع الطلاب النازحين وبسبب المخاوف الأمنية. في جامعة القديس يوسف جرى اعتماد نظام التعليم المدمج، فتترك حرية الخيار للطلاب بين الحضور أو متابعة الدروس عن بُعد، مع الأخذ في الاعتبار أوضاع الطلاب النازحين. وقد طلبت الجامعة من الطلاب إبلاغ إداراتهم الأكاديمية في حال النزوح، لتسهيل متابعتهم الدراسية.
لكن رغم المرونة في التدريس، تبقى الامتحانات حضورية، نظراً لعدم وجود إطار قانوني يسمح بإجرائها عن بُعد، وللحفاظ على الاعتراف الأكاديمي بالشهادات.
وتقول ريتا، وهي طالبة سنة أولى حقوق نزحت من الضاحية الجنوبية: “الحياة يجب أن تستمر. أحاول أن أتابع دراستي قدر الإمكان، خصوصاً أن امتحاناتي في منتصف نيسان. تخطّينا هذه الظروف سابقاً، وسنتخطّاها مرة أخرى”.
مرونة بالتعامل مع الطلاب
في الجامعة الأميركية في بيروت، والجامعة اللبنانية الأميركية، التي شهدت بدورها حالة التباس أمني بعد تداول تهديدات باستهدافها، جرى اعتماد التعليم أونلاين منذ الأسابيع الأولى، فيما الامتحانات إما حضورية أو عن بعد أو جرى تأجيلها لوقت لاحق، بحسب الاختصاص.
ويشير باسل رميتي، أحد طلاب الجامعة الأميركية إلى أن الأساتذة أبدوا مرونة كبيرة في التعامل مع أوضاع الطلاب، خصوصاً الذين اضطروا إلى السفر أو النزوح، حيث أُعطوا إمكانية إجراء امتحاناتهم في مواعيد لاحقة بالتنسيق مع الإدارات الأكاديمية.
أما مريم غندور، طالبة في الجامعة اللبنانية الأميركية، فتروي تجربتها قائلة: “منذ بداية الحرب، بدأنا الدروس عن بُعد، لكن في بعض الحصص يُطلب من التلاميذ الحضور، وفي الامتحانات أيضاً”.
مريم، طالبة في السنة الأولى، تضيف قائلة عن تجربتها الشخصية: “كنت أسكن في بيروت للذهاب إلى الجامعة، لكن عندما اندلعت الحرب، اضطررت للعودة إلى البقاع الغربي عند أهلي. كان الانتقال صعباً، خصوصاً مع الضغط النفسي والخوف من عدم القدرة على متابعة الدروس، لكن أتمسك بالدراسة قدر الإمكان”.
أساتذة أيضاً في قلب الأزمة
لا يقتصر تأثير الحرب على الطلاب وحدهم. فالأساتذة أنفسهم يواجهون ظروفاً مشابهة، بين نزوح شخصي، وصعوبة التنقّل، وضغط نفسي يرافق محاولة الحفاظ على استمرارية التدريس.
تقول دكتورة في الجامعة اللبنانية نزحت من الضاحية الجنوبية (فضّلت عدم الكشف عن اسمها): “العديد من الطلاب نزحوا من منازلهم، وفقد بعضهم القدرة على متابعة الدروس بانتظام. نحن أيضاً نواجه ظروفاً صعبة، إذ اضطررت إلى ترك بيتي والتوجّه إلى مكان آمن بعيداً عن حياتي المعتادة، ومع ذلك نحاول قدر الإمكان إعادة شرح المحاضرات أكثر من مرة وتسجيلها لتكون متاحة للجميع”.
وتضيف: “النزوح ليس مجرد تغيير مكان، بل شعور دائم بعدم الاستقرار والقلق، سواء على أنفسنا أو على الطلاب. رغم كل هذا، نواصل العمل لأن التعليم أصبح بالنسبة إلينا ولهم وسيلة للصمود والاستمرار”.
ويشير أستاذ في جامعة بيروت العربية إلى أنّ التحدّي لا يقتصر على إيصال المادة العلمية، بل يتعلّق أيضاً بالحفاظ على تماسك الطلاب نفسياً، قائلاً إنّ “الجامعة في هذه الظروف ليست فقط مكاناً للتعليم، بل مساحة دعم أيضاً. نحاول أن نبقي الطلاب مرتبطين بإيقاع الدراسة حتى لا يشعروا بأن حياتهم توقفت”.
التعليم كفعل مقاومة
يستمر كثير من الأساتذة في تسجيل المحاضرات، وإعادة شرح المواد، ومتابعة الطلاب فردياً، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأكاديمي، في وقت تحوّل فيه التعليم نفسه إلى محاولة يومية لمقاومة الانقطاع أكثر مما هو مساراً أكاديمياً عادياً.
في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لم تعد الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت مساحة مقاومة يومية ضد الانقطاع عن التعليم.
وبين صفوف تُفتح افتراضياً، وأخرى تُقفل قسراً، يحاول الطلاب والأساتذة معاً حماية ما تبقّى من سنة دراسية مهددة. ليس فقط للحفاظ على الشهادات، بل للحفاظ أيضاً على فكرة الاستمرار نفسها، في بلد يعيش مرة أخرى على إيقاع الانتظار.


