بعد الاستهداف المتعمّد للصحافيين.. هل يلاحق لبنان إسرائيل في الجنائية الدولية؟
- نادر حجاز – ألترا صوت
فيما دخل لبنان في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، لا تُظهر الأخيرة أي بادرة “حسن نية”، بل تواصل اعتداءاتها اليومية رغم إعلان اتفاق لوقف إطلاق النار، الذي تفسّره دائمًا وفق إرادتها والخطوط الأمنية التي رسمتها داخل الأراضي اللبنانية.
وآخر جرائمها الموصوفة، والمصنّفة جريمة حرب، كان اغتيال الإعلامية آمال خليل في غارة على بلدة الطيري في جنوب لبنان، معرقلةً وصول الفرق الإغاثية لإنقاذها.
تُضاف هذه الجريمة إلى السياق الطويل من استهداف الصحافيين في لبنان كما في قطاع غزة، ما يستدعي أولًا توثيقها تمهيدًا لرفع هذا الملف الدموي أمام المراجع الدولية المختصة، بانتظار محاسبة عادلة سقطت دائمًا عن إسرائيل طوال عقود.
استهداف مباشر
شهد لبنان بين عامي 2023 و2026 انتهاكات جسيمة ارتكبتها إسرائيل من دون أي رادع، ضاربةً بعرض الحائط الأعراف والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان، من ضمنها الاستهدافات المباشرة لصحافيين.
فالاستهداف الأخير لخليل يؤكد أن ما حصل هو عملية اغتيال مباشرة ومقصودة، وهو ما أكده منع فرق الإغاثة من الوصول، ما أخّر وصولها أكثر من 5 ساعات إلى مكان الغارة، بعد سلسلة مناشدات وضغوط عبر لجنة “الميكانيزم”.
الوقائع التي تؤكد استهداف الإعلام بطريقة متعمدة هي نفسها تتكرّر منذ 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين استشهد المصوّر عصام عبد الله إثر غارة على تجمع للصحافيين في بلدة علما الشعب، وكان الاغتيال الأول لصحافي لبناني بعد السابع من أكتوبر، تلاها في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 استشهاد الصحافية فرح عمر والمصوّر ربيع معماري في غارة مباشرة.
وتجلّى الاستهداف الأخطر في تشرين الأول/أكتوبر 2024، حين استهدفت إسرائيل تجمعًا للصحافيين في حاصبيا أثناء نومهم، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة منهم.
وكرّت سبحة الاغتيالات وصولًا إلى اغتيال مدير البرامج السياسية في قناة المنار محمد شري وزوجته في غارة على بيروت، تبيّن أنها كانت مقصودة، وقصف سيارة مراسلة قناة “الميادين” فاطمة فتوني ومراسل قناة “المنار” علي شعيب على طريق جزين.
يؤكد هذا السياق أن استهداف إسرائيل للصحافيين في لبنان لم يكن يومًا صدفة، إنما عملًا مقصودًا ومدبّرًا لخنق الصوت وحجب الحقيقة وما يشهده الميدان من ارتكابات… فهل إسرائيل هي فعلًا فوق المحاسبة؟
طريق الحساب
تغريدة لافتة كتبتها النائب في البرلمان اللبناني حليمة قعقور بعد استشهاد خليل، سائلة: “ماذا تنتظر حكومتنا لقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية كي تطالب بالعدالة لكل الصحافيين، وكل الطاقم الصحي، وكل الأطفال والمدنيين؟”.
تؤكد النائب قعقور، في حديث لموقع “الترا صوت”، “أنني لا أرضى بالقبول بالتفلّت من العقاب في كل جرائم الحرب التي يرتكبها العدو الإسرائيلي”، موضحة أن لبنان ليس عضوًا في اتفاقية روما، مذكّرة بأنها أعدّت ورقة منذ سنتين بعد حرب الإسناد وقدّمتها إلى لجنة الإدارة والعدل النيابية، وتمت مناقشتها، كما كل السبل القانونية المتاحة في القانون الدولي لمحاربة إفلات العدو من العقاب في كل جرائم الحرب، ورفعت توصية للحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي آنذاك، مرفقة بالخطوات التي يجب أن يتبعها لبنان.
وتضيف: “كانت الحكومة في فترة تصريف الأعمال ولا تملك الصلاحية للدخول في اتفاقية روما، لكنها تملك الصلاحية في إعلان اختصاص اتفاقية روما التي تنص، في المادة 12 الفقرة 3، على الدول غير العضو في المحكمة الجنائية الدولية، والتي بإمكانها أن تطلب الاختصاص، على أن يحصل ذلك من قبل حكومات هذه الدول. وبناءً عليه، اقترحت أن هذا الخيار متاح أمام لبنان، ولكن للأسف دائمًا هناك حسابات أخرى غير العدالة والحق”.
وتشير إلى أن قرارًا صدر عن وزارة الخارجية في حكومة ميقاتي بطلب الاختصاص، لكنه سُحب بعد أيام قليلة بعد ضغوط، معتبرة أن في خلفية ما جرى سببين، فمن جهة، لم يكن حزب الله مشجّعًا كي لا تطاله تحقيقات في قضايا أخرى، ومن جهة أخرى، هناك فريق لا يريد أن يتحدّى الولايات المتحدة، ومعروف موقف واشنطن المعارض للمحكمة الجنائية الدولية، والمعركة بينهما قديمة، وهي التي أخّرت نشوءها، كما فرضت عقوبات على القضاة بعد الحكم الذي صدر بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وتضيف: “من جهتي لن أسكت، وسأستمر بالضغط على الحكومة، وسأبقى أرفع الصوت مع شركائي من جمعيات محلية ودولية، وأبلغنا نائب رئيس الحكومة طارق متري بما يجب أن نقوم به في إطار عمل اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني. ولا يقنعنا أحد بأن هذه الخطوة لا تخيف إسرائيل، وإلا لما كانت الولايات المتحدة قد هدّدت المحكمة الجنائية، فنتنياهو اليوم لا يمكنه الدخول إلى العديد من الدول الأوروبية خوفًا من توقيفه، كالمجر وإسبانيا وسواها”، مؤكدة أن لا مرور زمن على جرائم الحرب، ولذلك لا بد من المطالبة بتحقيق دولي.
شكوى لمحكمة العدل
وفي هذا الإطار، يشير نقيب محرّري الصحافة اللبنانية جوزيف القصيفي، في حديث لـ”الترا صوت”، إلى أنها “ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها إسرائيل الصحافيين وتحاصرهم، فمنذ عملية “طوفان الأقصى” ومن بعدها حرب الإسناد، الاستهدافات مستمرة للصحافيين، وبلغ مجموع الشهداء منهم 26 صحافيًا وإعلاميًا ومصورًا، إضافة إلى عشرات الجرحى، من بينهم مصابون بإعاقات دائمة أو مرحلية. ونقابة المحررين أدانت وراسلت اتحاد الصحافيين العرب، الذي بدوره ضمّ شكوى تقدمنا بها ضد إسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها، إلى شكوى تأسيسية تتعلق بإبادة الصحافيين بالعشرات في قطاع غزة، وهذه الدعوى لا تزال موضع متابعة أمام محكمة العدل الدولية، وهي تسير ببطء سلحفائي للأسف نظرًا للتعقيدات البيروقراطية والقضائية”.
ويلفت إلى أن “معظم الجرائم التي ارتُكبت ضد الصحافيين والإعلاميين على مدار العالم خلال نصف القرن الماضي لم يلقَ مرتكبوها أي عقاب، بل برعوا في الإفلات من العقاب. وحتى الآن لا تزال المحاولات جارية لإيجاد آليات دولية من أجل ضمان عدم إفلات قتلة الصحافيين والإعلاميين من العقاب، ولكن لا نتيجة حتى الآن”.
دعوة لتحرّك دولي
من جهته، يستنكر رئيس نادي الصحافة في لبنان بسام أبو زيد، عبر موقع “الترا صوت”، الاستهداف المتكرّر للصحافيين، قائلًا: “لا يمكن لنا نحن الصحافيين إلا أن ندين بقوة اغتيال الصحافية آمال خليل جراء اعتداء إسرائيلي، وقد تمادى الإسرائيليون في مهاجمة الصحافيين اللبنانيين الذين يغطون أحداث الحرب في جنوب لبنان، ما أدى إلى استشهاد وجرح عدد منهم”.
ويضيف أبو زيد: “إن وقف دوامة العنف بحق الصحافيين في لبنان أمر ملح وضروري، ولا بد من تدخل دولي يحمي هؤلاء كي يتمكنوا من ممارسة عملهم بحرية وإطلاع الرأي العام على حقيقة ما يجري، كما أدعو إلى أوسع تضامن بين الصحافيين في مواجهة ما يتعرّض له الإعلام اللبناني أثناء ممارسة العاملين فيه لمهامهم، وهم يتعرّضون لاعتداءات إسرائيلية من جهة، ومضايقات ومحاولات للحدّ من تحركاتهم من جهة ثانية، وكل ذلك غير مقبول لأن حرية الإعلام والتعبير عن الرأي لا تتجزأ”.
وحول الخطوات العملية المطلوبة، يقول: “أدعو الحكومة اللبنانية للتحرّك على المستوى الدولي لحماية الصحافيين من الاعتداءات الإسرائيلية، وأدعوها أيضًا للتحرك داخليًا وصيانة حرية الرأي والتعبير ومنع أي استباحة لها ولمعاييرها وأخلاقياتها”.
دعوة لتعليق التفاوض
أثارت جريمة قتل الصحافية خليل نقمة كبيرة، حيث أطلق العديد من الإعلاميين عبر مواقع التواصل الاجتماعي دعوات إلى تعليق مشاركة لبنان في مفاوضات واشنطن مع إسرائيل.
وفي تصريح لافت يلاقي هذه الدعوات، دعا عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله السلطة اللبنانية إلى “الخروج من مسار التنازل الذي ورّطت لبنان به”، مطالبًا بـ”وقف كل أشكال التواصل المباشر مع العدو”، معتبرًا أن الأخير “يمارس القتل المتعمد بحق المدنيين والتدمير والاغتيال”.
وتوقف عند ما جرى في بلدة الطيري، مشيرًا إلى أن “العدو منع فرق الإنقاذ من الوصول إلى المدنيين الذين استهدفهم”، معتبرًا أن “العدو الإسرائيلي يستفيد من الغطاء السياسي الذي يحصل عليه من واشنطن للتغطية على جرائمه”. ورأى أن “عدم اتخاذ موقف وطني حاسم بوقف التواصل مع العدو يشكل خطأ كبيرًا”، معتبرًا أن “هذا التواصل يمنحه صورة سياسية مجانية تغطي على جرائمه”.
وفيما قال إن “العدو اختار توقيت جريمته عشية جلسة تفاوض جديدة في واشنطن لإذلال السلطة اللبنانية”، دعا فضل الله إلى “إلغاء التفاوض المباشر مع العدو، والعودة إلى خيار التفاهم الوطني والوحدة لمواجهة العدوان بموقف موحد يحفظ السيادة ويصون دماء الشهداء”.
رسالة للمفاوض اللبناني
في السياق، وردًا على سؤال لموقع “الترا صوت” عن رسالته للوفد اللبناني إلى المفاوضات مع إسرائيل في واشنطن، يقول النقيب القصيفي: “على من سيفاوض باسم لبنان من موقع رسمي أن يضيء على المجازر التي ترتكبها إسرائيل وعلى الخروقات التي تقوم بها ومخالفتها القوانين والمواثيق الدولية والأممية التي تحظر ضرب المدنيين وقتلهم، وفي طليعتهم الصحافيين، لأنهم يُعتبرون بموجب القانون الدولي الإنساني مدنيين وليسوا طرفًا أو مقاتلين في الحروب، إلى أي وسيلة إعلامية انتموا.
كما أن هناك بروتوكولات الصليب الأحمر وقرارات الأونيسكو وغيرها الكثير التي تحظر التعرّض للصحافيين في أزمنة الحرب. أما القول ماذا تفعل النقابات والدول لحماية الصحافيين، فهذا أمر يُطرح دائمًا، لكن على من يطرح هذا السؤال أن يتنبّه إلى أنه كيف يمكن لدولة أو منظمة أو نقابة أن تحمي صحافيين عزّل من السلاح، وعدتهم العدسة والمذياع والقلم، من دولة تبيح لنفسها أن تقصفهم بالصواريخ والمدفعية وتستهدفهم مباشرة متعمدة قتلهم”.
وتعليقًا على دعوات لصحافيين على مواقع التواصل الاجتماعي لتعليق مشاركة لبنان في مفاوضات واشنطن، يقول القصيفي: “هذه قضية سياسية، لكنني أدعو الدولة اللبنانية إلى تقديم شكوى ضد الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد اللبنانيين عمومًا، وشكوى أخرى لارتكابها جرائم ومجازر بحق الصحافيين، وأن نسعى لتبيان حجم جرائم هذه الدولة الغاصبة، وأن نسعى جميعًا لاستدراج إدانات حول هذا الموضوع. فهذه الاعتداءات تطال مدنيين وصحافيين وأبرياء، كما تطاول منشآت وطبيعة وبيئة بأسرها، وعلى لبنان أن يكون في حالة تحرّك دائم وشكوى دائمة ضد الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، من دون أن يكون ذلك مرتبطًا بمفاوضات أو غيرها. فسواء كانت هناك مفاوضات أم لا، على الدولة أن تقوم بما يجب عليها أن تقوم به في هذا المجال”.
المهمة الصعبة
يعيش الصحافي في لبنان تحت الخطر، إضافة إلى معوقات كثيرة تجعل من مهمته صعبة جدًا، لا سيما في أوقات الأزمات والحروب.
ويكشف المصوّر الصحافي فضل عيتاني، في حديث لموقع “الترا صوت”، الصعوبات التي تعترض المهمات الصحافية الميدانية، معتبرًا أن “الصحافي في لبنان غير محمي، وليس هناك أي جهة تحميه، لا نقابة ولا مؤسسته الإعلامية”، مشيرًا إلى أن “مهنتنا أصبحت أصعب بكثير من السابق، فمن جهة نعمل تحت خطر الغارات الإسرائيلية، ومن جهة أخرى كثيرًا ما نتعرّض لاعتراضات على الأرض، ونُواجَه بأسئلة من القوى الفاعلة في المناطق لأي جهة نقوم بالتصوير والتغطية، في حين أن دورنا هو نقل الحقيقة، ولسنا تابعين لأحزاب ولا لأي جهة، إنما نحن منتمون لعدستنا وصورتنا فقط”.
ويسأل عيتاني: “هل حصلت أي محاسبة على استهداف الصحافيين، سواء من قبل إسرائيل أو في داخل لبنان؟ أين المعاهدات والاتفاقيات الدولية؟”، مستطردًا: “نحن نعمل بحثًا عن الحقيقة، لكننا لا نعلم متى نواجه قدرنا”.












