الانقسام الإيراني: “أعرافي” يخوض معركة خلافة للمرشد

ينتظرُ “مسار إسلام آباد” بين الولايات المتّحدة وطهران موقفاً إيرانيّاً موحّداً من المفاوضات، بعد التباين في المواقف من الاتّفاق مع واشنطن بين فريق يُمثّله كبير المفاوضين ورئيس مجلس الشّورى محمّد باقر قاليباف، وبين من بقي من صقور التيّار المُتشدّد وفي مُقدَّمهم قائد الحرس الثّوريّ أحمد وحيدي وبعض الوجوه السّياسيّة البارزة مثل سعيد جليلي وعلي أكبر ولايتي.
تحترفُ إيران عادةً سياسة توزيع الأدوار أثناء لحظات التجاذب السّياسيّ. هذا واقع ملموس في أكثر من محطّة مفصليّة، سواء قبل توقيع “ورقة العمل المُشتركة – JCPOA” (الاتّفاق النّوويّ 2015) أو بعد انسحاب الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب منه في عام 2018 وما تلا ذلك من صولات وجولات سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة بين واشنطن وطهران وصولاً إلى اليوم.
لكنّ الواقع اليوم يختلفُ ظاهره بغياب العامل الحاسم في أيّ تباينٍ أو توزيع أدوار بين فريق مُؤيّد للمفاوضات وفريق مُؤيّد للتشدّد الأقصى فيها، وهو موقف المُرشد الإيرانيّ مجتبى خامنئي.
لم يعد الانقسام في الموقف الإيرانيّ كلاماً وحسب، بل صارَ واقعاً ملموساً في كواليس المفاوضات الإيرانيّة مع الولايات المُتّحدة في إسلام آباد
هذا يعني غياب مركزيّة القرار في إيران، والتي كان يجيدها المرشد الرّاحل علي خامنئي الذي كانَ يدير الخلاف بين المُتشدّدين والإصلاحيين بكلمةِ الفصلِ عند أيّ محطّة ويُرجّح كفّة القرار. هذا ما دفع الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى تمديد مهلة وقف إطلاق النّار من دون أن يحدّد مهلةً، وذلك بعد زيارة قائد الجيش الباكستانيّ المشير عاصم منير لطهران ولقائه القيادة الإيرانيّة.
كما أنّ ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية عن استقالة محمد باقر قاليباف من رئاسة الوفد التفاوضي، وإن نفاه مصدر إيراني مُطّلع، ليسَ من فراغ. بالإضافة إلى أنّه يعكس حقيقة موقف إسرائيل الرّامي لإحباط أي فرصة للتوصّل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران من بوابة الانقسام الإيراني.
جدير بالذّكر أنّ طائرات حربية إسرائيلية انطلقت أمس الأوّل باتجاه الشّرق، أي إيران، لكنّها ما لبثت أن عادت أدراجها بعد تدخّل أميركي.
إبحث عن أعرافي..
يقول الواقع إنّ ترامب قد يستفيد من “الخلاف الإيرانيّ”، لكن بشرط أن يُبرمَ اتّفاق ينقل المُشكلة إلى داخل إيران. لكنّ الواقع الحاليّ بغياب حسمِ القرار يستنزفُ الولايات المُتّحدة مع بقاء حالة “اللاحرب واللاسلم”. أدّى الواقع الإيرانيّ الحاليّ إلى تأجيل جلسة التفاوض الثّانية إلى موعدٍ لم يُحدَّد بعدُ، قد يكون في نهاية الأسبوع الجاري، وربّما أبعد.
يؤكّد مصدرٌ مُقرّب من دوائر القرار في إيران أنّ التجاذب داخل النّظام تظهّرَ بعد رفض المُتشدّدين بقيادة أحمد وحيدي والمُرشّح الرّئاسي السّابق سعيد جليلي، الذي استُبعِد من الوصول إلى منصب الأمين العام للأمن القومي، وعلي أكبر ولايتي إطار الاتّفاق الذي اقتربَ محمّد باقر قاليباف من إبرامه.
لكنّ الأهمّ هو من يقف خلفَ ستارة هذا الموقف من التيّار الدّيني، إذ تؤكّد معلومات “أساس” أنّ موقف قائد الحرس الثوريّ أحمد وحيدي يلقى دعماً وتوجيهاً من النائب الثّاني لرئيس مجلس خبراء القيادة آية الله علي رضا أعرافي.
دفعَ أعرافي بسعيد جليلي ليسأل علناً عن موقف المُرشد الإيرانيّ مجتبى خامنئي من المفاوضات الجارية مع واشنطن، حتّى إنّه طلبَ تسجيلاً صوتيّاً للمُرشد ولو لدقيقة واحدة يؤكّد أنّه يدعم ما يفاوض عليه قاليباف في إسلام آباد حتّى يؤيّد المسار. هذا يعكس مدى تأثير غياب المُرشد عن المشهد، وبخاصّة أنّ موقف المُرشد هو من يرجّح عادةً المسائل الخلافيّة في إيران، ويلتزم التيّاران قراره.
كما تجلّى الخلاف بشكلٍ بارزٍ بعد إعلان وزير الخارجيّة عبّاس عراقتشي، المؤيّد للتفاوض، عن إعادة فتح مضيق هرمز، ليُباغته الحرس الثّوريّ بعد 24 ساعة بإعلانٍ مضادّ حول إعادة إغلاق المضيق. ويُعزّز هذا الخلاف ما يدور من حديثٍ في الكواليس عن إخضاع محمّد باقر قاليباف للإقامة الجبريّة، أو “الإقامة تحت رقابة الحرس”، وذلكَ بعد إعلان فتح المضيق، وما أثيرَ في الإعلام عن الخلاف بين الجناحيْن في طهران.
لم يقف الخلاف بين الجناحيْن عندَ حدود إيران، بل وصلَ إلى الحزبِ في لبنان. إذ يذكر مصدر لبناني واسع الإطّلاع لـ”أساس” أنّ قاليباف أبلغ سفير إيران، الذي لم يُعتمد لدى لبنان، محمّد رضا شيباني بموعد وقف إطلاق النّار في لبنان. فبادرَ الأخير لإبلاغ الحزبِ عن الموعد. لكنّ أحد قياديي الحزبِ البارزين المُقرّبين من الحرس الثّوريّ أبلغَ المعنيين في لبنان أنّ الحزب سيطلب من أهالي الجنوب والضّاحية التريّث في العودة إلى منازلهم، وذلك انطلاقاً من أنّ الحزبَ يعتبر نفسه غير معنيّ باتفاق وقف إطلاق النّار.
هذا يعني أنّ الجناح المُقرّب من الحرس الثّوريّ في الحزبِ تبلّغ من قيادة فيلق القُدس الاستمرار في الرّد على الهجمات الإسرائيليّة، بمعزلٍ عمّا أبلغه قاليباف وعبّاس عراقتشي لمحمّد رضا شيباني.
يقول الواقع إنّ ترامب قد يستفيد من “الخلاف الإيرانيّ”، لكن بشرط أن يُبرمَ اتّفاق ينقل المُشكلة إلى داخل إيران
أين المرشد؟
ما يحصل يعيد طرح السّؤال الذي يبحث الجميع من البيت الأبيض في واشنطن إلى قيادة الجيش في إسلام آباد مروراً بدوائر القرار في طهران نفسها: أينَ مجتبى خامنئي؟ هل يوجد أساساً على رأس القيادة الإيرانيّة؟
ليس من السّهل الإجابة على هذا السّؤال، وخصوصاً أنّ مناصري التيّارَيْن المؤيّد والرّافض للمفاوضات يبحثون عن إجابته في داخل إيران نفسها. تقول التسريبات إنّ قاليباف يُنسّق خطواته مع المُرشد. لكنّها في الوقت عينه تقول إنّ أحمد وحيدي من الشّخصيات القليلة جدّاً التي تلتقيه. هذا يردّنا إلى عدّة فرضيّات تتعلّق بمصير مجتبى خامنئي، وهي:
- أن يكونَ مجتبى خامنئي حيّاً يُرزق على رأس الهرم القياديّ لإيران، لكنّه يتعمّد الغياب ضمنَ التكتيكات التفاوضيّة الإيرانيّة لإيجاد حالة من اللايقين عند الطّرف المفاوض الآخر واستنزافه سياسيّاً، وبخاصّة أنّ الخلاف الإيرانيّ تظهّر بشكلٍ فاضحٍ في السّاعات التي سبقت انتهاء مهلة وقف إطلاق النّار مع الولايات المتّحدة.
- أن يكون المُرشد الإيرانيّ مصاباً لدرجة تمنعه من التحدّث أو اتّخاذ قرار، وهذا سيُرسّخ الانقسام الإيرانيّ الدّاخليّ.
- أن يكونَ المُرشد قد قُتل بالفعل جرّاء محاولة استهدافه في لحظة اندلاع الحرب، وهذا يعني أنّ علي رضا أعرافي لا يقود فقط حملة مناهضة التفاوض، بل معركة الإرشاد، وبخاصّة أنّه كان من الأسماء المطروحة لخلافة عليّ خامنئي بعد اغتياله.
إقرأ أيضاً: قاآني في بغداد: الأمر للحرس
تنقسم إيران أيضاً إلى فريقَيْن كالآتي:
- الفريق الأوّل المُؤيّد للتفاوض والتوصّل إلى حلّ مع الجانب الأميركيّ، ويقوده محمّد باقر قاليباف ويدعمه الجيش الإيرانيّ وقسمٌ من الحرس الثّوريّ مثل علي أكبر أحمديان أحد المُقرّبين من قاليباف والرّئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجيّة عباس عراقجي والرّئيس الأسبق حسن روحاني ومحمّد جواد ظريف.
- الفريق الثّاني المُتشدّد تجاه المفاوضات يدعمه آية الله علي رضا أعرافي ويقوده قائد الحرس أحمد وحيدي وسعيد جليلي وعليّ أكبر ولايتي.
يترقّب العالم اتّضاح الموقف الإيرانيّ ليتبيّنَ كيف سيُقرّر ترامب. إمّا أن يظهر مجتبى خامنئي ويحسم الموقف، فإن كانَ لمصلحة الفريق المؤيّد للتفاوض، فإنّ الأرجح أن تسير المفاوضات كما يريد ترامب، وإن حُسمَ لجهة التشدّد وموقف قيادة الحرس، فسيشتدّ الضّغط إمّا بالحصار أو بالضّربات التي تستهدف هذا التيّار، وإمّا أن يبقى الوضع على ما هو عليه، وهذا يعني تصدير الأزمة إلى داخل إيران، وأن يبدأ النّظام بنهش نفسه.
ابراهيم ريحان أساس ميديا












