سجال سياسي في البرلمان اللبناني… وهل يسقط الغلاء الحكومة؟!

نادر حجاز

ينقسم المشهد السياسي اللبناني تحت قبة البرلمان، في صورة تعكس حجم الهوّة الكبيرة بين القوى السياسية في مقاربة ملفات المرحلة الساخنة، على وقع الحرب الشرسة في الجنوب والاعتداءات الإسرائيلية اليومية والسيناريوهات الخطرة المتوقعة.يشكّل “اتفاق الإطار” بين لبنان وإسرائيل نجم جلسات مساءلة الحكومة، التي انطلقت بسيل من السجالات بين النواب، بين فريق يؤيد التفاوض المباشر مع إسرائيل وقرارات مجلس الوزراء بسحب السلاح غير الشرعي، وبين فريق يرى في هذا التفاهم تنازلاً عن السيادة وعن حقوق لبنان. قوى تحاسب نفسهايبدو الأمر غريب شيئاً ما، فغالبية القوى السياسية التي تشكّل البرلمان ممثّلة عبر وزراء في الحكومة، ربما باستثناء التيار الوطني الحر، ما يجعل من جلسة المساءلة والمحاسبة فضفاضة بعض الشيء، حيث تحاسب الأحزاب والكتل نفسها بدلاً من اتخاذ اجراءات من داخل الحكومة.وكانت كلمة لرئيس الحكومة نواف سلام في بداية الجلسة، قال فيها: “أريد من هنا أن أصارح جميع اللبنانيّين، موقفنا صعب، وصعب جدًّا، لكنّ الخروج منه ليس مستحيلًا”، قبل أن يشدّد على أنّ “حرب آذار فُرضت علينا ولم نُسأل عنها، وقد حذّرنا منها، لكنّكم تعرفون ما حصل”.وتجاوز سلام الدفاع التقني عن أداء حكومته إلى طرح سؤال سياسي أوسع يتعلّق بمن اتخذ القرارات التي رتّبت على الدولة والمجتمع هذه الأثمان.وقال سلام إنّ “كلفة الحروب الأخيرة التي جُرّ إليها لبنان باهظة جدًّا”، مشيرًا إلى أنّ تقديرات البنك الدولي تضع الكلفة الإجماليّة للحرب الأولى عند نحو 14 مليار دولار.أما الحرب الأخيرة، فأوضح سلام أنّ كلفتها المباشرة تتراوح حتى الآن بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار، من دون أن يشمل ذلك الكلفة الاقتصاديّة الأوسع التي تُقدّر بما بين أربعة وخمسة مليارات دولار، فيما قد تتجاوز الكلفة الاقتصاديّة الإجماليّة 27 مليار دولار عند اكتمال احتساب تداعيات الحرب الأخيرة.الحكومة تغطي “الإطار”؟الحديث عن الحرب وتداعياتها يطرح مسألة اتفاق الإطار والجدوى منه. ولكن هل تتحمّل الحكومة مسؤولية وتبعات هذا الاتفاق لدعوتها للمثول إلى المحاسبة، فيما رئاسة الجمهورية هي التي تدير ملف التفاوض بكل تفاصيله؟يشير الخبير الدستوري الدكتور جهاد اسماعيل، في حديث لـ”الترا صوت”، إلى أنه “من الثابت أن انعقاد جلسة المناقشة العامة في مجلس النواب يجد أساسه القانوني في المادة 136 من النظام الداخلي لمجلس النواب لجهة أنه يجب، بعد كلّ ثلاث جلسات عمل على الأكثر، تخصيص جلسة للأسئلة او الإستحواب أو للمناقشة العامة، وكذلك في المادة 137 من النظام الداخلي لجهة وجوب تعيين جلسة لمجلس النواب في سياستها العامة بطلب عشرة نواب، وبما أن شروط أحكام المادتين المذكورتين متوافرة، بموجب انعقاد جلسات العمل وطلب النواب، فيعني أن اجتماع المجلس يقع في مكانه الصحيح، بحيث لا تُفرغ الجلسة من مضمونها بمجرد ألا يَطرح النواب الثقة بالحكومة بموجب أن المادة 138 من النظام الداخلي نفسه أجازت طرح الثقة، انما لم توجبه بمفروض عبارة: لكل نائب أن يطرح الثقة بعد انتهاء المناقشة”.ورداً على سؤال عمّا إذا كانت الحكومة هي الجهة المفترض مساءلتها حول اتفاق الإطار، يقول اسماعيل: “بما أن محضر جلسة مجلس الوزراء رقم 65، في تاريخ 25 حزيران 2026 يؤكد تفويض الحكومة إلى الوفد المفاوض في واشنطن وإبرام نتائج ذلك وفق المادة 52 من الدستور، أيّ إلزام الحكومة نفسها بالأصول المنصوص عليه في هذه المادة، فيعني محاسبة مجلس النواب للحكومة على الاتفاق يستند إلى أصول إجراء هذا الاتفاق أو لجهة نتائجه، في حين أن هذا التفويض ليس صحيحًا من الناحية الحقوقية، على اعتبار أن المادة السابعة من اتفاقية فيينا أجازت التفويض في حدود اعتماد نصّ المعاهدة او توثيقه لا في إبرامه. عدا أن التفويض، من الناحية القانونية، لا يجوز أن يكون مطلقاً بل يجب تقييده بنطاق موضوعي، مما يستوجب المساءلة أو المناقشة داخل المؤسسات الدستورية، لكن بما أن النظام السياسي في لبنان هو برلماني فالمسؤولية السياسية تقع على عاتق الحكومة، بحيث لا يُسأل رئيس الجمهورية سياسياً أمام المجلس إلا في حالة خرق الدستور أو الخيانة العظمى بموجب آليات حددتها المادتان 60 و 80 من الدستور اللبناني”.معاهدة دوليةويعقّب: “من الثابت أن القوة الإلزامية للاتفاق ترتبط بدخوله حيّز التنفيذ وفق أحكام المادة الرابعة من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، في حين أن تمتعه بالصيغة التنفيذية يتطلب، وفق المادة العاشرة من الاتفاقية نفسها، سلوك الإجراءات المنصوص عليها في دساتير الدول المنضمة إليها، ومن بينها، بحسب المادة 52 من الدستور اللبناني، موافقة مجلس الوزراء، وكذلك مصادقة مجلس النواب، لكون هذا الاتفاق يندرج ضمن المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنةً فسنةً، ويرتبط، في الوقت نفسه، بسيادة الدولة وكيان الأمة، تمامًا كما كان الحال في المادة التاسعة من دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة”.ويضيف اسماعيل: “ما يعزز هذا المنحى من التحليل هو أن مجلس شورى الدولة استقر على اعتبار اتفاق الإطار معاهدةً دوليةً، بصرف النظر عن التسمية (القرار رقم 98/99)، وذلك بمجرد أن يتضمن، برأينا، التزامات متبادلة. في حين أن الاتفاق المشار إليه لا يرتب على عاتق الدولة التزامات فحسب، بل يعلّق ممارسة الحقوق على شروط وقيود تتجاوز، أصلًا، حدود المعاهدات، مما يعني أن اتخاذ خطوات عملية لإتفاق لم يتبلور دستوريًا يعدّ سلوكًا سياسيًا منفصلًا تمامًا عن النصوص حيث يستوجب، في آنٍ، المناقشة او المحاسبة، بمعزل عن مدى إكتمال بنيانه التكويني من الناحية الحقوقية، وبمعزل عن التسمية الّتي منحتها السلطة السياسية للإنفاق”.إسقاط الحكومة؟لا تزال الحكومة اللبنانية تحظى بدعم أكثرية الكتل النيابية، رغم الاعتراضات المتفرقة للكتل حول ملفات أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية. إلا أن الكباش البرلماني يعكس موقف فريق غير راضٍ على الخيارات الرسمية للحكومة ورئاسة الجمهورية، ويشكّل حزب الله رأس حربة فيه، رغم تمثيله بوزيرين في الحكومة، وكان دعا مراراً الى وقف التفاوض مع إسرائيل.ولكن هل تسقط الحكومة في الشارع؟يُسمَع همس في بيروت حول أن تحركات احتجاجية قد تنزل إلى الطرقات في أي لحظة، وليس بالضرورة لأسباب سياسية، إنما على وقع الغلاء الفاحش الذي بدأ يهدّد الأوضاع المعيشية للبنانيين وقدرتهم الشرائية.فأسعار المحروقات ترتفع بشكل جنوني مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، وقد تخطت صفيحة البنزين، يوم الثلاثاء، الثلاثين دولاراً، فيما بلغ سعر طن المازوت 1650 دولاراً ما سينعكس بشكل كارثي على أسعار كل السلع والمواد الغذائية والخدمات.تراكم الخسائروفي هذا السياق، يوضح الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية العميد المتقاعد غازي محمود، في حديث مع “الترا صوت”، أن “جلسة المناقشة العامة لسياسات الحكومة تأتي في وقت يرزح فيه لبنان تحت وطأة أزمة مالية واقتصادية متواصلة منذ خريف عام 2019، من دون أن تنجح الحكومات المتعاقبة في إقرار خطة متكاملة للتعافي المالي تعالج الخسائر المتراكمة، وتعيد هيكلة القطاع المصرفي، وتحدّد بوضوح آلية استرداد الودائع. وقد زادت المواجهة العسكرية مع إسرائيل، التي بدأت مع إسناد غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023 قبل أن تتوسّع إلى حرب مدمرة، من تعقيد الأزمة ورفعت كلفتها الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في المناطق المتضرّرة، في ظل الحاجة إلى تمويل واسع لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد”.ويضيف “فيما تتمحور مداخلات النواب حول تقييم أداء الحكومة ومساءلتها عن سياساتها، ما زال المودعون ينتظرون تشريعًا عادلًا وشفافًا يضمن حقوقهم. أمّا موظفو القطاع العام والعسكريون والمتقاعدون، فيطالبون بتصحيح فعلي ومستدام لرواتبهم ومعاشاتهم، بعدما فقدت الجزء الأكبر من قيمتها الشرائية بفعل انهيار العملة وارتفاع كلفة المعيشة، والضغوط التضخمية الناجمة عن الحرب على إيران التي استهلكت قيمة الزيادات قبل أن تصل إلى مستحقيها”. ويستطرد: “في المقابل حدّدت الحكومة رواتب فلكية للهيئات الناظمة وبالدولار الأميركي حماية لهم من تقلّب سعر الصرف، وأقر النواب زيادة مخصصاتهم من نحو ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف دولار شهريًا، في الوقت الذي يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص 28 مليون ليرة أي نحو 312 دولارًا. فيما تغيب عن مشروع موازنة عام 2027 الاعتمادات الضرورية لتصحيح دائم وعادل لأساس الراتب”.واقع مزرٍويضيف محمود: “أمام هذا الواقع المزري، يُطرح احتمال أن تدفع نتائج الجلسة روابط موظفي القطاع العام والمتقاعدين إلى توسيع تحركاتهم النقابية والشعبية والضغط على الحكومة لتحقيق مطالبهم، ولا سيما بعد أن بدأ العسكريون المتقاعدون وموظفو القطاع العام تصعيد تحركاتهم اعتراضًا على مشروع موازنة 2027. في حين نجحت الحكومة في احتواء تحرك العسكريين المتقاعدين من خلال تشكيل لجنة وزارية تتولى احتساب كلفة الزيادات والبحث عن مصادر تمويلها. وأمام هذا الواقع، يُطرح السؤال عمّا إذا كانت نتائج جلسة المناقشة العامة ستدفع روابط موظفي القطاع العام والمتقاعدين إلى تصعيد تحركاتها النقابية والشعبية، بما يضع الحكومة، إذا عجزت عن معالجة مطالبهم، أمام أزمة سياسية قد تنتهي باستقالتها أو بحجب مجلس النواب الثقة عنها، وهو أمر مستبعد حتى لا نقول مستحيل”.ويختم: “أمّا أقصى ما قد تفضي إليه هذه الاحتجاجات، فهو انتزاع بعض التنازلات المالية أو التسويات الجزئية التي دأبت السلطة على اعتمادها لاحتواء التحركات، مستغلّةً حرص الموظفين والمتقاعدين على استمرارية مؤسسات الدولة، فيما تواصل هي هدر الإمكانات وتفويت الفرص”.قنبلة موقوتةتختلط الأزمات في لبنان بين السياسي والأمني والاقتصادي، ففيما ينعدم الأمن تحت الضربات الاسرائيلية المستمرة، لم ينجح بعد بإحداث خرق يُذكر في الخيار الدبلوماسي والسياسي. وفيما يزداد الشلل المؤسساتي، تتآكل مقدرات اللبنانيين المعيشية بسرعة ويفقدون قدرتهم الشرائية شيئاً فشيئاً تحت تأثير الازمة العالمية التي أحدثتها الحرب الأميركية الإيرانية.كل هذا يحوّل من هذا البلد الصغير إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة، وربما تكون فرصة للكثير من المستفيدين لاستغلالها في أهداف أبعد من لقمة عيش الناس وأمنهم.

إرسال التعليق

You May Have Missed