في الأطلال بلازا… يغيب هاني شاكر عن المسرح، لكنّ الوفاء يعيد صوته إلى لبنان: إيهاب توفيق يحمل الأمانة وخضر عكنان يصون الحكاية

كتب الإعلامي عارف مغامس في موقع اليومية

في 12 كانون الأول، لن تكون الحكاية حفلا غنائيا عابرا، ولا تغدو حدثا فنيا كغيره من الاحداث، في 12 كانون الأول الجمهور الوفي للراحل الكبير هاني شاكر وللفن الراقي على موعد مع الذاكرة والوفاء، يستعيد فيه لبنان صوت أمير الغناء العربي هاني شاكر، بمبادرة من مدير أعماله اللبناني خضر عكنان، وبصوت الفنان المصري إيهاب توفيق الذي يختار أن يجعل من الغناء تحية محبة لصديق المهنة وقامة الفن العربي.هناك فنانون يغادرون المسرح، وهناك فنانون يصبح المسرح، بعد رحيلهم، أكثر التصاقاً بأسمائهم. وهاني شاكر من أولئك الذين تُقاس علاقتهم بالجمهور بما تركه في القلوب من أغنيات وذكريات ومشاعر يصعب أن يطويها الزمن.في الأطلال بلازا، المكان الذي شهد محطات مضيئة من لقاءات أمير الغناء العربي بجمهوره اللبناني، يعود الموعد في 12 كانون الأول مختلفاً هذه المرة. لا يقف هاني شاكر على الخشبة بجسده، لكن صوته وأغنياته وذكراه ستكون حاضرة، في أمسية يحييها الفنان المصري إيهاب توفيق، وفاءً لاسم ترك في الوجدان العربي ما هو أبعد من النجاح والشهرة.إنها ليلة تتقدّم فيها العاطفة على الاستعراض، ويصبح فيها كل لحن رسالة، وكل أغنية استعادة لزمن جميل، وكل تصفيق تحية لفنان أحبّه اللبنانيون، فبادلهم حباً لم يكن عابراً ولا مرتبطاً بموسم سياحي أو مناسبة فنية.ليس كل تكريم لفنان راحل قادراً على ملامسة روحه الفنية والإنسانية. فثمة فرق بين أن تُؤدّى أغنيات فنان كبير على المسرح، وأن تُؤدّى بمحبة حقيقية، وبإحساس يدرك قيمة صاحبها ومكانته في ذاكرة الناس.ومن هنا، تكتسب مشاركة إيهاب توفيق في هذه الأمسية معناها الخاص. فهو لا يأتي إلى الأطلال بلازا ليقدّم حفلاً عادياً، إنما ليشارك في استعادة إرث فني صنعه هاني شاكر على امتداد عقود، وليمنح الجمهور فرصة الإصغاء إلى أغنيات ارتبطت بأفراحه وأحزانه وذكرياته الشخصية.وفي هذه المبادرة، تتقدّم قيمة الوفاء على أي اعتبار آخر؛ إذ يضع إيهاب توفيق صوته بوصفه رسالة إنسانية وفنية، عنوانها أن المحبة الصادقة لا تنتهي برحيل أصحابها، وأن تقدير القامات الكبيرة لا يحتاج إلى مناسبة عابرة كي يُعبَّر عنه.ومن المنتظر أن يقدّم باقة من أشهر أغنياته التي رافقت أجيالاً من المستمعين، إلى جانب مختارات من روائع هاني شاكر، في لقاء بين صوتين مصريين جمعهما الانتماء إلى مدرسة الغناء العاطفي، حيث للكلمة وزنها، وللحن مكانته، وللإحساس الكلمة الأخيرة.وإذا كانت الأغنيات تعيش بأصوات أصحابها، فإنها تعيش أيضاً بصدق من يحملها إلى الجمهور بعدهم. وهذه هي القيمة التي يُنتظر أن تمنح الأمسية خصوصيتها: أن يتحوّل الأداء إلى تحية، والطرب إلى ذاكرة، والوقوف على المسرح إلى موقف وفاء.لكن وراء هذه الأمسية حكاية أخرى تستحق أن تُروى، بطلها رجل آمن بأن الفن الكبير يستحق أن يُقدَّم كما يليق به، وأن علاقة لبنان بكبار الفنانين العرب هي صلة أخلاقية وفنية وثقافية وإنسانية تتجدّد مع كل لقاء.إنه خضر عكنان، مدير أعمال هاني شاكر الراحل، الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بسلسلة من الحفلات الناجحة التي أعادت أمير الغناء العربي إلى جمهوره اللبناني، في مرحلة كان فيها لبنان يواجه ظروفاً صعبة، وكانت إقامة الحفلات الكبرى تحتاج إلى إرادة ومثابرة وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للفرح.لم يتعامل عكنان مع هاني شاكر بوصفه اسماً فنياً كبيراً فحسب، بل عمل على تقديمه إلى جمهوره بالصورة التي تليق بتاريخه، من خلال حفلات امتدّت إلى مناطق لبنانية مختلفة، وأعادت وصل ما انقطع بين الفنان ومحبيه بعد سنوات من الغياب الحضوري.وقد شكّل الأطلال بلازا إحدى أبرز محطات هذا المسار، إلى جانب حفلات أخرى في لبنان، بينها اللقاء الفني الذي جمع هاني شاكر بمروان خوري في كورال بيتش بيروت، في أمسية استثنائية أكدت قدرة الفن على جمع الأصوات المختلفة حول مساحة واحدة من الجمال.ولم تكن ثقة هاني شاكر بخضر عكنان تفصيلاً عابراً في مسيرتهما المشتركة. ففي آب 2024، أعلن الفنان الراحل تكليف عكنان بإدارة أعماله الفنية والقانونية في لبنان والعالم العربي، في خطوة عكست حجم الثقة التي نشأت بينهما، بعد سلسلة من النجاحات التي حققتها حفلات نظّمتها شركة عكنان للإنتاج الفني.لقد تجاوزت العلاقة حدود المتعهد والفنان، لتصبح شراكة مهنية وإنسانية تقوم على الثقة والاحترام والإيمان المشترك بقيمة الفن. ولذلك، فإن استمرار عكنان في تنظيم أمسية تحمل اسم هاني شاكر وذكراه يبدو امتداداً طبيعياً لمسيرة لم تنتهِ بانتهاء الحفلات، بل اكتسبت بعد الرحيل معنى أكثر عمقاً.فبعض الناس يرافقون الفنان في نجاحه، أما الأوفياء فيحرصون على صون حكايته حين يصبح استحضارها مسؤولية.لم يكن حضور هاني شاكر في لبنان حدثاً طارئاً في مسيرته. فمنذ عقود، ارتبط اسمه بالجمهور اللبناني الذي وجد في صوته مساحة من الرومانسية الأصيلة، وفي أغنياته لغة عاطفية لا تحتاج إلى ترجمة.وعلى امتداد السنوات، استقبلته المسارح والصالات اللبنانية، من محطات فنية ارتبطت بذاكرة جيل الثمانينيات والتسعينيات وما تلا ذلك، إلى حفلات السنوات الأخيرة التي أثبتت أن شعبيته لم تكن حنيناً إلى الماضي، بل علاقة حيّة تتجدد كلما اعتلى المسرح.وفي الأطلال بلازا تحديداً، شهد الجمهور في أكثر من مناسبة تلك الكيمياء الخاصة بين هاني شاكر ومستمعيه؛ حين كان يقدّم أغنياته القديمة والجديدة، فيردّد الحاضرون معه كلمات حفظوها عن ظهر قلب، وكأن الزمن يتراجع بهم إلى لحظات شخصية لا يعرف تفاصيلها سواهم.وفي حفلاته اللبنانية، امتد التفاعل إلى حضوره المتواضع، وطريقته في مخاطبة الجمهور، وقدرته على تحويل الأمسية إلى لقاء حميم بين فنان يعرف قيمة محبيه، وجمهور يشعر بأن الأغنية كُتبت يوماً ما لتعبّر عنه.ولعلّ من أجمل ما بقي من تلك العلاقة أن هاني شاكر اقترب من وجدان اللبنانيين من خلال أغنيته اللبنانية «يا ويل حالي»، التي حملت بصمات لبنانية في الكلمات والألحان والتوزيع، وقدّمها بحماسة عكست محبته لهذا البلد واعتزازه بالتفاعل مع فنه ولهجته.وفي مقالات سابقة في «اليومية»، واكبتُ فيها محطات من عودته إلى لبنان ونجاحات حفلاته، كان واضحاً أن الحكاية هي حكاية قلب أحب لبنان، وعلاقة حب متبادلة بين صوت كبير وجمهور ظلّ ينتظره، وعن خضر عكنان الذي عمل على إعادة هذه العلاقة إلى واجهة المشهد الفني اللبناني ووهج هاني شاكر الذي لا يغيب، ولن يغيب.واليوم، حين يعود اسم هاني شاكر إلى الأطلال بلازا، فإن المكان يستعيد شيئاً من تاريخه، والجمهور يستعيد شيئاً من ذاكرته، فيما يتحوّل الموعد إلى تحية لفنان ترك بصمته في وجدان أجيال عربية كاملة.تُقام الأمسية بإعداد وتنظيم خضر عكنان، وبرعاية «القاهرة 24»، لتجمع بين الحضور الفني لإيهاب توفيق والذاكرة الغنائية لهاني شاكر، في مناسبة تحمل أبعاداً تتجاوز حدود البرنامج الغنائي.فالأغنيات التي سيؤديها إيهاب توفيق هي جسور بين زمنين، ورسالة إلى جمهور لا يزال يرى في هاني شاكر واحداً من أبرز الأصوات التي صاغت ملامح الأغنية العربية الحديثة.وفي ليلة كهذه، يتقدم السؤال عن حجم المشاعر التي ستوقظها تلك الليلة؛ عن تلك اللحظة التي يتعرّف فيها الجمهور إلى لحن مألوف، فتسبقه الذاكرة إلى الكلمات، ويصبح التصفيق تعبيراً عن اشتياق لا تستطيع اللغة وحدها أن تشرحه.وستكون الأمسية أيضاً مناسبة لتكريم الجهد الذي بذله خضر عكنان في بناء مسيرة حفلات هاني شاكر في لبنان، وإبقاء اسمه قريباً من جمهوره، في تأكيد أن صناعة الحضور الفني لا تقوم على التنظيم وحده، بل تحتاج إلى رؤية وإخلاص وإيمان بقيمة الفنان وما يمثّله.في الثاني عشر من كانون الأول، ستعود أغنيات هاني شاكر إلى الأطلال بلازا، لتملأها بالذكريات.سيغنّي إيهاب توفيق، وسيحضر اسم هاني شاكر في كل لحن، وستكون هناك حكاية وفاء يقف خلفها خضر عكنان، الذي اختار أن تبقى الصلة بين الفنان الراحل وجمهوره اللبناني حيّة، وأن تتحوّل الذكرى إلى موعد جديد مع الفن والمحبة.هاني شاكر الذي أحبّ لبنان، وأحبّه اللبنانيون، يعود هذه المرة من بوابة أغنياته، بصوت إيهاب توفيق، وبوفاء خضر عكنان، ليؤكد أن بعض الأصوات لا يغيب صداها، وأن الفنان الذي يسكن الوجدان لا يحتاج إلى جسد على المسرح كي يكون حاضراً.في الأطلال بلازا، ستكون ليلة هاني شاكر استعادة لحبّ لا يرحل، ووفاء لا يتبدّل، وذاكرة فنية ستبقى أكبر من الغياب.

إرسال التعليق

You May Have Missed