كتب نقولا أبو فيصل “وحدة الكنائس بين الصلاة الموسمية ووجع الناس اليومي”!

ليست الصلوات في الأسبوع الثالث من شهر كانون الثاني من كل عام من أجل وحدة الكنائس هي ما يثير استغرابي، بل ما يليها من صمتٍ طويل يمتدّ واحدًا وخمسين أسبوعًا من السنة. تلك الصلوات، بصيغتها الاحتفالية، تبدو أقرب إلى طقوس شكلية تُرضي الضمير ولا تُغيّر الواقع. فوحدة الكنائس لا تُقاس بعدد البيانات المشتركة ولا بالصور التذكارية بل بقدرتها على لمس وجع الناس اليومي . أمّا أن تكون الوحدة فقط شعارًا معلّقًا في الهواء وتُترك العائلات المسيحية وحيدة في مواجهة الانهيار عندها تصبح الصلاة بلا ترجمة والكلام بلا وزن.
صلاتي، يا آبائي الأجلّاء لا تُختصر بأسبوعٍ في السنة، بل تمتدّ على مدار العام، متواضعةً في كلماتها، مُلحّةً في رجائها، وملتصقةً بوجع الواقع. هي صلاة ابنٍ أرثوذكسيٍّ في لبنان يحمل إيمانه على كتفيه، ويخدم القديس شربل في أرمينيا برجاءٍ صامت.. صلاتي إلى رؤساء المدارس من رهبان وراهبات أن يُلهمهم الروح القدس خفض الأقساط المدرسية، كلٌّ ضمن طائفته، لأن المدرسة اليوم صارت ساحة الفرز الطبقي الأولى، وممرّ الهجرة الإجباري للأهالي. صلاتي إلى مديري المستشفيات، من علمانيين ورجال دين، أن يتحلّوا بالرحمة في فواتير الاستشفاء، فما جدوى الوعظ عن البقاء والصمود، فيما المؤسسات التربوية والاستشفائية المسيحية تُدار بعقلية تجارية قاسية، وكأنها غير معنيّة بمصير العائلات.
كيف تريدون، أيها الآباء، أن نقنع الناس بالتجذّر في أرضهم، ونحن نحمّلهم ما لا يُحتمل، ثم نستغرب رحيلهم؟ والأخطر من ذلك كلّه، هو الاكتفاء بوضع الملامة على الآخرين، وكأن الكنائس بريئة من أي دور في تفريغ البلاد من المسيحيين. نعم، المؤامرة الحقيقية ليست دائمًا خارجية؛ أحيانًا تبدأ من الداخل: من التواطؤ بالصمت، من العجز عن المراجعة ومن الخوف من كسر المنظومات القائمة. فَوحدة الكنائس لا تُبنى بالصلاة الموسمية، بل بالشجاعة: شجاعة الاعتراف، شجاعة الإصلاح وشجاعة الانحياز إلى الإنسان قبل المؤسسة. دون ذلك، تبقى الوحدة نشيدًا جميلًا… يُرتَّل فيما السفينة تغرق ، “اناديك يا ربي يا الاله” كما يرنم الفنان الصديق نقولا الاسطا .
نقولا أبو فيصل كاتب وباحث وعضو إتحاد الكتاب اللبنانيين
www.nicolasaboufayssal.com
اتّحاد الكتّاب اللبنانيّين












