مهلاً شيخ نعيم.. مصارحة اللبنانيين أفضل من استغبائهم
صلاح الدبيسي – الأنباء
منذ إنتخابه أميناً عاماً لـ “حزب الله” خلفاً للأمين العام السابق السيد حسن نصرالله، انتهج الشيخ نعيم قاسم أسلوباً مغايراً في مخاطبة اللبنانيين، بخلاف الطريقة التي كان يتبعها السيد نصرالله من تشويق واثارة. اذ تعمد الإختصار في تلاوة خطاباته، ربما لأن الوقت اليوم وبعد استشهاد السيد نصرالله ومعظم قادة فرقة “الرضوان” والإنتكاسة التي عصفت بـ “حزب الله” بعد حرب الإسناد، لم تعد تسمح بالخطابات المطولة، وأفضت في النهاية الى إعتماد الإيجاز والإختصار، وحسناً فعل. فالوضع بعد حرب الإسناد ونتائجها المدمرة على لبنان وعلى بيئة “حزب الله” خصوصاً، يتطلب التقليل من الخطابات والكثير من العمل. وهذا الأسلوب ليس تهمة فالرئيس وليد جنبلاط أتقن هذا الأسلوب منذ أكثر من خمسين سنة، ما جعله بارومتر السياسة اللبنانية والعربية وحتى الدولية، أو بمعنى أصح المراقب الدقيق للتقلبات السياسية ليس على مستوى لبنان وحسب، بل على مستوى العالم أجمع. لكن الغرابة في كلام الأمين العام لـ “حزب الله”، محاولاته القفز فوق الأحداث التي كان الحزب جزءاً منها، ومحاولاته الهروب الى الأمام، وتحميل الحكومة والفريق المناوئ لسياسته نتائجها. فقد دأب الشيخ منذ خمسة عشر شهراً على تحميل الحكومة مسؤولية عدم الدفاع عن لبنان، والتأخير في الإعمار وغيرها من التهم التي كان يطيب له أن يلصقها بحكومات هو شريك فيها بفاعلية، من دون أن يأتي على ذكر حرب الإسناد التي أقحم “حزب الله” نفسه فيها وأدت الى هذه النتائج الكارثية رغم النصائح التي أسديت له وخصوصاً من قبل الرئيس وليد جنبلاط بعدم جرّ لبنان الى حروب لا قدرة له على مواجهة تداعياتها. وكان جواب السيد نصرالله، أن “حزب الله” دخل الحرب نصرة لغزة انطلاقاً من وحدة الساحات، التي سقطت الواحدة تلو الأخرى.
اما الأمر الغريب العجيب فإن “حزب الله” يريد أن يقنع اللبنانيين بأن مقاومته هي للدفاع عن لبنان، وليس بأمر من الولي الفقيه الإيراني الذي يشكل الحزب أحد أذرعه في المنطقة، إضافة الى “حزب الله” العراقي، والحوثي في اليمن، و”حماس”. وذكر السيد نصرالله في إحدى اطلالاته الماضية أن ماله وسلاحه ولباسه وغذاءه وجميع ما يملكه من إيران. ولو لم يكن “حزب الله” والأذرع الثلاث الأخرى جزءاً لا يتجزأ من الحرس الثوري الإيراني لما كانت إيران تقدم لهم هذه المساعدات، بدليل أنها رغم ادعائها صداقة لبنان لا تقدم المساعدات الا للحزب وحده، ربما من دون حركة “أمل”، وسائر القوى الشيعية الأخرى في لبنان.. وبالتأكيد فإن تلك الأذرع المشار اليها لا تتحرك إلا بأوامر إيرانية من أجل تحسين موقعها في مفاوضات ملف إيران النووي.
أما محاولة الشيخ نعيم التبرير لـ”حزب الله” ورفع مسؤوليته عن إقحام لبنان في حرب إسناد جديدة على خلفية إطلاق صلية صواريخ باتجاه شمال اسرائيل غير كافية لقيام اسرائيل بتجديد الحرب ضد لبنان، فهذا الكلام يندرج في اطار استغباء اللبنانيين واللعب بعقولهم، وكأن صلية الصواريخ التي أطلقت باتجاه فلسطين المحتلة كانت رفاً من العصافير أو سرباً من الحمام الذي لا يهمه حدود الدول والتقسيمات الجغرافية. ثم لماذا نفد صبر الشيخ نعيم في هذا الوقت، بعد إغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي؟ ولماذا لم ينفد طوال الأشهر الخمسة عشر الماضية وهو يعترف بأن اسرائيل اغتالت 550 من كوادر “حزب الله”؟ الجواب هو أن إطلاق الصواريخ تجاه اسرائيل جاء بأوامر إيرانية وليس دفاعاً عن لبنان.
نعم لقد نجح “حزب الله” منذ أن أدخله الرئيس الشهيد رفيق الحريري في اتفاق 1996 بعد عملية “عناقيد الغضب” بضغط من الرئيس السوري حافظ الأسد في تشريع عمل المقاومة، الأمر الذي ساعد الحزب لكي يصبح دولة ضمن الدولة، والمنظم لسياساتها المحلية والخارجية بدعم سوري إيراني وغطاء أميركي فرنسي آنذاك.
في مفاوضات ما سمي باستعادة الأشلاء التي رعتها ألمانيا وإيران لاستعادة أشلاء الجنود الاسرائيليين الذين سقطوا في احدى المواجهات مع “حزب الله” في جنوب لبنان مع بداية العام 2000 واشتداد المقاومة على اسرائيل لإجبارها على الإنسحاب من لبنان في 25 أيار من العام نفسه، في هذه الفترة نَعِم الجنوب اللبناني بهدوء غير معهود، وبحركة عمرانية مزدهرة حوّلت القرى الحدودية والبلدات الواقعة جنوب الليطاني، الى نجوم متلألئة بعد أن حرمت من بهجة الحياة منذ العام 1969 حتى حرب الإسناد في السابع من تشرين الأول 2023 بالرغم من تداعيات حرب تموز في 2006 التي لم تغير شيئاً من صورة المشهد الحدودي، بسبب المهادنة الأميركية الايرانية في ذلك الوقت، لأن إيران لم يكن لديها مشروع نووي مكتمل حينها، وكانت قد عهدت الى النظام السوري بقيادة بشار الأسد
الامساك بملف “حزب الله” من أجل تطويع الداخل اللبناني، لدرجة جعلت بعض المنشقين عن الحزب يتهمونه بالتحول الى حرس حدود لإسرائيل.
وفي محاولة لتذكير الشيخ نعيم وهو طبعاً ليس ناسياً ما حصل، فإن “حزب الله” الذي عرف أن يوازن في علاقاته بين رؤساء الجمهورية والحكومات والقوى المؤثرة المتعاقبين، استطاع من خلال التهديد والوعيد التحكم بالقرارات المفصلية في الدولة اللبنانية والتكيف معها، والتي حاول القادة والمسؤولون اللبنانيون من خلالها تصويب العلاقة بين الدولة و”حزب الله”، مستفيداً من الغطاء المسيحي الذي تأمن له بتحالف مار مخايل مع رئيس “التيار الوطني الحر” العماد ميشال عون. فقد استطاع “حزب الله” نسف الحوار الذي دعا اليه رئيس مجلس النواب نبيه بري، من خلال حرب تموز 2006، ونسف “إعلان بعبدا” في 2009. كما أنه كان يتقن أسلوب المفاضلة بين رؤساء الجمهورية والحكومات. فهو مثلاً كان من أشد المتحمسين للرئيس اميل لحود، وعلى خصومة تامة مع الرئيس فؤاد السنيورة، رغم مشاركته في الحكومات التي شكلها في تلك الفترة. واليوم نجده يهادن الرئيس جوزاف عون ويتهم رئيس الحكومة نواف سلام بالتآمر على الحكومة التي هو جزء منها، وبالتقصير في الدفاع عن لبنان وإعمار الجنوب، بالرغم من الزيارة التاريخية التي قام بها سلام الى منطقة جنوب الليطاني والوعد الذي قطعه لأهالي المنطقة يإعادة الإعمار، وتأمين كل مستلزمات صمودهم وتشبثهم بأرضهم. لكن الشيخ نعيم الذي أطل على اللبنانيين بلاءاته السبع ورفضه قرار الحكومة بتسليم السلاح، بحجة أن صبره نفد، وقرر الدخول في حرب إسناد جديدة، يبدو أنه لا يهمه نزوح الجنوبيين وسلخهم بالقوة عن بيوتهم وقراهم وقتلهم وتشريدهم للمرة الثالثة أو الرابعة وربما الخامسة، من أجل الثأر للولي الفقيه السيد الخامنئي، متغافلاً عن الثأر للسيد نصرالله.
أما دعوة الشيخ نعيم اللبنانيين الى معاملة إخوانهم النازحين بإنسانية ووطنية فهذه سقطة لا تغتفر لك شيخ نعيم، لأنك خبرت بأم العين في المراحل السابقة كيف تعامل اللبنانيون مع إخوانهم النازحين في كل المراحل الماضية، منذ عملية “عناقيد الغضب” في العام 1996 الى اليوم. هذه المسألة لا تتطلب تسوية من أحد فهي راسخة في وجدان كل لبناني أحب الجنوب وأحب لبنان، المهم يا شيخ نعيم بقاء لبنان، وعقلنة المتلاعبين بأمنه واستقراره قبل فوات الأوان والسلام.












